الحوار المتمدن - موبايل



مباحث في الاستخبارات (105) العفو العام

بشير الوندي

2018 / 1 / 7
الارهاب, الحرب والسلام


مدخل
------------
لعل من اكبر المخاطر التي تعيق تقدم الدولة وتهدد امنها هي ادخال الامن في الاهواء الحزبية والالاعيب السياسة والدعايات الانتخابية , وليس ببعيد عنا مثال مافعله السادات حين اخرج المتشددين من السجون لضرب الحركة اليسارية , فدفع الثمن حياته حين ارداه المتشددون على المنصة , وهو ذات مافعله المقبور صدام حين عفا عن الوهابيين والارهابيين لضرب الحركة الشيعية .
ان العفو الخاص او العام او تخفيض العقوبة واطلاق السراح المشروط , كل تلك الاجراءآت لاتتم في البلدان المتقدمة مع المجرمين الا في اضيق الحدود وبأعقد الاجراءآت – لاسيما الجرائم الارهابية او التي تمس امن البلاد-, والشرط الاساس فيها ان تكون لخدمة الامن والاستخبارات وباشرافهما وعلمهما .
اما فوضى الاعفاءآت بالجملة فهو امر لايحدث الا في بلدان لاتعي اهمية امنها -كما هو جارٍ في العراق - , وهي ممارسات اضرت بالامن والاستقرار ولم يتم الافادة منها استخبارياً , كما انها انعكست سلباً على الامن .
-------------------------------
العفو وفصل السلطات
-------------------------------
تمتاز الدول المستقرة بفصل حقيقي بين السلطات الثلاث , بل لعله الخط الاحمر الثاني في البلاد بعد خط الولاء للوطن , فعلى مبدأ فصل السلطات , يتم الفصل الحقيقي بشكل علمي ودقيق ولا تتدخل سلطة في عمل أخرى , ولم نسمع أن رئيس الجمهورية في تلك الدول يوقع على حكم اعدام أحد , لأنه غير معني بذلك , كما ليس من اختصاصه ان يقوم بصدار عفو عام , لأن الدول لا تتدخل في سلطة القضاء المعنية الاولى بالامر , وعلى العموم لايوجد شيء اسمه العفو العام بالجملة في تلك الدول من الاساس .
الا ان هنالك حالات من العفو الخاص المنوط بالمؤسسات القضائية في تلك الدول يتم عبر تنسيق عالٍ بين السلطة القضائية والاجهزة الاستخبارية والامنية , كإمتياز يعطى للاخيرة شريطة ان تبين الاجهزة الاستخبارية والامنية - بحجج مقنعة -للسلطة القضائية الاهمية البالغة للعفو او تخفيف العقوبة او العفو المشروط او اطلاق السراح المشروط او محو السجل الجنائي لبضعة افراد , وتثبت تلك الاجهزة ان هذا الاجراء هام جداً لصالح الجهد الأمني والاستخباري.
ان تلك الخدمات القضائية محصورة بين الجهة المستفيدة - وتكون غالبا جهازاً استخبارياً او أمنياً والجهة الداعمة للقرار – الادعاء العام – والجهة المقررة المتمثلة بالقضاء فقط , وبدون محاباة للسلطة السياسية ولا لمن سيشمل بالعفو .
فأما الجهة السياسية , فلامعنى لتدخلها لانها ليست الجهة التي بيدها الحكم على المتهم ولاهي الجهة التي ستحقق استتباب الامن , واما المجرم المعفى عنه , فان اجراءآت العفو او تخفيف العقوبة وغيرها من الاجراءآت لاتتم لسواد عيونه , وانما لقاء ماسيقدمه من خدمات , وفي كل الاحوال لايشمل بتلك الاجراءآت – بالاخص العفو - من تلطخت يداه بالدماء.
-----------------------------------
المبررات الاستخبارية للعفو
