الحوار المتمدن - موبايل



خمارة دليلة والزئبق -6-

علي دريوسي

2018 / 1 / 13
الادب والفن


ذات يوم جمعة وجدت وفيق وحيداً مهموماً يحتسي بطحته، ما أن وقفت في باب الخمَّارة حتى ضحكت عيناه، أفسح لي مجالاً قربه وقال: "يجب عليك هذه المرة أن تشرب كأساً معي."

طلب لي زجاجة بيرة، قدم لي سيجارة وصرنا نتهامس حول النساء، أخبرني أنَّه يحب النساء أكثر من حبه لمهنته، أكثر من حبه وتعلقه بكأس البراندي. قال بأنه متزوج وأنه دائم الشجار مع زوجته، أخرج من محفظة نقوده صورة لها وصورة لهما مع الأولاد كعائلة. كانت زوجته حلوة تشبه النساء المتمدنات. ثم قال أشتهي النساء من كل الأعمار، من كل الطوائف ومن كل المهن لكني سأصدقك القول أني أحب المحجبات أكثر، المحافظات، أحب من لم يتجاوز عمرها الخمسين، أحب أكثر من كانت مهنتها عاملة تنظيف أي خادمة. في الحياة العملية تحدث معي ولي أشياء مثيرة وغير مألوفة، أتعلم منها كل يوم درساً إضافياً، فأنا أعمل في صيانة المصاعد داخل الأبنية المسكونة. ولكثرة ما أعايشه وتراه عيناي أحتاج لبعض الوقت لأكون وحدي في خمَّارة عمنا أبي جليلة، بارك الله بأمثاله ممن يفتحون لنا دكاكينهم، أجلس وأشرب بطحتي وأفكر بما صادفته خلال عملي.
البارحة مثلاً كنت أعمل في إحدى الحارات بالقرب من المشفى الوطني، اِلتقيت أمام البناية التي أعمل فيها بأبي سامر، رجل حالته ميسورة في الخمسين من عمره، كان قد اشترى ثَلاَّجة حديثة، طلب مني المساعدة في إيصالها إلى شقته في الطابق السادس، استخدمنا مصعد البِنَايَة الذي لم أنته من صيانته بعد، تَعَطَّلَ بنا في الطابق الرابع، تمكّنا من الخروج بصعوبة، وصل مَسْمَعينا صوت نقر كعب أنثوي.
اِبتَسَمَ أبو سامر بخبثٍ وقال لي: "دعنا يا معلم وفيق نسترح قليلاً، دعنا نستمتع بوجه الحذاء القادم."
ردَّدت عليه: "آه كم يثيريني المِهْمَاز، نَخَسَه يُهيِّجني."
مرت لحظات، وصلُ الكعبُ العالي... غَضَّ صاحب الثَلاَّجة طَرْفَهُ خِزْياً! دفعني بخُشُونَةٍ إلى المصعد، وهمسَ لي: "الله يرضى عليك يا معلم وفيق، يا إبن الناس الأكابر، لا تتَطَلَّع، إنّها زوجتي!"

ضحك وفيق عالياً، أخذ رشفة من بطحته، شعر بنفسه وكأنَّه قد تكلّم بلا انقطاع كمن يقرأ في كتاب، سألني مداعباً: "أخبرني، كم صديقة لديك في الجامعة؟"
ابتسمت وأجبته كاذباً: "كثيرات... الجامعة وأنت تعرفها!"

غيرت مجرى الحديث. أخبرته أنَّ الميكانيك من المهن الأقرب إلى ميولي وأريد أن أتعلمها عملياً كما أدرسها نظرياً وقلت له بأنَّ بناء وتصميم المصاعد هو علم بحد ذاته وسأكون ممنوناً له لو يمنحني الفرصة لمساعدته والتَّدَرُّب على يديه لفترةٍ وجيزةٍ.

ودون حاجته لأخذ وقته بالتفكير أجاب: "لقد أحببتك واِرتحت لشخصك، تستطيع أن تبدأ العمل لدي من الغد، لدي ورشة حالياً لصيانة مصعد في بناية عالية في حارة الصليبة، غداً الساعة الثامنة صباحاً نلتقي هنا في خمارة عمك أبو جليلة ونذهب سويةً، سأعطيك مبلغاً شهرياً يكفي مصروفك الجامعي وعزائم صديقاتك، بل ويزيد عن حاجتك قليلاً."
*****
يتبع







اخر الافلام

.. صباح العربية | فسحة أمل فوق ركام الألم.. العالم يحيي يوم ال


.. قذائف السويداء .. مسرحية جديدة من مسرحيات ميليشيا النظام


.. صباح العربية العالم يحيي يوم الموسيقى




.. رموز الثقافة والأدب فى عزاء الناقد والروائى سيد البحراوى


.. انطلاق ملتقي سلسبيل النيل للفنون التشكيلية بمشروع قناطر أسي