الحوار المتمدن - موبايل



ومضات -5-

إبراهيم الوراق

2017 / 12 / 31
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


ومضات
5
تلك الحقيقة التي يمنحها لنا ما نجتازه من طرق ملونة بألوان ذواتنا، وملتسبة بما نحن عليه، ويخطط لنا ما نتغياه من غايات مثلى؛ فسواء حين تسود الفكرة التي تستبد بنا، فيحمل الأفق ما تلبد عليه من سواد النظرة التي نرخيها في ظلام المستقبل المجهول، أو حين يسُود البياض مساحة كبيرة في العمق المتحرك ببهرج يومه، وأمل غده، فيتحول كل ما نغرم به إلى محل للمتعة، واللذة، هي التي يمكن لها أن تكون دليلا على ما ينشئه الإخفاق والنجاح فيها من المعاني المتكاملة، تستأنس بحضورها الفعلي بين دوائر الحياة المتناقضة، فتغدو سرا من أسرارنا التي لا يمكن لنا أن نعبر عنها، ولا أن نتخلص منها، ولو حاولنا ذلك بما نبذله من جهد، وكد، وتوقفنا زمنا عند محاربة نوازعنا التي تسيطر علينا في محطات، وننتصر عليها في لحظات، فإن ما يحمل ذلك من قوالب اللغة المفصحة عن حركتنا نحو الكمال، أو الزوال، لن يفهم إلا بتأويلات عدة، تستلهم أدواتها مما يكتنزه كل كيان من مناطق الهبوط، والعروج، لأنه لا يحق له أن يتخطى طبائعه التي تشكلت عنده ، ولا أن يتعدى مفاهيمه التي تدبر سعيه، فيستحضر عامل الزمان، والمكان، لكي يساعده ذلك على اكتشاف ما تفاعل في الحضن من فواعل أنتجت تعبيرا معينا، له خصوصيته الذاتية، وروابطه الواقعية، إذ مهما صفا الذهن في لقط صوره، وصدق في التعامل مع الآخر أدبه، وحسن على نظام الحقائق سيره، وكانت الرغبة في غوره، هي الوصول إلى النقطة التي فاض منها المعنى، وسال منها عقل الأشياء المتفاعلة بالوجود، والمتآلفة بالبحث عن إكسير الخلود، فإنها ستبقى أسيرة للذات التي تحكمها قيود أخرى، وتفاعلات لها أثر في تكوين الشخصية، وتحديد طرق فهمها، ووعيها، ووسائل اتصالها، وتواصلها، ومعالم مراقفها فيما يواجه الحياة من معضلات، وتناقضات، لأنها ومهما تخلصت من الماضي، وإكراهاته، وإسقاطاته، أو قاومت من أجل النسيان الذي يهدم سطح الذكريات السيئة، ويبني حصنا جديدا للكنه الذي يتنسم روحه من قصود انتهت إليها بوساطة المكاشفة، والمصارحة، وسواء ما فرضته الطبيعة على الإنسان من جبر، وإكراه، وكان حتمية في استمرار الصيرورة، أو ما كان استظهارا للنقص المكشوف عواره في تعاقب الحدثان، ودوران الحظ بين الرغبة، والوحشة، أو استلهاما لفكرة تحرك الكينونة نحو تحقيق أمنيتها، وتعزيز ظهورها بالمظهر الأكمل وجها في البشرية، فإنها لن تنجو من ذلك الجهاز المفاهيمي الذي تراكمت فيه موجهات التجربة، والخبرة، والملاحظة، والمقارنة؛ وهي خلاصة صراع ينشب في الكيان بين غرائزه، ونزواته، وعصارة نزاع يتمدد بين الفكر، ومادته التي يستقيها من واقعه، وتطبيقاته للمبادئ التي تستحوذ على هويته الخارجية، وماهيته الداخلية، بكل ما تتكون فيها من تصورات للفضيلة، ومحددات للسعادة، وبها تبني سقف انتظارها لذلك الأمل الذي يرسم الغد المنتظر، والأمل السارح في المدى الذي ينتشر بأمله، وينطوي بألمه، إذ هي في ترقبها لذلك المنظور إليه بالعقل المدرك لخيوط الارتباطات، والالتزامات، ولو لم تكن لها واقعة في الأحداث المتراصة