------------------------------------
ان المعني بالعفو الكلي او الجزئي او اي اجراء قانوني مخفف هو مجرم قد ارتكب جرماً يستحق العقوبة القانونية المنصوص عليها , وان الجهات المخولة في الدولة قد منّت عليه بما لايستحق , ومن ثم هو مطالب بسداد الدين للدولة وللمجتمع .
ومن ثم , فالعفو لايوزع بالمجان ولايمكن ان يخضع للاهواء ولايجوز ان يتم بلا ثمن , بل لابد ان يتأكد المعنيون من ان الفائدة المرتجاة منه كبيرة ومهمة وتعود بالفائدة الامنية او الاستخبارية التي لاتتم الا عبر هذا الاجراء .
فالامتياز المهم الذي تتحصل عليه تلك الاجهزة هو في حقيقته محسوب عليها , ومطلوباً منها هي الاخرى ان تسدده لتؤكد صواب مبرراتها التي ساقتها للادعاء العام وللقضاء لتحصل على عفو عن مجرم , لذا فهي تحرص –او هكذا يجب ان تفعل - على ضمان الفائدة منه لصالح العمل الاستخباري والامني , فهي تستحصله لصالح المتعاونين والمخبرين والمصادر او لمن تريد منهم التعاون.
----------------------
فوائد العفو
----------------------
غالباً ما يكون المصدر والمخبر والمتعاون من عالم الجريمة ومن أصحاب السوابق او قريباً منهم لاسيما في مجال المخدرات او التهريب او الإرهاب , وغالبا ما يكون المتعاون مع الاستخبارات بحاجة إلى هذه الخدمة , ويعرف جيدا أن الاستخبارات تمتلك هذه الصلاحية بحكم القانون فيتعاون معهم مقابل هذه الخدمة ليحصل على تخفيف العقوبة او العفو المشروط او إطلاق سراح مشروط او مسح السجل الجنائي او تغيير السجل الجنائي وغيرها من الخدمات القضائية التي لاينالها في – دولة القانون والمؤسسات – مالم يتعاون.
أن استخدام هذا السلاح وتلك الخدمة لصالح المجتمع , هو نوع من التطور والذكاء الذي يجلب المتعاونين والمخبرين لصالح المؤسسة الاستخبارية بميزة ودافع مهم لتعاون الآخرين مع الجهاز الاستخباري ومحفز مهم لهم للتعاون , وهو أحد مصادر قوة الاستخبارات المحترفة في الدول المتقدمة.
فهذه الميزة تسهل عملية النفاذ إلى العصابات الإجرامية ومجاميع الإرهاب , كما انها مطلوبة لتقليص خارطة الجريمة وجعل العمل الاستخباري متقدما على عالم الجريمة .
فقد يحصل المجرم على مميزات كثيرة واموال هائلة , لكنه يبقى يعاني من سوابقه الجنائية ولا يستطيع التكيف معها حتى وإن ترك عالم الجريمة , لذا فإن الاجهزة الاستخبارية الناجحة لاتمانع من مقايضته بالعفو او تخفيف العقوبة او محو سجله الجنائي مقابل ان يقدم أسراره وخفايا عمله لصالح الاستخبارات.
أن مثل هكذا قرارات عفوا وتخفيف العقوبة لها دور كبير أيضا في تفعيل حس الاعتراف والتعاون لدى المحكومين أيضا , فالكثير منهم يقاوم ولا يعترف املاً في ان تقف عصابته لجانبه , وعندما يحكم عليه يذهب لمواجهة مصيره ولا يلمس شيئاً منهمى- حتى في حمايه عائلته - الأمر الذي يؤثر عليه سلباً , وهنا ينحو نحو الانتقام فيطلب بالاعتراف والادلاء بمعلومات مقابل تخفيف العقوبة ويستطيع ولابد حينها ان يجد من يأخذ بيده ويعقد معه الصفقة لصالح العمل الامني والاستخباري.
