الحوار المتمدن - موبايل



مجزرة -حضرة امير المؤمنين!- تيمورلنك في بغداد عام 1401

قاسم الجميلي

2018 / 1 / 6
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات




ولد تيمورلنك في كاش التي تقع نحو 50 ميلا جنوب سمرقند في اوزبكستان في 8 نيسان عام 1336. وعندما بلغ تيمورلنك سن الرابعة والثلاثين من العمر تمكن من قتل منافسه مير حسين واصبح الحاكم المتنفذ في منطقته. وخلال السنوات الست التالية عمل تيمورلنك على ترسيخ سلطته قبل ان يشن غزوات لاجتياح افغانستان، والهند، وبلاد فارس، والعراق، وسوريا، والدولة العثمانية ومناطق اخرى في العالم. وبعد احكامه السيطرة على الاناضول واسر السلطان العثماني الجسور بايزيد اثر هزيمته في موقعة انقرة عام 1402، غدت املاك تيمورلنك تمثل امبراطورية مترامية الاطراف. لكن سرعان ما دب الضغف والانحلال في تلك الامبراطورية في اعقاب وفاة تيمورلنك في عام 1405.

ان ابرز ما ميز حملات تيمورلنك العسكرية صيتها السيء في ارتكاب المجازر الواسعة واقامة ابراج او اهرامات الرؤوس الرمزية للقتلى! فقبل دخوله بغداد وبعدها، ارتكب تيمورلنك فضائع ومذابح وحشية بحق شعوب البلدان المقهورة والجنود المدافعين عن بلدانهم قل لها نظير في التاريخ الانساني وقد يصعب تصديقها. وهنا نستعرض عينات منها: ففي عام 1383-1384 وفي اعقاب غزوه سيستان امر تيمورلنك ببناء سور ضمنه جثث نحو الفين من الاسرى!. ولن ينس التاريخ لتيمورلنك المجازر التي ارتكبها بحق مدينة اصفهان التي طالت نحو 70.000 من اهلها. ولم يتردد تيمورلنك بعد احتلاله دلهي في الهند في كانون الاول 1398، من ان يذبح بدم بارد نحو 100.000 من الاسرى. وقد قيل بأن جداولا من الدم سالت تحت اقدام تيمورلنك و جنده. ولم يتوان هذا الطاغية ايضا من دفن اربعة الاف ارمني وهم احياء في عام 1400-1401. وفي السنة ذاتها امر تيمورلنك ببناء اربعة وعشربن هرما او برجا من الجماجم بعد اكتساحه حلب ودمشق في سوريا. وللتذكير في هذا المجال، فان ابراج او اهرامات الجماجم لم تكن تُعمل بطريقة عبثية كما يتصور البعض، بل وفق هندسة تيمورية محكمة!. فبعد فصل الرؤوس عن الاجساد، كان تيمورلنك يأمر معماريه ومهندسيه في ان يبنوا على "نحو نظامي" ابراجا من رؤوس مقاتلي او سكان البلدان والمدن المقهورة. وكان هؤلاء المعماريون يستعملون الرؤوس في بناء تلك الاهرامات، كالطابوق تماما، كما يستخدمون مادة ماسكة في بناء ابراج هذه الجماجم. وينبغي لابراج الجماجم ان تكون كل الوجوه فيها متجهة نحو الخارج، بحيث يرى الناظر برجا من الوجوه. وكان معماريو تيمورلنك يعملون درجا لكل برج حتى يُمكن اضاءة المصباح فيه ليلا!.