بين عينيه، أو المشتتة بين محاذيره، أو المستعصية في مطالبه، ومنها تتشكل كل الأنظمة التي تحدد وظيفته المستقلة، ودوره في السياق العام الذي تحكمه ضوابط أخرى، هي في تمثلها، أو في تعينها، تحقق جماع ماهية الفرد، والجماعة، لن تبتعد كثيرا في إدراكها لمراتب الوقائع عما ينجم عن صورها الذهنية من آثار فاعلة في غيرها، أو منفعلة بها، لها توجه معين في ترشيد حقيقتها إلى معان محدودة، ومرتبطة بما يتأسس عليه منطقها من أقيسة، وتركيبات، إذ حضور الذاتية في ترسيمات الحدود، وكل ما كونها من بدايات، ونهايات، هو الذي يفقد الإنسان سمة الموضوعية، ويصيره مقيد النظر في تحليله للأشياء التي تبهره، أو تخذله؛ وهي في كليتها علة لتفسيره، أو سبب لتأويله، لأن كل تفسير يستجلي به ما يختفي من دلالة الأشياء على مبانيها الغامضة، لا يلتجئ فيه إلا إلى معجمه الذاتي، ثم يقابل بين الحقائق كما وضعت عنده في الذهن، ورسمت في مقاييس حصره للصورة على مادتها، فيراها ممتدة في سياق الحياة البشرية، وهو محل الاشتراك الذي ينتزع منه كل فرد ما به تقوم رغبته في الخلد، والوجاهة في الطبيعة.
لكن حين لا تتفق الإرادات على تداول واحد في الدلالة، وتبرز خواص الكينونة في القراءة للشيء كمفهوم، أو كواقع يعبر عنه السلوك الإنساني، وتظهر طباعها في الاستيعاب للمدركات العقلية، والمجربات العيانية، وتتفتق عناصر مكونات تعليمها، وثقافتها، ومعرفتها، وكل ما يبني نظام الشخصية من خلفيات الماضي، ورواسب الحاضر، يغدو التأويل ضرورة قائمة في الإدراك الذي يستجن طريقة وعي بناء جوهر الغير، وكيفيات التعامل معه، وأنساق ما يدل عليه دوره من اتصال، أو انفصال، وسواء ما كانت نظرته إليه جميلة، أو قبيحة، لأن تحديد تلك الصورة مرتهن بما هو كامن في العقل من مبادئ، ومثل، وقيم، وأخلاق، إذ ليست المشكلة في الألفاظ التي تتركب بها مسميات اللغة المنطوق بها؛ وهي ولو احتمل مفهومها معاني متعددة، وسواء ما تعلق فيها بالاشتراك، أو بالترادف، أو بغيرها من الآليات التي تلتبس بها تحديدات القناعات، والغايات، لا يمكن لها أن ترسم ماهية الاختلاف بأبهر رسم، وأظهر ما فيه من وقوع الدلالة على مفهومها، لأنها لا تتجاوز منطقها الذي تفكر بحدوده الخاصة، بل تنطلق من خصوصياته الإدراكية إلى ما تشيده من مدلول مستقل في التفكير، والتعبير؛ وهي في كنهها بين مصيرين مشتركين: خير، أو شر، على اعتبارهما طرفين في قضايا الأخلاقيات، والجماليات، لأنها ينتجان آلة التحسين، والتقبيح، وما بينهما من مساحات غير متناهية المظاهر، ففيه مناطق يفصح عنها كل واحد بما فيه من صمت، أو صوت، لكنها في اتزانها، لا تتجاوز سيرة العقلاء، وقوامها صناعة مسارات الفضيلة، وخلق مهاد للحقيقة، وفي هوجها، لا تنطق إلا بلسان العدمية، أو العبثية، أو الفوضى، لأنها في تيهها الذي يفقدها ميزان اللغة، وما تنطق به من فكر، ونظر، لا تتشبث بما هو مطلوب بالحكمة، إذ هي التي تحكُم بنسقها الأشياء المحاكية لموقعها في الكون. ولذلك تساق بفقدان معيار التواصل مع الأشياء إلى الرذيلة، وقيامها مرتبط بما تحدثه الأنظمة الفاسدة من سياقات الانحراف، وأنماط الجنوح، وسواء في ذلك نظام التربية، أو التثقيف، أو غيرها