الحوار المتمدن - موبايل



محمود البريكان الموهوب الذي وأد نفسه بالصمت...لماذا تخلى أمام الضباع عن سهمه؟

شكيب كاظم

2018 / 1 / 12
الادب والفن


لعل ثمة ثلاث ظواهر طبعت الحياة الإبداعية للشاعر محمود البريكان، الأولى قلة المنتج شعرياً، إذ لم ينشر على مدى أكثر من نصف قرن، الذي يمثل عمره الإبداعي غير خمس وثمانين قصيدة، والمعدل يقل عن قصيدتين سنوياً!

إننا مهما حاولنا إيجاد التسويغات لعزوف الشاعر عن الكتابة والنشر، فلن نجد له عذراً في وأد موهبته، وقتل روح الشعر فيه، تحت سياط الصمت، هو الذي يصف منطقة الإبداع الشعري، بمنطقة الذات العميقة التي لا يستطيع الوصول إلى أعماقها، بله ضفافها إلا المبدعون الأصلاء.

أما الظاهرة الثانية: فهي ظاهرة التركيز، هو يكره الإسراف والترهل في القصيدة، يقربها من الومضة، هو ينحو فيها منحا التكثيف، يسخن قصيدته في دورق، حتى إذا استحالت إلى بخار متطاير في دورقه، عاد إلى تبريدها، تبريد انبيقها والحصول على قطرات ندى.

محمود البريكان، لم يطالب بالتكثيف في الشعر، بل كان يريده – كذلك –في القصة، فها هو يبدي ملاحظات للقاص المبدع محمود عبد الوهاب، يوم قرأ قصته الرائعة (طيور بنغالية) والمعروف لدى الدارسين والقراء النابهين اللغة الدورقية المكثفة التي يكتب بها محمود عبد الوهاب قصته، ومنها روايته المكثفة (رغوة السحاب) فضلاً عن كتابه النقدي (ثريا النص، مدخل لدراسة العنوان القصصي) وإذ يسأله محمود عبد الوهاب رأيه في ما قرأ؟ أجاب:

– إنك مختلف.

– كيف؟

– راقب لغتك ولا تأذن لها بأن تكون مسرفة.

شكرته. أنا أعرفُ حرصه الشديد على لغته وأتذكر ما قاله في حوار له إن كل كلمة لا يعنيها الشاعر، تعني تفكيكاً في الكيان، وإن عبارة لا تستقطب شيئاً هي خيانة، وأعرف كيف كان يترصد الكلمات الفائضة يوجه إليها ماسورة بندقيته، كلما أطلت برؤوسها في بساتين نصوصه، ياللقناص النبيل.

تراجع مقالة عنوانها (القناص) لمحمود عبد الوهاب.

إن محمود البريكان، في دعوته هذه إلى الكتابة المكثفة، العبارة، الوامضة الأشبه بالومضة، يتناغم مع قول القائل اختصروا اختصروا، حتى كأن كلامكم يكون إمضاء!

أما الثالثة فهي ظاهرة الصمت المدمرة، ولقد عزا الكثير من الدارسين هذا العزوف عن الكتابة والنشر، إلى أنه كان يربأ بنفسه عن أن يجعلها في خدمة الممدوح والحاكم، لكن هذا التعليل يكاد يتهاوى إزاء حقائق الحياة الخاصة للشاعر والعامة، وحقائق الحركة الثقافية في العراق، فها هو بدر شاكر السياب يكتب عام 1957 مقالة في الملحق الأسبوعي الأدبي لجريدة (الشعب) لصاحبها يحيى قاسم، ذكر فيها ما نصه: “سأحاول بذل كل جهد لإخراجه من صمته، ليتبوأ المكانة اللائقة به.

لقد مارس الشاعر الراحل محمود البريكان ماسوشية فاجعة معذبة إزاء ذاته، إذ طوق منطقة إبداعه الشعري، منطقة ذاته العميقة، ولو أطلق صرخته، لكنا وجدنا لها صدى أو بعض صدى فعاش في الظل طوال حياته، ولم يظهر له ديوان شعري يحفظ بعض هذه القصائد، عدا محاولات لعبد الرحمن طهمازي، ولكن هي بعض سعادات الحياة أن يعكف الشاعر حسين عبد اللطيف، على أكثر من ملف عن البريكان، هو الذي يؤكد إن السور الذي ضربه البريكان حول نفسه، أو متراسه أمام شعره إنهار بكل بساطة، وأصبح عرضة لكل يد أو ادعاء كاذب أو معرفة ناقصة، وهذا ما حذرنا منه، لكن الاستجابة كانت ضعيفة، ومؤجلة دائماً، والحياة الإنسانية والعمر الإنساني القصير لا يسمح أبداً بالتأجيل، فالزمن يأكل من جرفنا يومياً، فما أحرانا أن نرمم هذا التآكل بجرفنا بالإنجاز والكتابة، لا بل الأكل من جرف الزمن!

لو تخلى شيئاً عن ما هو فيه من تقوقع وصدفية لقدم لنا قصائد خوالد، وشاهدي هذا الذي قرأته من شعره، ولاسيما قصائده المخطوطة التي درسها نقدياً ونشرها الناقد رياض عبد الواحد بكتاب عنوانه (البذرة والفأس. قراءات حرة في شعر محمود البريكان).

وما كنا نريد له.. لحارس الفنار أن يقول/ أنا تخليت أمام الضباع/ والوحش عن سهمي/ لا مجد للمجد فخذ للضياع/ حقيقتي وأسمي.







اخر الافلام

.. آلة البالالايكا رمز روسيا الموسيقي والثقافي


.. بتحلى الحياة – مسلسل ثورة الفلاحين – الممثل اليكو داوود


.. أفضل 5 أفلام في السينما الأمريكية هذا الأسبوع




.. فرنسا: تعديل وزاري يشمل حقيبتي الداخلية والثقافة


.. 13 فيلماً في -الشارقة السينمائي الدولي للطفل- تروي حكايات ال