الحوار المتمدن - موبايل



فيورباخ-ماركس-فرويد...والاغتراب/تداعيات اغتراب ذاتي خارج النسق(10)

ماجد الشمري

2018 / 1 / 13
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


/سيغموند شلومو فرويد/ولد عام1856في بريتور-مورافيا التشكية حاليا،ومات منتحرا-كما يعتقد-بجرعة زائدة من المورفين في هامبستد-شمال غرب لندن عام1939-وهو طبيب اعصاب نمساوي،ورائد علم النفس السريري والتحليل النفسي.ولسنا معنيين هنا بنظرياته وطروحاته في:الهستيريا،والدافع الجنسي،والكبت والرغبات،والعقد النفسية،والشعور واللاشعور،بقدر مايهمنا بحثه المتفرد في موضوعة الاغتراب النفسي الفردي داخل الحضارة.الحضارة الغربية المضطربة كما عاشها فرويد من:نزاعات دولية وحروب وثورات ومتغيرات معتملة لاتهدأ،وصعود الفاشيات وموجة العداء للسامية التي اضطرته لترك وطنه النمسا والخروج الى المنفى-الاغتراب عن الوطن!-.كان فرويد يعتقد بوجود نزعتان متصارعتان بين الرغبة الشديدة بالحياة،وبين الميل الضمني الكامن المندفع نحو الموت.وان هناك مواجهة مستترة وحادة بين المجتمع المتحضر القامع،وبين الفرد المتمرد والرافض لكبت عواطفه وغرائزه المتدفقة اللاواعية.فالحضارة-حسب فرويد-تسعى لترويض وتهذيب -الوحش داخل الفرد-وقولبته وهندسته بالطاعة والانصياع من الخارج،وفي نفس الوقت من الداخل عن طريق رقيبه الداخلي المكتسب تربويا-اجتماعيا وتاريخيا وسلوكيا.حيث يعبر التأثير ممتدا ومتغلغلا الى اعماق الفرد السايكولوجية،لتمارس(اناه العليا)المزروعة دورها السلطوي الداخلي القامع لل(هو)الجواني كي يخضع بدوره للتطابق المتماهي مع قوانين واعراف وقيم وثقافة المجتمع،مجتمعه.لكي يقوم الفرد بردع ذاته تلقائيا بآلية الانصياع لصوت السلطة الاجتماعي والدولتي واناه المراقبة-المخبرة!.وبالاضافة للصراع بين المجتمع والفرد،ينشأ صراع آخر بين الفرد وذاته المنقسمة،صراع بين رغباته وغرائزه الفائرة المكبوتة التي تنشد الانطلاق والتحرر من القيود،وبين رقيبه البوليسي،وبين نظام المجتمع القاهر لكل خروج او مروق على معاييره المقررة.وهذا التوتر هو مايسبب القلق،واحتدام الثورة داخل الفرد ضد السائد والمقبول العائلي والمجتمعي والسلطوي.فينبثق الاغتراب النفسي ويعشعش،متحولا الى ظاهرة بنيوية لسايكولوجية الفرد المغترب عن الحضارة القائمة.والفرد المغترب يغدو عدوا للمجتمع والحضارة.فمن اجل ان يحمي المجتمع نفسه من العصيان الفردي المهدد لوحدة المجتمع بالفوضى والتفتت،يلجأ لكبح رغبات الفرد واهواءه الخارجة عن السياج الصراطي الحافظ،والذي بنته البشرية عبر تطورها وتحضرها بمشيداتها التنظيمية وهندسة الفرد والمجتمعات..اما فرويد فيعتقد بأن الانسان الفرد غير اجتماعي بطبيعته،ويميل الى التمرد على المدنية بموجات طاقات الغرائز الثائرة وغير المشبعة،والتي يعتبرها المجتمع تهديدا خطيرا لاسس ومرتكزات الحضارة،والتي تؤدي اذا ما اطلق لها العنان الى زعزعة الاستقرار وخراب الحضارة.فالاغتراب النفسي لدى فرويد يكمن في صلب الحضارة البشرية التي تجعل من الفرد مغتربا عن مجتمعه ومغتربا عن ذاته،وعن الآخر.