من الأنظمة المتصارعة في الممكنات، والملتبسة بالمحالات، لأنها في كمالها المرتبط بما يجمع كميات التجارب في كيفية متفاعلة على غاية الانسجام، والالتحام، تنتج المظاهر السوية، وتلزم بما يضمن الكمالات البشرية، وإذا أنتجت ضدها بتزييف مورد حقيقتها، وتحريف مقصد طبيعتها؛ وهي ما وجدت إلا للائتلاف على الخير، والنفع، فإنها لا تعبر إلا عن صوت مجاف للعقل، ومخالف لأصول التفكير السليم؛ وهو المكروه وجوده في الأديان، والمنبوذ في حقائق الفلسفات. لكن الأخيرة، حاولت أن لا تنسبه إلى بعض الاستعمالات المعطلة لجهاز الإدراك المتوافق مع الحاسة الاجتماعية، لاختلاف المباني بين المراتب التي تتآلف حول قضية الاجتماع المحدد للنسق العام، ولكنها في صلادة الإيديولوجية المتحكمة على المصائر، لا تقبل مسمى الاختلاف على الأفهوم، لأنها تخضع الفرد للجماعة، ولا تمنحه الاستقلالية في مجاراة خصوصياته الذاتية. ولذا، يكون مجانفة ذلك السياج المحكم الآثار، والعواقب، ضرورة جارية في كثير من المراحل التي تشل خاصية الإنسان في التعقل، والتبصر، فيصير العقل الواعي غير قادر على فك شفرة الحياة البائسة، ثم يستحيل اللاوعي، أو اللاعقل، هو الحقيقة المطلوبة، أو ربما هو التعبير الأوضح عن الرغبات المرتبطة بالكيان الإنساني، لأنها تمنح الحياة نفس البقاء، وتجعلها محلا لبناء ذلك المعدوم، أو المفقود، أو المجهول، وتمتع ذلك المتمرد بمجال قابل للوصف، أو بيئة مؤهلة للتوليف.
ومن هنا يكون ذلك تصورا بالنقيض، أو قولا مرادا بالضدية، إذ هو في نهايته التي نصل إليها عند التحقق به، والتمكن من إبراز الماهية بأعراضها، وأغراضها، يجسد قيمة للإنسان الذي يخطو نحو النهاية بآمال عظمى، ويسير بين الدروب بأحلام كبرى، وإن كان لا يقبل أن تنصرم منه، بدون أن يستفيد فيها ما يشعر به من وجود، وامتنان؛ وهي إدراكه لما يكون مغلقا عليه في دائرة العقل المعيشي. والتفكير في التعيير عنه يغدو ألما، وعناء، والانتظار لما يأتي بعده من سمو يستحيل كمدا، وحزنا. وإذا كانت المشكلة قد تجاوزت سطوح تعريفات اللغة العادية، وتعالت عن قصودها المعتادة؛ لأنها، ومهما كانت متواطئة في سياق، أو في نمط، أو نسق، لا تستعمل إلا ما هو موجود في التداول المتواطئ عليه بين الوضع العام، والخاص؛ وهو ما نعنيه بالأمارات الاصطلاحية، أو العلامات الاتفاقية،ولو كان كثير منها مستعملا برغبة الاستعارة، أو الكناية، أو التورية، إذ الابتكار في صوغ أساليب لسانها، وإخراج الألفاظ عن معناها الوضعي لمناسبة فيما بينهما، لا يتم إلا عند استظهار ما هو دفين في الغور الممتد إلى ما لا نهاية له، واستنباط لما هو موجود من مقولات الكون، والطبيعة، والحياة، والإنسان، ولكن يلفه الخفاء، فاحتاج إلى الجلاء. ولهذا، يكون تركيب ما استخرج من ذلك قادرا على استجلاء معنى غير منظور إليه في كلام الفصحاء، وشعر البلغاء، لأنها تفجر مما هو مهجور من ألفاظها؛ وهو لا يكون مستغربا لحوشيته، كما درجت على ذلك كتب القدماء في الصناعتين، بل لعدم وجود ذوق يستلهمه من صوت الطبيعة الناطقة بكل الألسن، إذ لا يعرف كلامها إلا من تناغمت طاقته مع ألحانها، وأنغامها، واستوحى منها ما تبديه من رموز، وإشارات.