وفي بعض الحالات الخاصة والمهمة , تتحصل الاستخبارات على عفو عن شخوص من قادة الإرهاب - وهم في مكان عملهم الإرهابي - مقابل ضمان تعاونهم واستمرارهم بالعمل لصالح الجهاز الاستخباري.
ان لتشريعات العفو القدرة على جذب التعاون ويسهل ويفتح آفاقاً كبيرة أمام المؤسسة الاستخباريه , وقد يكون تأثيره أقوى من المال مع الاخذ الصارم في الاعتبار للضوابط وتعليمات وشروط الافادة من هذه الميزة لبلورة نتاج مفيد لصالح الأمن.
----------------------------------------
الاعتقال العشوائي واطلاق السراح
----------------------------------------
حدثت الكثير من حالات الاعتقال العشوائي في العراق , لاسيما عقب الحوادث الارهابية , فعندما يقع حادث او تفجير تبادر الاجهزة الأمنية سريعا إلى حملات اعتقال عشوائية كبيرة ويتم زج مجموعة كبيرة من الابرياء في المعتقلات كردّة فعل سريع , وثم يذهب العناد بالجهاز الأمني الى مديات ابعد , فيبقي المعتقلين في السجن ويذهب لجمع المبررات الواهية التي لاتصمد امام القضاء .
بعدها يصل الجميع إلى القضاء بلا ملفات او اثباتات او اعترافات يتم إطلاق سراحهم بشكل فضائحي بارقام بالآلاف لعدم كفاية الادلة , فيطلق سراحهم بعد ان تحولوا الى ارهابيين يثبون ضد الدولة عند اول فرصة انتقاماً لما لاقوه من ظلم وتعنت وخسائر لسمعتهم واموالهم.
أن ما يحدث في العراق من حالات إطلاق السراح التي تتم بالآلاف بسبب عدم كفايه الأدلة يدل على عملية تخبط كبيرة للاجهزة الاستخبارية , ويشير الى جهد أمني كبير ضائع وساعات عمل وإمكانيات مهدورة.
فحين يتم إطلاق سراح 2000 شخص لعدم ثبوت الأدلة , فهذا يعني آلاف ساعات العمل المهدورة ويعني افلات المجرمين الاصليين بالاضافة الى استعداء 2000 شخص ضد النظام مع عوائلهم وذويهم , اي ان الجهاز الامني , بدلاً من ان يحقق الامن بالاعتقالات تلك , فانه شغّل مفرخة اخرى تنتج ارهابيين ناقمين.
ان عدم كفاية الادلة تعني ان الاجهزة الامنية قد اعتقلت بريئاً , او انها اعتقلت مشتبهاً به دون ان تبذل الجهد الكافي لاثبات التهمة عليه , وفي الحالتين فانها اصابت الامن في مقتل.
------------------------------------
العفو العام العراقي الموسمي
------------------------------------
في كل 4 سنوات من عمر العملية السياسية في العراق , ونتيجة لتوافقات سياسية وحسابات انتخابية , يتم شمول الآلاف من المجرمين والفاسدين بقرارات عفو غير مدروسة أضاعت هيبة المؤسسة القضائية وأمن المجتمع و جهد الأمن والاستخبارات بحجج واهية كحجة اللحمة الوطنية او تبييض السجون .
ان من الغريب القبول بان يؤدي إفراغ السجون مقابل إشغال الشارع بالجريمة , ثم يعود من ألحّ على قرار العفو ليصرخ ويصيح أين الأمن؟ , في دوامة منذ اكثر من اربعة عشر عام , بل وحتى منذ ان اطلق النظام السابق قرار أفراغ السجون واعادة المجرمين إلى الشارع قبيل الاحتلال الأمريكي.
ولا ننسى أن من لا يدخل اسمه في العفو سوف يكون ضمن وجبات تهريب السجناء الخطرين من السجون وبالآلاف في عمليات هوليودية اضاعت هيبة الدولة والنظام والقانون ورجال الامن .
