الحوار المتمدن - موبايل



التعبير المتواتر وأثره في الثقافة المعاصرة

ناظم الديراوي

2018 / 1 / 5
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات



شكل تعايش الثقافات والآداب المغايرة وتفاعلها، على امتداد تاريخ المجتمع البشري، عنصرَ خصب وثراء في كيان وهوية الحضارات الإنسانية المتعاقبة وعمرانها وروائعها المدونة. وتداول معتقدات الأقوام والأديان ومفاهيمها وقيمها، وتعاقب الراسخ من تقاليدها وأعرافها على مر العصور. وما كان للتقارب أو التباعد الجغرافي والعرقي والديني للمجتمعات الحضرية أثر عائق في تبادل المؤثرات والمنافع الحياتية بشتى أصنافها، في تلك العملية التراكمية التفاعلية، ووشائجها التاريخية المعقدة.
يُصنف التُراث الإبداعي للجماعات البشرية، المتواتر عبر الأزمان، كمنبع هام ومكون أساسي للثقافة والآداب الكتابية والشفهية الحية وطراز العمران وأصناف الفنون التشكيلية والتعبيرية. رغم تشتتها الجغرافي واختلاف انتمائها العرقي، وتباين مراتب تطورها ورقاء إرثها المعرفي وثرائه وأثره المحفز في ازدهار معارف المجتمعات المعاصرة ورخائها. وإظهار البراعة والإبداع في آدابها وفنونها المتنوعة، بل وقيمها الدينية والثقافية. أما استثمار التراث الحضاري وابتكاراته الأصيلة ولغته التعبيرية الطاغية على تفاهمات الناس بأشكالها المتعددة ، وتفاعلها مع الوسط الاجتماعي، فيعتمد، قبل كل شيء، على جنس الإبداع الذي ساد في ماضي الأقوام الغابرة وأنماطه، وما تم الحفاظ عليه وحمايته من الذوبان والنسيان. والتعامل معه كميراث فياض بالمعارف والأعراف والقيم الإنسانية عابرة القرون. والكشف عن الأنساق الثقافية المضمرة فيه عبر الأجيال المتعاقبة.
فإن كان أدباً مكتوباً، فلا شك أنَّ أثره في حاضر الأمة وجمهورها المتعلم وروائع لغتها وتألق ألفاظها وثقافتها وعقائدها، يصبح أكثر عمقاً وشيوعاً وتحكماً في مناهج التفكير والتعبير، وبلاغة الكلام وتنميق بيانه وطبائعه وأخلاقه. وحينها يترك الاهتمام الشديد بالآثار الفكرية لهذا المخزون الحضاري المتنوع، وفنون تعبيره المجازي، في الشعر والنثر، وخصائصه الجمالية وإدراك دلالاتها اللغوية، وتأويل نوازعه وتخيلاته وامتدادها التاريخي كعطاء جمعي، أثراً عميقاً في صميم النتاج الأدبي المجازي وأسلوبه البلاغي ومزاياه الممتعة والمثيرة، وينفذ إلى التدوين التاريخي والفلسفي وفن ترجمة السير والخطاب السياسي والفقهي.
وإن ورد أدباً شفهياً، حيث تغلب عليه الأساطير والقصص والمأثورات التقليدية الترفيهية، التي وضعها الرواة وحفظتها الأجيال وتوارثتها، جيلاً عن جيل، وغالباً ما يدعي إبداعها وملكيتها أكثر من قوم. بفعل تعاقب الدهور وتراجع الاهتمام بالمعارف العامة، وطغيان الركود والجهل، وانتشارها على الألسن في اللهجات المحلية. الأمر الذي يدفع ذاك الألق والشغف والفتنة اللائي رافقت المسرود الأسطوري " الذي يمزج التاريخ بالعجائبي، والحسي بالمثالي"، إلى التقهقر والضمور والاختفاء. وربما تكمن العلة في عدم إثراء الأسطورة وتهذيب المروي شفهياً وتطعيمه بما هو مُحسن وبليغ، وما تتوق إليه الروح البشرية من عجائب وجماليات عميقة، ما يجعله ضعيف الأثر في لغة التعبير والإبداع الفني المعاصر. إذ أنه لم يخضع، وبشكل مستمر، للتدوين الأدبي والتصنيف والاستقصاء العقلاني، بل والمحاكاة والاستدعاء أدبياً، واختبار قدرته في التأثير المباشر في صياغة ثقافة المجتمع وفكره الاجتماعي وتعبيراته المحكمة.
أما إذا جُسد إبداع العصور الغابرة السائد في اللوحات التعبيرية، فليس بوسع المرء أن يكشف عن أثر بارز لهذا التراث في حاضر الأمة، الثقافي والروحي. رغم ظهور إشارات تعميمية في بعض المواضيع، واستعارات مبثوثة في ثنايا الفن التشكيلي، وبصمات على المعتقدات الدينية. نقصد على وجه التحديد الأوثان والأيقونات ومكونات طقوس العبادة ومناسكها. ولعل مبعث هذا مرتبط بالتقصير في تفعيل أداة التفكير والكتابة والإبداع المقروء. بمعنى عدم استثمار اللغة، كتابة ونطقاً، في تدوين جنس الإبداع السائد عصر ذاك ومقدار تأثيره على طراز حياة الجماعات البشرية وأعرافها وانشغالها الفكري.
ويمكن القول أنّه كلما كان الموروث المكتوب حافلاً بالثراء المميز كان التأمل العميق فيه أكثر متْعَة وإفادة في استدعائه واستمداده المباشر في أجناس الإبداع المعاصرة، وتلمس أثره في تنوع الألفاظ والتراكيب اللغوية البليغة، وما عداها من موحيات وتصورات شعرية وسردية مستعارة من سفر التُراث المقروء.







اخر الافلام

.. البنتاغون يحذر انقرة من شن هجوم على حلفائه في سوريا


.. بومبيو


.. مخاوف من خطر طوفان على سكان النيبال وبحيرات إيفرست




.. شاهد: كتل جليدية في لندن للفت الأنظار نحو أزمة الاحتباس الحر


.. التصويت في البرلمان البريطاني على مذكرة حجب الثقة عن تيريزا