ولذا، تستلهم منه اللغات ما يضمن لها بقاء سماتها، ويطور معجمها الذي تنافس بمعانيه عاملي الزمان، والمكان، وتحيي به ما دبت إليه الموت من العلامات، والأمارات، وكان منسيا في الذاكرة، والحافظة. والحذق بمداراتها التجريدية، هو الذي يستوعب بتحليله للمفردات، والتراكيب، والروابط المنطقية التي تجمع بين الأسماء، والصفات، ومعانيها الحقيقية، والمجازية، ومدى توافقها على تحقق الدلالة بها، وتواضعها مع الحس المشترك الذي لا يفصل بين مراتب الإدراك للنقوش اللغوية، ما يبني جهازه المتولد بين أحشاء رحم تجربته في البيان، ويمهد سبيله إلى اختراع أساليب تتقنها لعبة اللغة، ولو كانت غير مكتسبة في الصياغة السابقة، لأنها ولو أضمرت ما تخفيه من تعبير، فإنها لا تستبعد أن يكون موضوعة من موضوعات الفهم، وربما حقيقة من حقائق الوعي الذي يؤسس لقضايا الكيان، والمجتمع، ما دامت تتغيى غاية معينة، لا تطاق إلا باستخدام الألفاظ، واستعمالها بطرق صحيحة، لا تتجاوز قانون النحو، ونظام السياق في التركيب، ووسائل الدلالة على المرجو من الملكات، والغايات، أو ما دامت تحدد قصدا بما تستبطنه صياغتها من قوالب متسمة بالإيحاء إلى ما في الذهن انفعال يحمل هموم الإنسان، ومشاكله في صياغة اللغة المعبرة عن حقيقته بلا لف، ودوران، لأنها تلتبس بالواقع المتشكل من حتميات معينة، فتلبس في أطلس الإرادات المتصارعة جبة الإدانة، أو الإقصاء، أو الإنكار، فإن المشكلة تكمن في دوافع التأويل الذي يضفي على التراكيب صفة الذات القارئة، وما تفرزه خصائصها من عوامل مؤثرة فيها بالسلب، أو الإيجاب، إذ التخلي عن ذلك، هو ما نسميه بالموضوعية، وهي التفاعل مع الموضوع بلا انتظار للنتيجة المحددة في الذهن بالقبلية، أو النكران للذات، والإخلاص للمعنى، والإظهار للقصد، ولو كان مخالفا لما يريده القارئ من مرامات مكنونة في بنائه النفسي، والاجتماعي، ولكن دل عليه السياق بذاته، لا بعوارض بعيدة عن حقيقته، وهي لا تتجسد إلا في كبد القارئ، وتتجرد عن اللفظ، وراسم معناه في الطبيعة.
