الحوار المتمدن - موبايل



المثقف والاغتراب ... تحدٍ دائم

مهند الصباح

2018 / 1 / 8
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع



إنّ المعرفة الجيّدة في علم النفس تجعل العالم به يجد لكلّ اعوجاج لدى الناس سببا، ذاك مردّه إلى طفولة يائسة لم يتخطّاها بعد، وآخر مردّه لشعوره بالنقص واختلال ميزانه النفسي الداخلي، أو العجز على الإتيان بما لدى الآخرين،...، مما يدفعه إلى التعامل معهم بكل أريحيّة لإدراكه للحدّ الأقصى لقدراتهم ومنبع مأساتهم، ويتعمّق فهمه لمسلكياتهم وتوجّهاتهم فينخفض سقف توقعاته منهم أحيانا، مما يولّد شعور الاغتراب لديه، وفي ذات الوقت يتساءل من ذا الذي فسق عن القاعدة؟ فيصبح كالحيران يسير بلا هُدٍ. فأحيانا الجهل بالشيء خير من العلم به. لأنّ العلم بالشيء يحتّم عليك الأخذ بمقتضيات ما علمت؛ وهنا فإنّ العارف بالشيء إذا لم يباشر بالعمل في التعديل والتصّويب فإنّه يُلام، وإن حاول وفشل؛ فيُلام على فشله. بينما الجاهل به معفي من المسؤوليّة تجاه نفسه وتجاه الآخرين، سواء حاول أم لم يحاول. والأمر ينسحب على كافّة المعنيين بالمجالات التي تلامس حياة البشر، ومنهم على وجه التخصيص المثقفين، هؤلاء الذين ينظرون إلى الوقائع البشريّة بعين الناقد، يمحّصون الظواهر الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، وبعينهم الناقدة يحددون بواطن الخلل، يقرءون المعطيات بشكل جيّد ومترابط، ويستخلصون النتائج المحتملة، لذا هم قادرون على قراءة محدثات المستقبل وتداعيات المواقف الآنيّة، لذا نراهم يفترضون بعض فرضيات الخلاص فلا يجدون لندائهم مجيب، ومع اصرارهم اللا متناهي تتناوب المحاولات اليائسة لديهم، فيشعرون بالاغتراب عن مجتمعاتهم لاتساع الهوّة بين ما يرون ويريدون؛ وبين ما هو متاح ضمن المنظومة الاجتماعيّة المتحرّكة ببطء شديد في صيرورتها، أو كنتيجة من تضارب ما يقولون مع مصالح المستفيدين من حالة الشلل التطوري داخل المجتمع. إنّ غياب التفكّر العقلاني التطوري والمبادر في بعض التجمّعات البشريّة عائد إلى الشعور المتضخم بالفرديّة والذاتيّة على حساب الشعور الجمعي لدى أبناء تلك التجمّعات، وخاصّة المجتمعات العربيّة التي عانت من كمّ الفساد الهائل المنتشر فيها، فساد سياسي، واقتصادي، واجتماعي، وهدر للموارد الوطنيّة، هذا الفساد كان ولازال ذو تأثير عكسي على أبناء المجتمعات العربيّة، فبدلا من الوحدة فيما بينهم نتيجة اشتراكهم في المعاناة والألم؛ جعلهم لا يتشاركون الهمّ إلا في هبّات تنفيس الغضب بدون أدنى توجيه أو إرشاد من فكر أو من بصيرة عارف دارس، على الرغم من حضورها الخجول في تلك الهبّات أحيانا، هذا السلوك الاجتماعي العشوائي يعزّز الاغتراب لدى المثقف عن مجتمعه واضعا إيّاه أمام احتماليّة القوقعة والعيش في صومعته، أو متابعته في قرع جرس الانذار، وإمّا اللجوء إلى تجمّع بشري يمتلك قدرة الاصغاء والتعقّل والتدبر، والتقدير لدوره الطلائعي في مسيرة الشعوب وتطورها، حاله حال جميع العقول العربيّة التي هاجرت إلى الغرب وتضاعف لديها الشعور بالاغتراب. ومع ذلك لم تنجح تلك العقول بالتنصّل من واجبها تجاه مجتمعاتها الأم، فتراها تتابع محاولاتها في التوعيّة والإرشاد من وراء البحار والجدران عبر وسائل التواصل المختلفة.
إنّ طريق الإصلاح المجتمعي شائكة ومعقدة، تلبّدها غيوم الجهل والتخّلف وتضارب المصالح، وإنّ المنُشد الحقيقي للتغيير لا ينقطع منه النفس مهما ساء أداء العازفون خلفه أو تدنّت مهاراتهم. والاغتراب حاصل لا محالة في البدايّة، إلا أنّه مدخلا نحو التماهي في المستقبل حين تُنضج الظروف في المجتمع إرادة التغيير لدى أبناءه. خاصة أنّ الطبيعة البشريّة ترفض كل محدث لا يخضع للتجربة المُسبقة؛ وما يلبثوا حتّى يتطبّعوا به.
2018/01/08







اخر الافلام

.. تركيا.. رسوم جمركية على واردات أميركية


.. ميليشيات الحوثي تعرقل جهود الحكومة الشرعية في اليمن لإنقاذ ا


.. تركيا ترد على العقوبات الأميركية: العين بالعين




.. موجز الأخبار – العاشرة مساء 15/08/2018


.. قطر تساند تركيا بـ 15 مليار دولار