أن التفريط في أسلوب العفو العام المنفذ لدينا يصب في صالح الانفلات الأمني , فكلما مرت السنين وكررنا تجربة العفو الموسمي كلما خلقنا موجة اخرى من الفوضى الأمنية والقضائية من خلال تصرف سياسي غير مسؤول.
أن التلاعب بالمؤسسة القضائية والتدخل السافر في النتاجات - ومنها العفو العام- الذي يتكرر كشرط من شروط التفاوض السياسي بين المتصارعين على مقدرات العراقيين , فانه يهدر قيمة السلطة القضائية بالكامل ويقتل أثرها ودورها في بناء الدولة والمجتمع , وكأن القوى السياسية تبني نجاحاتها وتحالفاتها واتفاقاتها على مناكفة الشعب بعد كل انتخابات بإطلاق سراح المجرمين عليهم.
نحن لاننكر ان هناك معادلة طردية منطقية مفادها انه :عندما يكون البلد آمناً ومستقراً تكون السجون فارغة , وان بعض البلدان غلقت سجونها , لكن اذا كان بلد - كالعراق - من أخطر رقع الأرض وفيه داعش ومخدرات ومسلحين وخطف وجرائم , فكيف لا توجد فيه سجون؟ّ!!.
أننا نهدر قيمة العفو المفيدة امنياً واستخبارياً والمتعارف عليها , بقرارات سياسية تجعل الافلات من السجن سهلاً جدا وبلا ثمن , من خلال قرار عفو عام لا يفيد غير عالم الجريمة وعودة الشخص إلى أحضان الجريمة مره أخرى دون اي مردود امني .
ومن هنا , يجب أن تشرع قوانين ويتم التعاون الوثيق بين السلطة القضائية مع المؤسسة الاستخباريه بعيداً عن الرغبات السياسية , للوصول إلى أفضل الخدمات وتقوية الاستخبارات , فكلما برعت الاستخبارات في دورها سهلت الكثير من العمل على القضاء.
ويجب أن يتحول العفو العام من أداء سياسي مخل بالأمن إلى قوة وميزة تمنح وتمكن الاجهزة الأمنية من مواكبة عملها وتحصين البلد , ضمن تشريعات تجعل الاستخبارات الجهة المستفيدة والادعاء العام الجهة المؤيدة والقضاء الجهة الآمرة والمنفذة.
-------------
خلاصة
-------------
لاتتعامل الاجهزة الاستخبارية والامنية مع موضوعة العفو او تخفيف الحكم عن المجرمين باعتبارها مكرمة مجانية , بل تعتبرها فرصاً مهدورة لابد من استغلالها لصالح العمل الامني والاستخباري , فتستغل الخدمات القضائية المخففة تلك , من اجل التجنيد والاختراق او كمكافأة على التعاون .
ومن هنا فان العفو وغيره من تلك الاجراءآت التي تعد جائزة ثمينة للمجرمين , لايمكن ان تخضع للاملاء السياسي والالاعيب الحزبية وتقبيت العروش , وانما هي وسائل لابد ان تبقى صلاحياتها بيد القضاء والادعاء العام بالتعاون مع الاجهزة الاستخبارية والامنية , كي لاتهدر فرص الافادة من وسائل نافعة في الاستقرار الامني .
وعلى العكس من ذلك , فان استخدام سلاح العفو على يد السياسيين يسهل افلات المجرمين وعودتهم الى ممارساتهم القديمة , فمابالك بالعفو العام الذي يطلق فيه سراح آلاف الارهابيين تحت يافطة المصالحة الوطنية واللحمة المجتمعية والسلم الاهلي , وهو في حقيقته تحطيم للامن واهدار للعدالة , والله الموفق.







اخر الافلام

.. اضطرابات الصحة العقلية تشهد تزايداً في معظم بلدان العالم


.. تيست


.. استمرار التحقيقات السعودية في قضية وفاة خاشقجي




.. إشادات وتضامن عربي مع الإجراءات السعودية وقرارات الملك سلمان


.. لبنان.. مسار تشكيل الحكومة يعود إلى المربع الأول