وذلك لا يـتأتى إلا في لمحة صفاء الذهن، ونقائه من الشوائب التي تفسد مرآته، وتجعله غير مؤهل لأن تنعكس عليه أسماء الأشياء بدلالتها الكامنة فيها بالوضع، أو بالاصطلاح، وحينها يحلق في فضاء العقل، فيكون ذلك سببا لتجاوز صور الذهن، وما تختزنه من تناقض، وتعارض، قد تفارق بين الماهية، والهوية، فتصير الماهية شيئا، والهوية شيئا، وكلاهما لا يلتئمان على صناعة الوحدة، إلا إذا انحمت الأفاهيم في مقولاتها المفهومية، ودلت على أنها نسختها الخارجية، وكانت الأولى هي باطنها الذي يحدد الكيان العاقل، والواعي، والمفكر، لأن كل الحقائق التي تتفاعل في حياتنا، وتتناسل في واقعنا، هي مركبة من هذه الصياغة التي تتناظر فيها قيمة الباطن، وصورته الظاهرية، إذ هما جناحان لحقيقة واحدة، وهي الإنسان القاصد بكلامه قصدا تتم به الإفادة، والإجادة. وبروزها هو الشكل الهندسي الذي يفسر لنا منطقها المخزون بين طياتها، ويمنحنا القدرة على اكتشاف الخلل في تراكيبها، ومعرفة صدق القضية من كذبها، إذ دلالة الأول على الثاني، أو العكس، هو الذي يرشدنا إلى القيم الصدقية التي يقع عليها الحكم بالصواب، أو الخطأ، لأن تقابلهما في صيرورة الإنسان العاقل، وتفاعلها في مدار الوحدة المتكاثرة، واستيلاد فروعها من أصولها، واستنباط غائبها من شاهدها، ينتجان الفعل على شاكلة حقيقتهما، ويفرزان السلوك على مدى قصديتهما، وبه يتحقق الاستواء، أو الانحراف، إذ لا يمكن أن يحدثا في عالم التجاوز الزماني، والمكاني، إلا إذا كان من ورائهما دافع قوي، وهو المحدد لهما بين الأشياء المتشابهة مظهرا، والمتفارقة مخبرا، لأنه لا يمكن أن نحول أفعال البشر إلى لغات، إلا إذا انتقلنا إلى مجال الشعور الذي يوضح لنا كيف نؤسس لقيمة الوعي من المادة، وصورها المرتبطة بالتحيزات الإنسانية، والالتزامات الأخلاقية.
وإذا كان هذا في الاعتبار جديرا بأن يوصف بالخير، أو النفع، فإنه يبين لنا كيفية تصور القضية المركبة من رسم الظاهر، وهو المرئي، والمحكوم عليه في التجربة الحسية، ومن وسم الباطن، وهو الناموس الخفي الذي ينفخ الروح في الحقائق، لكي تتحول إلى أشياء مستقلة، أو إلى وقائع مركبة، يمكن لكل واحدة منها أن تكون برهانا على المنطق الخفي وراء الفعل، والسلوك، لأنها تتضمن قابلية الاستنتاج، والاستنساخ، فإن ما يقع من اختلال في جهاز المفاهيم المركبة من المعاني، وهي أيضا متكونة من عناصر الألفاظ الدالة على مسمياتها بالطبيعة، أو بالاصطلاح؛ والألفاظ في حقيقتها تدل على المفرد، إذا كان جوهرا، أي ذاتا تحمل اسما، أو معنى، وتدل على الجمع في جزئياته، وكلياته، إذا كانت خواصه مادة قابلة للتآلف، والتآزر، والتعاضد، لأنه هو غاية صياغة المركبات كلها، وسواء المعاني، أو المفاهيم. وبدونها، لا يمكن للغة أن تكون إشارة دالة على حقائق الباطن، ولو أفضت إلى تحديد الظاهر بتكافؤ بين داله، ومدلوله، إذ هي بدون الألفاظ المستعلمة تداوليا، ودلاليا، ستكون مجردة عن إحساسها، وعاطفتها، لأنها بتعبيرها الرمزي، إذا استعملت قيم اللفظ، تلخص حقيقتها في القرائن المدركة لذي النباهة، إذ هي بدون إدراك للقرائن التي تعرف رابطتُها بوساطة ما هو ممكن الحضور في الذهن، ولو استعصى في بعض الأفهام درك وجود ذلك الملحظ، أو تلك النقطة التي يتم فيها الالتقاء بين اللفظ ومعانيه القريبة، والبعيدة، لا يتم التعبير بها إلا في دائرة مغلقة، لا تطيق أن تكون روحا يسري في الكون، ويجري مع التغيرات، والتحولات، ويسري في كل المنجزات التي تعبر عن