الحوار المتمدن - موبايل



مباحث في الاستخبارات (104) المعالجة

بشير الوندي

2018 / 1 / 7
الارهاب, الحرب والسلام


مدخل
------------
المعالجة تعني التعامل مع مخطط العدو او مع تهديد امني معين بشكل فوري , وهي من اعمال المكافحة , لكن المعني بتنفيذها قد يكون رجل الامن او رجل الاستخبارات او رجل الجيش ...وحتى المواطن العادي في بعض الحالات .
وعادة ما تكون المعالجة في الحالات التي لاتحتمل الانتظار سواء كانت المعالجة السلبية بصد خطر ما , او معالجة ايجابية بالهجوم على هدف ما كالهجوم على وكر للارهابيين , لان الانتظار فيها يسبب خطراً قد يوقع ضحايا او اضرار بأمن البلاد , الامر الذي تتحسب له الدول من خلال اجهزة معينة سواء كانت استخبارية او شرطوية او عسكرية .
----------------------------------------
الهدف من الاستخبار الى المكافحة
----------------------------------------
كنا قد اشرنا في مباحث سابقة الى ان الاجهزة الاستخبارية هي اجهزة تتعامل مع اي خبر يردها من خلال مراحل خمس كي تجعله معلومة استخبارية كاملة ومحددة تصلح للاحالة الى الاجهزة الامنية للتعامل معها .
والمراحل الخمس هي :
1. الخبر .
2. الاستخبار .
3. التحليل .
4. التدقيق .
5. التهديف .
وحين نصل الى التهديف تكون الاستخبارات قد استنفدت كل طاقاتها , فاستخبرت عن الخبر (المرحلة الاولى )واحالته الى معلومة (المرحلة الثانية )وتم تحليلها وفك اسرارها (المرحلة الثالثة ) وتدقيقها (المرحلة الرابعة )ورصدها باستخدام كافة الاساليب الفنية وراقبت وتنصتت وصورت ووثقت (المرحلة الخامسة ), وقامت بافعال غير قانونية وبلا ضوابط قضائية وخرقت عدداً لابأس به من لوائح حقوق الانسان وخصوصياته .
وبعد استنفاذ المراحل الخمس وصلت الى نتيجة مفادها – مثلاً – ان ما يبدو انه معرض لبيع السيارات هو في حقيقته وكراً ارهابياً او مصنعاً للتفخيخ او واجهة للتمويل الارهابي او لتبييض الاموال او لتهريب المخدرات , او اية جريمة اخرى .
بعد ذلك , تقوم الاجهزة الاستخبارية بتسليم الملف عن هذا المعرض – الهدف - الى الجهاز الامني المختص , ليقوم بدوره باجراءآت خمس اخرى - لكن قانونية هذه المرة - بأوامر قضائية , والخطوات الخمس التالية هي :
6. المراقبة .
7.العمليات .
8. التحقيق .
9. التغذيه العكسية .
10 . الأحكام .
حيث يقوم باجراء مراقبته الخاصة (الخطوة السادسة ) لتحديد الهدف والقوة اللازمة الكافية لالقاء القبض على الفاعلين وتحديد التوقيت الدقيق الذي يضمن تواجد كل المجرمين المستهدفين وبالاخص الرؤوس الكبيرة منهم , وضمان ان يكون القاء القبض في حالة تلبس كاملة ويحدد احتياجاته للقوة المهاجمة وسلاحها المناسب وحجمها.
وفي الخطوة السابعة يلقي القبض على المجرمين من خلال خطوة العمليات , ويسلم المجرمين للعدالة ويعلم الاجهزة الاستخبارية بتنفيذ المهمة , ثم تقوم الاجهزة التحقيقية باجراءآتها (الخطوة الثامنة ).
وفي خطوة التحقيقات يجري ابلاغ الاجهزة الاستخبارية بنتائج التحقيق (الخطوة التاسعة )بمانسميه بالتغذية العكسية , لتستفيد منه الاجهزة الاستخبارية بثلاث فوائد هامة هي : استكمال وتصحيح معلوماتها في قاعدة البيانات , وقد تستفيد في خلق اهداف جديدة نتيجة الاعترافات ,وقد تطلب من الجهات التحقيقية ان توجه بعض الاسئلة المحددة للمجرمين تحتاج الى اجابات عنها.
ثم تكون الخطوة الاخيرة (العاشرة )في تقديم المجرمين الى المحاكم لينالوا جزائهم , وهنا قد تسعى الاجهزة الاستخبارية الى الاتصال المباشر بالمجرمين في السجن لمحاولة تجنيدهم .
فالخطوات الخمس الأولى , التي اشرنا اليها وشرحناها في مباحث سابقة بشيء من التفصيل , هي مراحل الاستخبارات , والخطوات الخمس التالية هي مراحل المكافحة , لتتم المراحل العشر الدقيقة والمثابرة في رحلة الخبر الذي وصل الى الاجهزة الاستخبارية حتى انتج القاء القبض على شبكة ارهابية وايداعها السجن او الاعدام او ماتستحقه.
