الحوار المتمدن - موبايل



ايض-ن-يناير نحو تصحيح المفاهيم

كريم شانا

2018 / 1 / 8
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


أيام معدودة و تحل علينا الذكرى العزيزة أيض-ن-يناير- و التي يحتفل بها الأمازيغ قاطبة، و إن كان بشكل مختلف. هذه السنة سوف تفاجئنا الجزائر باعتماد رأس السنة الأمازيغية كعيد وطني و يوم عطلة مؤدى عنه، و هو المطلب الذي كثيرا ما نادت به الحركات الأمازيغية في العالم عموما و في شمال إفريقيا خصوصا.
بالمغرب يعتبر مطلب ترسيم ايض-ن-يناير كعطلة رسمية و عيد وطني، من بين أقدم مطالب الجمعيات و التنظيمات الأمازيغية منذ فجر انطلاق الصحوة الأمازيغية و ذلك لما يحمله هذا الاعتراف من دلالات سياسية و تاريخية، إلا أنه و رغم الاعتراف بالأمازيغية كلغة رسمية للمغرب و بالموروث الثقافي كملك جماعي لكل المغاربة، فإن الدولة مازالت تمانع و تماطل في هذا الاعتراف.
تماطل المغرب و قياسا عليه حكومات تامزغا ( شمال إفريقيا) إضافة لتغير البنية الأسرية و انتشار وسائل التواصل و التناقح الفكري الالكترونية أدى و يؤدي إلى اندثار تجليات كثيرة لمظاهر الحضارة الأمازيغية بالمنطقة، هذا الشيء ساهم فيه أيضا قلة و ندرة البحوث التاريخية و الدراسات الاجتماعية المرتبطة بهذه العادات الشيء الذي نتج عنه انتشار مجموعة من المغالطات و التدليسات على هذا الموروث الفكري/ الاجتماعي تؤدي إلى تفريغه من محتواه المعنوي و إصباغه فقط بالصبغة الاحتفالية كما وقع مع موروث بيلماون مثلا أو ما وقع و يقع لاحتفالية رأس السنة الامازيغية/ الفلاحية التيي هي موضوع مقالنا
الملابسة الأولى : الملك شيشونغ أمازيغي
من بعض المغالطات التي يتم ترويجها أن احتفال سكان شمال إفريقيا بأيض-ن-يناير هو تخليد لمناسبة إزاحة شيشونغ للفرعون بسونس الثاني و وصوله للكرسي الفرعوني منذ 950 سنة خلت ليؤسس الأسرة الفرعونية الثانية و العشرين.
أما الصواب أن وصول شيشنق للعرش الفرعوني كان نتاج زواجه بابنة بسونس الثاني و سيطرته على كهنة معبد إهنيسيا الذين كان أجداده رؤساء لهم ابتداء من الجد الرابع ماواستا ابن بويو واوا الجد الخامس الذي قدم من صحراء ليبيا و السبب في تسمية أسرة شيشنق بالأسرة الليبية، حيث أن الفرعون شيشنق لم يولد في ليبيا بل هو ابن الأميرة تنتس بح من ابيه نمرود بن شيشنق و هو بالتالي فرعوني المولد و الانتماء
أما اعتماد حدث وصول شيشنق الأول إلى عرش مصر كتأصيل تاريخي فهو حدث لا يفصلنا عنه إلا أقل من 50 سنة و كان وراءه الأكاديمية البربرية التي تأسست بفرنسا سنة 1968 و التي كان لها السبق في اعتماد العلم الأمازيغي الحالي و كذا توحيد حروف تيفيناغ، و من المعلوم أن إقرار هذا الحدث التاريخي كان وراءه دوافع سياسية و إيديولوجيا تحمل رسائل موجهة للحكومة الجزائرية آنذاك باعتبار مؤسسي الأكاديمية هم من منطقة القبايل
لذا يحق لنا التساؤل عن اعتماد هذه المناسبة دون غيرها منطلق للتأصيل التاريخي حيث من وجهة النظر التاريخية كان الأجدر اعتماد وصول ملك أمازيغي للحكم كأصل تاريخي كالملك سيفاكس أو ماسينسا باعتباره أول من وحد الدولة الأمازيغية و نسبة إليه الكتابة الأمازيغية ... من وجهة نظري فالذي دفع الجمعية لاعتماد وصول شيشنق الأول للحكم ( و بالمناسبة فإن الأبحاث التاريخية تشير إلى أنه كان 945 إلى 943 قبل الميلاد و ليس 950) هو تدليس عروبي و الشاهد هو اعتماده إبان الأزمة الإسرائيلية – الفلسطينية التي كانت في أوجها كتذكير لليهود بذلك الملك القادم من شمال إفريقيا و الذي أذل اليهود و سلبهم هيكل سليمان حسب ما هو مثبت في التوراة اليهودية بسفر الملوك.
بالنسبة لي يجب الكف عن ربط التاريخ الأمازيغي بوصول هذا الفرعون الفضي للحكم لأن هذا الربط فيه إهانة للعقل الأمازيغي و تكريس للتبعية للحضارات الأخرى و تفريغ هذا الاحتفال من كل رمزيته.
الملابسة الثانية : كلمة يناير مشكلة من الجزئين ين و اير و تعني الشهر الأول
من أجل إضفاء الطابع الأمازيغي على هذه الاحتفالية يصر البعض على القول أن يناير هي كلمة أمازيغية الأصل و تعني الشهر الأول إلا أن الحقيقة عكس ذلك فيناير هو تحريف أمازيغي للفظ الأصلي اينيروس نسبة للإله اينوس إله البدايات و النهايات.
حسب المصادر التاريخية فإن السنة الرومانية كانت تبدأ في شهر مارس باعتبار فصل الشتاء فصلا بلا شهور لدى كانت السنة تتكون من عشرة أشهر و كان احتفال رأس السنة يقام في مدخل مارس ( من مظاهر هذا الاحتفال نجد عادة بيلماون بوجلود التي مازال الأمازيغ يحيونها) إلا أن الملك بومبيليوس الروماني قام بإضافة شهري يناير و فبراير لكي تتوافق السنة الشمسية مع السنة القمرية و ذلك 713 سنة قبل الميلاد و سمى الشهر الأول باينيروس.
الملابسة الثالثة : احتفالية ايض-ن-يناير لا علاقة لها بالمعتقدات الدينية
من بين أخطر المغالطات التي يتم تسويقها أن احتفالات رأس السنة الأمازيغية هي احتفال بالأرض و لا يحمل أي دلالات دينية، هذا المعطى يصور سكان شمال إفريقيا كشعب لا ديني و الحال أن جميع الشعوب القديمة كان لها آلهة تحتفي بها و تعبدها بل إن اهتمام القدماء بضبط التقويم كان الدافع الأساسي ورائه هو معرفة أوقات العبادات المختلفة و كما هو معلوم فإن أسماء الشهور كما هي متداولة حاليا ( يناير إلى يونيو) هي أسماء للآلهة القديمة.