الإحساس، والحياة، والكون، لأن أكمل الألفاظ في رابطتها المنتظمة من الاسم، والمسمى، وأبلغها في الدلالة على العلاقة المنطقية بين المصطلح، ومفهومه، هو ذلك اللفظ الذي يستعمل بطرق مختلفة، وسواء منها ما التأمت فيه المعاني الجلية، أو الخفية. وخفاءها، هو مكمن البلاغة، ومربط الفصاحة، لأن في استعماله المبتذل بالتداول الفاقد لذوقه، لا يؤدي وظيفة لغوية متعالية، لها قيمة في الاعتبار الذي يجتاز بها الزمن، لكي تكون بصمتها مغرية لكل الأذواق السليمة، إذ من كثرة الاستعمال الذي يحدث الفجوة بين اللغة، والإنسان، وبينه وبين القصود، لم يزدد إلا وضوحا لا يرغب في رمزية المعاني التي تستخدم الذرائع من أجل بناء سياقها الأنطولوجي، وهو الذي يمنحها استقلالية في التفكير، والتعبير، إذ غموضه، هو سرها الذي يكسبنا الكفاءة اللغوية، والتواصل الذي يعتمد الحجاج، أو البرهان، لأنها ولو ابتغت الوضوح بالقصدية، والإبانة في الإرسال، فإن سر بلاغتها لا يتحقق إلا بالغوص في رموزها، وإشاراتها، وألغازها، ونوادرها.
ومن هنا، كانت لغة الصوفية إشارية، لأنها تهتك القناع الذي تلبسه الألفاظ، وتخلع عذار الأساليب، وتخترق المجال السائد بما هو غير مألوف من الكلام المعبر عن البعد الباطني، إذ هي تستعمل التعبير عن معانيها المتداولة تركيبيا، والدالة ببنائها على القيم الجمالية التي لها مكانتها في الذوق المشترك، إلا أنها بقرينة الجمال المفتعل بين محيطها الحسي، وفضائها المعنوي، حولت الأسماء من دلالاتها الذاتية، إلى جامع متعال، ومتناه في الغموض، وهو ما لا يمكن وصفه فنيا إلا بوساطة إحدى الوظائف اللغوية، لانحسار الذهن عن تصور موصوفه، وانعدام رابط بين الاسم، ومسماه، إذ لا يمكن الاستدلال عليه واقعيا، لافتقاره إلى مادته، وما انعدمت صورته الخارجية، عسر تحديده، وتعريفه. ولذا، حولت الدلالة من دنيا المراتب إلى أعلاها، لكي تدل على ما لا يمكن وجوده إلا مجازيا، وما لا يجوز تصوره ذهنيا، لأنها في هذا الانتقال من دلالة المحدود إلى اللامحدود، ومن المحسوس إلى اللامحسوس، راعت القرينة التي تقتبس ما هو فكري مما هو جمالي، وهي قمة الكمال في الصنع الذي يبتدئ بما هو مستطاب في العين، إلى ما هو جميل غير ممكن دركه إلا بين نفحات الوجدان، ونسماته في المنطق، والخيال. وهنا كانت القرينة غامضة، ولكنها في نسبيتها البشرية، لأنها تعبير عن المعلوم، وهو مجهول الذات، تدل على وجود علة مخزونة في الحقيقة، وهي كون الجمال يدل على خالقه، وذاك ما ينتهي إليه كل معنى يستحق أن يوصف به، أو يستوجب أن يكون بداية لإدراك العجز عن تحقق شيء به، أو تمثله في الصفات، والنعوت. وهكذا، فإن الصوفية، لم يتخلصوا من لغة الظاهر، إلا لأنهم يريدون أن يبقى الرسم كما هو في الواقع، وإن اختلف المعنى بين المراتب، وسواء ما هو فني، أو جمالي، فيصير ما ينشدونه عن دعد، ورباب، لا يدل على الجسمية كما هي مرئية، بل يدل على التوهان في تحديد كمال الجمال بأكمل وجه، وهي الأنثى في برزخ المعاني، وإيوان الأواني، لاسيما حين تكون عبارة عن ذلك الشيء الذي لا يطاق وصفه إلا بمجاز، أو رمز، أو إشارة، إذ هي لا توصف إلا بما يقربها من الذهن، لا بما ينقشها من ألوان في مطلق الوجدان المتعالي، لأن فتنتها من روحها المرتبط بالعالم العلوي، لا من قوامها الذي تسكنه سمات النسب، والانتماء إلى نوع، لا تمام له إلا باتصاله بمجرد الجنس. ومن اكتفى بالظاهر، استحوذ على الجسد، ونال منه شهوته، ومن رآها سرا في الطبيعة، علم أن كل عظيم لا تلده إلا الأنثى.