------------------------------
خطوة بلا تسلسل
-------------------------------
كما بينا , فان ما شرحناه من خطوات عشر , هو امر يحتاج الى وقت يختلف من مهمة الى اخرى ومن هدف الى آخر , وهذا الوقت طويل قد يستغرق ايام او اسابيع وقد يمتد في بعض الاحيان الى اشهر وسنوات , وهو امر لايصلح في حالات الخطر الداهم , كما ان ميزة الخطوات العشر آنفة الذكر انها يجب ان تتم بشكل متسلسل دون قفز او احراق للمراحل .
ان بعض المخاطر قد تكون تفاعلاتها آنية , او قد تتطلب تحركاً سريعاً يحتاج الى حرق المراحل العشر واختصارها , وهو مانسميه بخطوة المعالجة او عَرَضاً بالخطوة الحادية عشر , ولكي نكون اكثر دقة , فاننا نميل الى ان لانضع لها رقماً كي لانوحي بالتسلسل التراتبي , وان الرقم يوضع فقط من باب الاختلاف والتعدد.
فالمعالجة مرحلة مهمة من الجهد الأمني لا يمكن حصرها بمكان محدد بين الجهد الاستخباري والجهد المكافح , وتختلف مرحلة المعالجة عن المراحل العشرة , فيمكن أن تحدث في كل مكان وكل وقت بلا تسلسل استخباري او مكافح.
وحين نقول ان المعالجة قد تتم في اية خطوة فانه امر بديهي , فحين يكون الخطر واقع امام نظرك فانه ليس خبر بل معلومة مؤكدة مكتملة الاركان لاتحتاج سوى للتعامل الفوري بالمعالجة , كما لو ان طيار هليكوبتر شاهد مجموعة ارهابية تزرع عبوة على الطريق , هنا عليه التدخل والمعالجة بالتوازي مع اخبار السلطات,فبذلك تكون المعالجة قبل الخبر.
وقد تتعامل الاستخبارات مع خبر وتنتج عن الخبر معلومة عن ارهابي سيقوم بعملية انتحارية , هنا يتم الانتقال للمعالجة الفورية دون المرور بالتحليل ومايليه.
وقد ينتقل الخبر الى معلومة يجري تحليلها ويتبين من خلال التحليل او من خلال حل رسالة شفرية للارهابيين , ان زعيم ارهابي مطلوب سيكون في وقت معلوم بمكان محدد , هنا تتم المعالجة بالهجوم لقتله او القاء القبض عليه دون انتظار التدقيق والتهديف.
وقد يتم اكتشاف هدف خطير او خطر داهم في مرحلة التدقيق او مرحلة التهديف من خلال المراقبة الفنية والتنصت , كأن نكتشف بالتنصت في مرحلة التهديف والمراقبة ان ساعة الصفر لعملية ارهابية قد أزَفَت , حينها تصدر الاوامر بالمعالجة فوراً .
ونفس الشيء يصدق في مراحل المكافحة من الخطوة السادسة الى العاشرة , فقد تكشف المراقبة عن خطر آني يحتاج للمعالجة السريعة , كما قد يحدث اثناء خطوة العمليات والاقتحام ان تجد القوة المقتحمة خريطة لمخطط سينفذ بعد ساعات في مدينة ما , فحينها لابد من الانتقال الى المعالجة .
وقد يكشف التحقيق مع المعتقلين عن خطر امني في مكان ما كأن يعترف احدهم بمكان احتجاز مخطوفين , فحينها لابد من المعالجة , وقد تؤدي التغذية العكسية من خلال نقل معلومات التحقيق والاعترافات الى الاجهزة الاستخبارية الى ان تكتمل الصورة لدى اجهزة الاستخبارات لتنتج هدفاً يحتاج لمعالجة سريعة كمعلومة تهيؤ ارهابي لدخول البلاد عن طريق المطار غداً , وان الاستخبارات لديها معلومة مؤرشفة عنه ان لديه اسم مزور يستخدمه , فحينها تتم المعالجة السريعة بالايعاز بالقاء القبض عليه , وحتى في المحاكمة قد تتكشف مفاجآت تؤدي الى تولد اهداف لابد من معالجتها فوراً كي لاتقع ضحايا .
فكما لاحظنا , فان المعالجة قد تتم قبل اي تسلسل من الخطوات العشر وبعد اي تسلسل لها دونما ترتيب , اعتماداً على مؤشر واحد فقط يتمثل في وجوب التحرك السريع كي لاتضيع الفرصة في ايقاف خطر ما او القاء القبض على هدف ما .
-----------------------------------
مصدات لمنع المفاجآت
-----------------------------------
ان الخطر المفاجيء , الذي يتطلب معالجة مفاجئة , هو من اسوأ كوابيس الاجهزة الاستخبارية , لانه يؤشر الى فشلها في الاستشعار المبكر , كما لو شن العدو هجوماً مفاجئاً في الجبهة , او ان يستولي ارهابيون على بنك او على كنيسة ويحتجزوا رهائن , فان دلائل ذلك العمل تؤشر الى الضعف الاستخباري .