على اي حال، ما ان استتبت الامور لتيمورلنك في العديد من المناطق، انقلب نظره نحو بغداد عاصمة الخلافة ومدينة الشرق الساحرة. وقد قيل ان تيمورلنك قبل غزوه العراق بسبع سنين كان يتهيب بغداد ويتعامل معها ببعض من الاعتدال. لكنه بعد ان سقطت العديد من الدول والممالك القريبة منها بيده بسهولة اندفع تيمورلنك بقوة غازيا بغداد التي كانت انذاك تحت حكم السلطان احمد الجلائري. وبعد حصار محكم للمدينة ودفاع مستميت من اهلها، استطاع تيمورلنك من دخول بغداد في 20 حزيران 1401. وفور دخوله عاصمة الخلافة امر تيمورلنك جنوده بارتكاب مجزرة عامة قاسية ومرعبة. ويقال انها جاءت انتقاما للعديد من ضباط جيشه البارزين الذين قتلوا اثناء المقاومة البغدادية للحصار. وقد اصدر تيمورلنك اوامرا قضت بابادة كل من تبقى من سكان بغداد بعد الحصار والقتال. ومن المثير للاستغراب، انه في خضم عمليات الابادة الجماعية لم يدّخر تيمورلنك حياة احد سوى الادباء ورجال الدين والشيوخ والمتصوفة. فقد وفرت قوات تيمورلنك لهؤلاء الملابس والطعام ونقلوا الى مكان امن. وقد ادار المغول عملية ايصال هؤلاء الى سرادق تيمورلنك، الذي اكرمهم وحتى عرض عليهم اردية الشرف!. وقد قيل ان سلوك تيمورلنك هذا كان مستحثا بعقليته التي كانت متاثرة بالادب!.

وبمعزل عن هؤلاء الادباء ورجال الدين والشيوخ، فان عموم السكان، بما فيهم الاطفال، جُزروا بطريقة منظمة وبلا رحمة. وبحسب ما اورده شرف الدين علي يزدي في كتابه "ظفرنامه" (كتاب النصر) الذي يعود للقرن السادس عشر، كان على كل جندي ان يجلب راسا لمواطن بغدادي الى الضابط المغولي ليدونه في الحساب!. بينما يشير ابن عربشاه في كتابه الذي يؤرخ فيه لتيمورلنك المعنون "عجائب المقدور في اخبار تيمور"، انه كان على كل جندي مغولي ان يجلب راسين. اما بالنسبة للابنية العامة فقد دُمرت بالكامل، واستثنى منها تيمورلنك الجوامع فقط! وقدّر ابن عربشاه ان عدد المواطنين البغداديين الذين جزرهم تيمورلنك وجنده كان نحو 90.000. وعُد الناجين من هذه المجزرة نادرين جدا. فبحسب كتاب "ظفرنامه" لم يتخط عددهم 1%، وقد بيعوا في اسواق النخاسة كعبيد! وقد وزع جند تيمورلنك اكوام الرؤوس في كل انحاء بغداد. وطبقا للاخباريين فان تيمورلنك امر جيشه البربري ببناء 120 هرما تحوي نحو 90.000 جمجمة. وتُظهر احدى اللوحات التي اوردها شرف الدين علي يزدي في كتابه "ظفرنامه" جنودا مغول يقدمون الى لورد الحرب تيمورلنك الجالس على سجادة رؤوسا لبغداديين قُطعت عن اجسادها المتناثرة في المكان. كما تُظهر اللوحة ايضا احد ابراج الجماجم العالية للسكان البغداديين. وقد عجلت حرارة تموز الشديدة في العراق في عام 1401 في تفسخ الكم الهائل من جثث القتلى الموزعة في انحاء المدينة. واسهم تفسخ وتحلل الجثث بدوره في تفشي اوبئة اجبرت المنتصر على ان ينسحب من المدينة التي عانت هلاكا ودمارا فادح الكلفة على اهلها وتاريخها الانساني. ومن المفارقات الغريبة انه على الرغم مع كل هذه المذابح والجرائم والابادات الجماعية التي ارتكبها هذا القائد السادي بحق امم وشعوب عديدة، يُمجّد المفكرون والمؤرخون وقادة القرار السياسي في الكثير من دول اسيا الوسطى اليوم تيمورلنك كفاتح عظيم، ويصنفونه كبطل قومي، وحتى انهم يلقبونه ب"امير المؤمنين"!







اخر الافلام

.. إيماناً منا بأنك تمتلك الموهبة.. شاركنا موهبتك ونضمن لك النج


.. كوريا الشمالية ترفض الحديث عن العقوبات وتستعد للأولمبياد


.. كوريا الجنوبية تحذر جارتها الشمالية




.. تقرير أمام مجلس الأمن: -إيران تمد الحوثيين بالصواريخ-


.. قرصنة -مزدوجة- لمستخدمي آبل