مجموعة من الممارسات المرتبطة بهذا اليوم كافية لتبين أنه ذو بعد روحي و وجداني ففيه يتم كنس المنازل لطرد الأرواح الشريرة و فيه تتجلى كل معاني البركة فمن لم يأكل هذا اليوم سوف يظل طيلة السنة جائعا و غيرها من الممارسات التي كانت تروم إرضاء الآلهة كالربة تانيت...
الملابسة الرابعة : "أغرمي" خصوصية أمازيغية
" أغرمي" هو حسب العرف من يجد النواة المندسة وسط الأكلة الشعبية "تاكلا" سوف يكون محظوظا و يحق له الاحتفاظ بمفتاح غرفة المؤونة لجلب البركة، هذه الممارسة المرتبطة بهذا الاحتفال قد تكون نتاج تأثير الحضارات المحيطة على الأمازيغ و يمكن أن تكون نتاج تأثير الأمازيغ في محيطهم إلا أنها ليست خصوصية أمازيغية حيث أنه يوجد ممارسات مشابهة لها في المحيط و قد انشق عنها طقس مسيحي يسمى " كعكة الملوك"، و حسب المصادر التاريخية فإن طقس كعكة الملوك الذي مازال يمارس إلى يومنا هذا في مجموعة من الدول بما فيها المستعمر القديم لشمال إفريقيا دولة فرنسا، هو طقس مرتبط بالإله ساتورن إله الخصوبة و الزراعة لدى الرومان حيث كان يقام له احتفال في نهاية شهر ديسمبر و في هذا الحفل يتساوى العبيد و الأسياد وكانت تخبز كعكة يوضع وسطها حبة من الفول و العبد الذي تكون من نصيبه ينصب ملك لذلك اليوم في بيت سيده و يجب على هذا السيد الامتثال لتعليماته كما يعتبر الأكثر حظا في ذلك اليوم الذي تقلب فيه الأدوار قصد استجلاب بركة ساتورن و للإشارة فهذا الاحتفال كان يقام طيلة الأسبوع قبل الانقلاب الشتوي أي من 15 دجنبر إلى غاية 21 منه و في نفس هذه المدة كان يقام عند الأمازيغ طقس أخر مرتبط بالإله أنزار و منها منطلق أسطورة "تاسليت أونزار" المعروفة لذى الجميع.
الملابسة الخامسة : العجوزة التي تحدت القدر
كثيرا ما يقع الخلط لدى المدافعين عن ايض-ن-يناير و المناوئين له بين مناسبتين في هذا الشهر و اللتين هما
• ليلة رأس السنة في 31 دجنبر بالتقويم اليولياني الموافق 13 يناير بالتقويم الجريجوري المعتمد حاليا
• ليلة " ارتال – ن – تغاطت" (سلف المعزة) في 31 يناير يولياني الموافق 14 فبراير بالتقويم الجريجوري
أسطورة سلف المعزة ثم أيضا تحويرها حيث أنها كانت في الأصل تتحدث عن تحدي معزة لشهر يناير و السخرية منه مما حدى به ليستلف يوم من فبراير كي ينتقم من المعزة بينما في بعض الحكايات الحديثة فالذي تحدى يناير هي امرأة عجوز معتدة بنفسها.
و سواء كان الأمر يتعلق بالمعزة أو العجوز فإنه لا علاقة بين سلف المعزة و احتفالية ايض-ن-يناير حيث أنه بالنسبة ليوم 31 يناير الفلاحي/اليولياني هو يوم شؤم وجب التزام البيت فيه بينما ايض-ن-يناير هو يوم احتفال و حفاوة.
هنا وجب الإشارة إلى أن السبب في خلق اسطورة " ارتال – ن – تغاطت" يعود لكون شهر اينيروس (يناير) عندما ثم اعتماده كان يضم 28 يوم فقط و لأسباب سياسية و دينية ثم زيادته إلى 31 يوم بينما ثم انتقاص يوم من فبراير ليتم إضافته لشهر غشت الذي كان فقط من 30 يوم فأمر البرلمان الروماني بجعله مثل شهر يوليوز(31 يوم) تكريما للإمبراطور اغسطس مما حدا بالمخيل الشعبي الأمازيغي البعيد عن مراكز القرار بروما و المشبع بالأسطورة لتبرير هذه الزيادة و هذا النقصان بقصة "سلف المعزة".
تساؤل أول: هل الاحتفال بالأرض امتياز أمازيغي؟
لقد سبق و أجبنا عن هذا التساؤل في معرض الحديث حيث أن كل الحضارات القديمة كانت تحتفل بالأرض و هنا نسقي كمثال أعياد ساتورن الرومانية و عيد النسيم الفرعوني ثم عيد الربيع الصيني ( رأس السنة الصينية).
تساؤل أهم : لماذا نحتفل بايض-ن-يناير؟
بعد استعراضنا لكل المعطيات التاريخية المرتبطة بتخليد هذا اليوم يبقى التساؤل مشروعا، لماذا تخليد هذا اليوم؟
صراحة لا يهمني إن ثم اعتباره رأس للسنة الفلاحية أو الأمازيغية أو اليوليانية بقدر ما يهمني ما يحمله من دلالات و معاني أكبر من تفرعن شيشونغ و أقدم منه ببساطة لأنه يوم مشبع بالعادات و التقاليد الغارقة في القدم و المرتبطة بالأرض و الإنسان الذي عاش في هذه الرقعة من الكرة الأرضية، و سواء كان في فاتح السنة اليوليانية أو في فاتح السنة الأمازيغية فهو يعتبر رمزا لتعبير ثقافي قاوم الإندثار رغم كل التحديات التي فرضها عليه المحيط بدأ بالدولة المسيحية التي ألغت مجموعة من مظاهر الاحتفال "الوثنية" و أبدلتها بأخرى مسيحية كذكرى ولادة المسيح في 25 دجنبر .. وصولا إلى الدولة الإسلامية التي قضت على ما تبقى دائما تحت راية محاربة "الوثنية" إلا أن العجيب أن هذا الاحتفال استمر بشكل شعبي و بدون أن يُقْهر بهذه الإكراهات مما يحتم علينا صيانته و الحفاظ عليه صيانة لتاريخ و امتنانا للأجداد الذين ورثنا عنهم هذا الوطن في تاريخ يمتد لأكثر من 33 قرنا حسب الأستاذ شفيق
لدى فإني و كغيري من أبناء تمازغا أقول لكل من يحاول الصيد في الماء العكر، نحن نفهم تاريخنا و ندرك أن هناك بعض اللبس في محطات معينة منه و لكن كل هذا بسبب المد العروبي في المنطقة و لا أقول المد الإسلامي لأن الدين جاء حافظ للحقوق و معززا لها لا لقهرها و قهر أصحابها.