ولسد الثغرة الامنية التي تنتج من هذا الضعف , تعمد الدول الى عمل مصدات لتأمين البلاد بمثابة الانذار المبكر والمعالج , وعادة ما تكون ثلاث مصدات .
اولها , تأسيس دوريات شرطوية كشرطة النجدة , لتكون اولى المصدات في البلاد للحالات المستعجلة وأول من تصل إلى مكان الحادث , والتي تجوب الشوارع مجهزة بأحدث الكاميرات ووسائل الاتصال ومرتبطة بشبكه الانترنيت .
ففي أغلب الدول المتقدمة , أصبحت عجلة النجده تحتوي على كاميرا ذكية تلتقط جميع أرقام اللوحات للعجلات التي تمر من أمامها , مع سرعة استجابة في تدقيق الرقم تصل إلى ثوانٍ معدودات , كما تزود بـأجهزه كشف متفجرات وبنظام GPS لتحديد الموقع , فمن خلال الشاشة المركزية تتم متابعة كل عجلات النجدة وتدقيق انتشارها .
اما المصد المعالج الثاني , فهي قوة خاصة تسمى بقوة التدخل السريع - سوات - للمعالجات الخطيرة كعمليات تحرير الرهائن او الاقتحام , وغالبا ما تكون قوات سوات تحت سيطرة جهاز الأمن او وزارة الداخلية .
اما المصد الثالث , فهي القوات الخاصة او الصاعقة او المغاوير , وهي قوة عسكرية متدربة ومسلحة بشكل جيد , وتتدخل عند الحاجة للمعالجة في منع عمليات الاختطاف كإختطاف الطائرات او الرهائن او الاقتحام او ضرب أهداف واوكار قوية.
كما ان الاجهزة الاستخبارية تقوم ببعض الأعمال السرية لتقليص حالات المفاجأة , ففي الأماكن التي يؤشر فيها التهديد المستمر , تنشر مخبريها بكثرة , كما تسعى لاستقطاب المواطنين للتواصل معها عبر ارقام هواتف معينة وتدعوهم للتعاون .
وهو اسلوب متبع الآن في أوروبا وأمريكا لاسيما مع بروز ظاهرة الذئاب المنفردة والتي لم تطور الاستخبارات أسلوب مواجهة لها لحد الآن , لذا تستنفر مساعدة الجمهور وتضع خط ساخن وتنشر المخبرين في الأماكن العامه وتضع الكاميرات والتكنلوجيا المراقبة المتزايدة , مع انتشار عناصر الشرطة والعناصر الاستخبارية في دوريات بعجلات مدنية متخفية . وفي مراكز المدن الكبرى واثناء المناسبات والاحتفالات والمؤتمرات , يتم استخدام حتى الدوريات الجوية والمراقبة من الجو لتكون عاملاً آخر من عوامل التحوط الأمني لتقليص حجم التهديد وتسهيل التعامل مع المفاجآت من خلال مجموعة التحوطات التي ترفع الجاهزية والقابلية على زيادة القوة المكافحة المعالجة.
--------------
خلاصة
--------------
المعالجة خطوة حاسمة في العمل الاستخباري والامني , وهي لاتتحدد ضمن تسلسل خاص بعمل تلك الاجهزة , وانما تتم من خلال تقدير سريع ودقيق للموقف ولنوع الخطر والهدف ولمنع العدو من الافلات او من ارتكاب جريمته .
والمعالجة اذا كانت عن عمل عدائي مفاجيء للاجهزة الاستخبارية , فانها مؤشر للضعف الاستخباري , اما ان جائت من خلال تحليل او فك شفرة او معلومات من عميل سري , فانها مؤشر على قوة تلك الاجهزة .
وتحتاج اية دولة الى اجهزة استشعار تحسباً للمفاجآت , مما تطلب وجود اجهزة امنية واستخبارية تستشعر الخطر كشرطة النجدة وقوات التدخل السريع والقوات الخاصة والمخبرين .
الا ان الاهم من كل تلك الاجهزة المنتشرة في الشوارع – وفي الجو احيانا – هو الوعي المجتمعي في التعاون مع الاجهزة الاستخبارية , وهو امر لايتم مالم يشعر المواطن ان تلك الاجهزة تقوم بالفعل على حمايته وغير موجهة لقمعه او اهانته وانها ليست في خدمة حزب او طائفة او قومية او سلطة , وانما في خدمته هو ووطنه , والله الموفق.







اخر الافلام

.. خطأ واحد يؤدي لفشل ذريع.. هكذا تُصنع سيوف الساموراي


.. التقدم العسكري للجيش الوطني اليمني يعزل صعدة عن حجة والجوف


.. قبل احتجاجات الجمعة.. إسرائيل تستعرض على حدود غزة




.. عريقات يدين قرار دمج القنصلية الأمريكية في سفارة جديدة في ال


.. الشرطة التركية تفتش غابة على مشارف اسطنبول بحثاً عن جثمان خا