الحوار المتمدن - موبايل



جعجعة القرن مقابل صفقة القرن

نضال نعيسة

2018 / 1 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


جعجعة القرن مقابل صفقة القرن

ن قيل فيما قيل عن القرار الرئاسي الأمريكي بإعلان القدس عاصمة أبدية لبني إسرائيل، ونقل مقر السفارة الأمريكية إليها، أن ذلك يندرج ضمن ما أسموه صفقة القرن بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والعاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز وفوقهم "بخشيش" سعودي لأمريكا بقيمة 500مليار دولار لحماية العرش والعائلة المالكة وتعزيز هيمنة وسيطرة بني سعود على شعب وثروة ما تسمى بـ"شبه الجزيرة العربية".

ولا ضير، بهذا الصدد، من التذكير بأن أول من أصدر قرار نقل السفارة كان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون إبان حملته الانتخابية، وتاجر به جورج بوش الابن وأجـّله أوباما، ريثما تنضج الظروف فيما تجاسر ونفـّذه الرئيس الحالي ترامب، في ظروف دقيقة جداً ومواتية كثيراً للأمر لاسيما بعد التمهيد الطويل للأمر الذي تجلى بالنجاح النسبي لمشروع الفوضى الخلاقة في المنطقة وإضعاف القوى الفاعلة بالإقليم واستهدافها عسكرياً كسوريا والعراق وليبيا، وضمان الولاء المسبق للمجموعة الأكثر تأثيراً والأقوى اقتصاديا أي منظومة الخليج الفارسي والتي تصدعت أيضاً وتفرقت قبائل وشعوباً وشيعاً، وأما الحليف الهاشمي التاريخي للغرب فقد تم التلويح له، مؤخراً، بالجنائية الدولية فيما لو فكر أن يلعب "بذيله" ويرفع صوته، أو تحييدها وتهميشها كمصر وخلق مشاكل داخلية وأمنية وإستراتيجية ومصيرية لها وهي مكبلة، أصلاً، بأغلال عدة وتقود معارك وجودية كجائحة الإرهاب الذي يضربها، والمجاعة بسبب الانفجار السكاني وانهيار الخطط التنموية، وشبح العطش والجفاف الذي بات يطاردها بسبب التلويح ببناء سد النهضة الإثيوبي كورقة ضغط لضبط سلوكها السياسي في المنطقة وضمان عدم خروجها عن "المسار" المطلوب، فيما يبدو "العرب" الآخرون في مواقف لا يحسدون عليها ومطاردون من العدالة الدولية كالسودان المأزوم داخلياً وتقسيم البلد وتفكيكه لعدة كيانات هزيلة وشبح الحرب الأهلية ما زال جاثماً ويطارد الجميع، أو غارقون في مشاكل داخلية كتونس، أو ممن يغوص بعلاقات بينية وحدودية مضطربة ومتوترة كالجزائر والمغرب وموريتانيا، إذ لا يبدو أنها تمتلك الوقت الكافي للتفكير بـ"العرب" ومشاكلهم الكثيرة وقضاياهم المصيرية وقصصهم "المزعجة"، فيما فلسطين المعني المباشر بالقضية تعاني انقساماً تاريخياً حاداً لم تشهد له مثيلاً منذ انهيار آخر اتفاق لما يسمى مصالحة وطنية فلسطينية وفيما يبدو انضمام غزة-ستان وعودتها للضفة وتوحيدها مع السلطة أصعب من توسلات أردوغان صاحب النبرة العالية اليوم وانكسار حلم انضمامه المستحيل نهائياً للاتحاد الأوروبي، والذي أصبح مجرد بطة عرجاء لجملة الأزمات التي زج نفسه بها وتحاصره من كل صوب.

ومن دون الخوض في اللغط وإشكالية الأحقية والملكية التاريخية للمدينة المقدسة لدى الديانات الثلاث، فإن الوضع القائم الحالي الـStatus Quo، وربما منذ وقت نسبي مضى، وكما أوضح ترامب في خطاب الاعتراف، فهي قولاً وفعلاً العاصمة الحالية لإسرائيل وتلعب دور العاصمة الرسمية ففيها مقر الرئاسة والكنيسيت ورئاسة الوزراء ومعظم الوزارات ومركز النشاط السياسي والدبلوماسي للدولة، ولا يقدم ولا يؤخر أو يؤثر القرار في وضعها هذا، كما لا يبدو أن كل هذا الطحن والعجن الإعلامي سيفعل شيئاً بمستقبلها طالما أن ما يسمى بالعالمين العربي والإسلامي على هذه الدرجة من الوهن والضعف والتفكك والبؤس والانهيار البنيوي على مستويات عدة، وتشكل أكبر مصفوفة ومنظومة من الدول الفاشلة المتناظرة جماعياً والتي تتقاسم نفس العلل والآفات المجتمعية والعاهات السياسية المزمنة، وبعيداً عن هذا التشنج والنحيب والصخب والضجيج الإعلامي الممل والمؤرق و"الهيصة" والرقص على جثة القدس، فليس بإمكانهم تقديم أي شيء عملي للمدينة، وفقاً للمعطيات الراهنة، اللهم سوى إصدار الأصوات المزعجة.

تنبري، اليوم، معظم وسائل الإعلام ومنابر الأنظمة "التقدمية" منها، و"الرجعية" للحديث عن القدس فيما يشبه العرس الإعلامي الجماعي والكل يعزف سيمفونية واحدة ويبكي ويلطم في إعلامه وأصبحت "أور شالام" (وهو بالمناسبة الاسم التاريخي ما قبل العربي الإسلامي)،الشغل الشاغل لمن لا شغل ولا عمل له بحيث بات دوي "انفجارات" الصراخ والبكاء وصواريخ النواح المتساقطة على المدينة يغطي على القضية والحقيقية ويساهم في تمرير القرار في ظل غياب أية آلية عملية فعالة وناجعة لإحداث أي تغيير على الأرض، وثني قرار عن قراره، لتنحصر القضية اليوم برمتها، وتبدو مجرد جعجعة فارغة بلا طحين، لا أكثر ولا أقل.

ستهدأ، ولا شك، هذه العاصفة الصوتية قريباً، ويعوّل الطرف المقابل، كالعادة، على عامل الزمن والوقت، لطي هذه الصفحة، كما طويت غيرها من صفحات، ويكفي أصحاب القضية، والحال، خروجهم من هذه المعمعة بكل هذه الجعجعة، وحسبهم هذا الشرف الرفيع، أي وأيم الله.







اخر الافلام

.. إسرائيل: نواب الكنيست العرب يمزقون نص قانون -الدولة القومية-


.. اتفاق على استعادة الجيش السوري مناطق سيطرة الفصائل المعارضة


.. جدل بشأن فيديو يظهر أحد مقربي ماكرون وهو يضرب متظاهرا




.. جونسون: إن الوقت لم يفت لإنقاذ البريكسيت


.. أحمد الطيبي: تبني مشروع الدولة القومية يعطي طابعا رسميا للعن