وإذا كان الإنسان عبدا لجهازه المفاهيمي، وعدوا للموضوعية التي تقتضي الالتزام بناموس العدالة في الذات، والإنصاف في الموضوع، لاسيما في العقول التي تسيطر عليها إيديولوجية تتبنى خيار الصراع، أو نظرية المؤامرة، أو تخاف من الواقع البراني، على اعتباره يستبطن العدو الخارجي، فإن كثيرا من التفسيرات، لا تحمل مصداقيتها، بل تنزف بالتأويل الذي تفضي إليه الذات عند انعدام سبيل التآلف مع الغير، والتحاور معه بمقتضى صناعة المهد الآمن، وهو كل ما يحتوي اختلافنا في الطبائع، والنوازع، والرغبات، ويحتضن كل الملامح والتقسيمات التي تفصل بين الذوات المتحركة، والمتعقلة، وتعطي كل واحد صفته، وخصوصيته، وبها كمال حياته الشخصية، والاعتبارية. ولذا، لم يطق الخطاب المتعالي اليوم أن يتجاوز ظاهرة اللغة، وإكراهاتها في تداولها العام، لكي تربط الإنسان بنبض أشواقه المحتقنة في عمقه، وتصل بين العوالم الخفية فيه، والجلية معه، لأنه، لا يدل في كثير من مساراته على الامتداد في الزمان، والمكان، بل ألغى التعدد بتعاليه على الإنسان، واكتفى بالتعليم الذي يكسبه حق الأستاذية، ويمنحه قوة المطلق على غيره، إذ إلغاء لغة الإنسان، وإقصاء دوره في صياغة النص المتداول؛ وهو مجموع التأليفات التي تتوحد في تحديدها كل المكونات البشرية، لأن ذلك، لا يوحي إلا بالاستغلال للقيم المشتركة، وإخضاعها لمنطق موحد، لا يربو إلا في ذات الناطق به؛ وهو كل خطاب لا يستجيب لآليات صناعة مهد الإنسانية بين العوالم المختلفة، بل يؤول كل لغات الإنسان بما في جوانه من عنف، وتطرف، لكي يقع المخالف في قفص الاتهام، وإذ ذاك، ينفي عنه صفة الوجود، فيستحيل إلى رماد بين ظلمات القبور..







اخر الافلام

.. من هو جمال خاشقجي .. صديق بن لادن ؟


.. دورات شيعية للميليشيات الطائفية في دير الزور بدعم من الحرس ا


.. حملة المرشحين لرئاسة البرازيل تستهدف الكنائس ومرتاديها




.. العلويون يغزون الفيلق الخامس الذي زعمت روسيا تشكيله..السيطرة


.. القومى لحقوق الإنسان: الإخوان لا تؤمن بمنجزات الحضارة الإنسا