المصادر
تشارلز غيتارد « Recherches sur la nature de Saturne des origines à la réforme de 217 av. J.-C. »
جورج هاكارد Guide romain antique, Hachette, 1952
بيير بريندامور Le calendrier romain : Recherches chronologiques, Ottawa, 1983
ابي كورفال Histoire romaine à l usage de la jeunesse.
كاثرين كابديفيل-تسنغ « Göran Aijmer, New Year Celebrations in Central China in Late Imperial Times
جاك بيرين، Histoire de la civilisation de l Égypte ancienne, vol. 3 1963
جان ليكلانت، L Égypte du crépuscule, Larousse, 1980
نيكولاس غريمال، Histoire de l Égypte ancienne, « Les Libyens »
محمد شفيق، ثلاثة و ثلاثون قرن من تاريخ الأمازيغيين







اخر الافلام

.. إيماناً منا بأنك تمتلك الموهبة.. شاركنا موهبتك ونضمن لك النج


.. كوريا الشمالية ترفض الحديث عن العقوبات وتستعد للأولمبياد


.. كوريا الجنوبية تحذر جارتها الشمالية




.. تقرير أمام مجلس الأمن: -إيران تمد الحوثيين بالصواريخ-


.. قرصنة -مزدوجة- لمستخدمي آبل