والسؤال اليذي يطرح هنا هو:ماهي العلاقة بين الحضارة والاغتراب النفسي الفردي بتصور فرويد؟!.في كتابين لفرويد-واللذان بمثابة الحصيلة التأملية لفرويد حول الحضارة الانسانية وسلبياتها المنعكسة في اغتراب الفرد-نشرا عام1928-1929-الاول كان بعنوان:"مستقبل وهم"والذي اكد فيه فرويد على ان الدين ليس اكثر من وهم بشري،واماني انسانية خيالية عقيمة.اما الكتاب الثاني وهو:"الحضارة وماتنطوي عليه من عدم الرضى"والذي ترجم الى العربية بعنوان"قلق في الحضارة".في هذين الكتابين يجيبنا فرويد على السؤال اعلاه،وجوابه يستند على ان الحضارة هي انجاز جبار ومن صنع الانسان بلاشك،ونتيجة لعمله ومثابرته وبفضله تم تحقيقها.ولكنها وفي نفس الوقت كانت وبالا عليه ككيان فردي عقلي ونفسي يصبو لتوكيد ذاته وطاقاته النفسية بلا تكبيل.حيث انتصبت الحضارة كقوة قاهرة وعدائية ضده.فالانسان تمكن وبنجاح في محاولته لترويض الطبيعة واستغلالها لاغراضه من ان يحقق عمارته الحضارية السامقة من خلال اخضاع تلك الطبيعة بعمله لغاياته ومراميه.ولكنها كانت له ايضا-الحضارة-ذلك الغريم المعادي الذي كبت اهواءه ورغباته وغرائزه الدفينة.يقول فرويد واستنادا لمقدماته هذه،بأن كل فرد هو بالضرورة عدوا للحضارة،لانها الكيان الذي يقمع ذاته النفسية ويقيد غرائزه.وبالنسبة لفرويد ف"الانا العليا"الاجتماعية-الاخلاقية-القيمية،هي المحدد للسلوك والشعور الفردي الضابط والجامع بين افراد المجتمع.وهي مجموعة القيود الثقافية،والتعاليم والقيم الاخلاقيةوالدينية والوضعية المعترف بها اجتماعيا وقانونيا.هذه الاغلال المعيقة والقامعة لحريات ورغبات وغرائز الفرد اللاواعية،والقمع الجنسي-العاطفي هو قمع اجتماعي حقا ضد الفرد المنشق الناشز عن الحضارة.الحضارة التي هي على العكس تنمي الضبط والمراقبة والسلوك القطيعي المستحسن والمقر من قبل الهيئة الاجتماعية ضد كل الدوافع البدائية البرية الاصيلة،والتي تحكم لاوعي الفرد بتاريخه البايولوجي الطبيعي،وتحاول الظهور والتعبير عن حاجاتها لتطمينها واشباعها.ومن اجل العيش في مجتمع حضاري متماسك موحد،فيجب على الفرد ان يضحي بكل محفزاته ونزعاته وطاقاته الداخلية الخفية الحبيسة،او ان يعيش الفرد اغترابه النفسي عن نفسه وعن الآخر وعن الحضارة،حيث يواجه ويعيش الانسان تناقضه الدائم بين واجب الفرد الاجتماعي بحماية الحضارة التي يعيش بكنفها وتحميه وتحتمي به،وبين الخروج والانسلاخ والانخلاع من المجتمع بغية تحقيق ذاته الفردية من خلال فك اسر دوافعه البيولوجية والنفسية الاصيلة،والتي يدجنها المجتمع بتلطيفها ونزع اظافرها لاقصى حد ممكن من الترويض كحيوانات منزلية اليفة!.وسيكون ثمن التضحية بالدوافع الجنسية والنفسية باهضا جدا وهو الاغتراب المتأصيل بين الفرد والحضارة.
لذا يمكن القول ان العلاقة بين الانسان والحضارة هي علاقة"عصابية"متوترة وصراعية لاتهدأ،ويستعين فرويد لدعم اطروحته بشواهد تسندها في تفسير اغتراب الفرد النفسي عن الحضارة،يستقيها من ماضي الانسان البدائي.منها:كتاب"الغصن الذهبي"لفريزر،وايضا من نظرية التطور لدارون..ففي المجتمع البدائي-وفق فرويد--هيمن الاب على جميع الذكور،وكانت جميع النساء تحت سيطرته،وهذا ما اثار حفيظة وحنق رجال القبيلة،فقتلوه وأكلوه،ولكنهم عانوا بعد ذلك من فصام نفسي-عاطفي مؤثر من شعورهم بالآثم والذنب والحب للاب من ناحية،وبين الكراهية والعداء له من ناحية اخرى.وكماهو معروف عن فرويد وبتصوره،ان مرد ذلك يعود ل"عقدة اوديب"القائمة على جريمة قتل الاب،وكتبعة ونتيجة لهذه العقدة الاصلية نشأ لدى الانسان-مااطلق عليه فرويد-"الانا الاعلى"وهو الانا المراقب والزاجر والمعاقب،اي الضمير الاخلاقي الرادع والمترصد والمانع من تكرار ذلك الفعل الجنائي الشنيع القديم الاول.هذا الانا الاعلى-الاخلاقي المتزمت والصارم كان هو البذرة الاولى التي انتجت الدين،والتي وفقها احال الانسان عناصر الطبيعة القاهرة والغامضة التي تحيط به الى كائنات وهمية غريبة هي: الطواطم والالهة والارباب،ومنحها واسقط عليها خصائص الاب البدائي من قسوة وانتقام وحب ورعاية-وهذا مقارب سايكولوجيا لرؤية فيورباخ عن الاغتراب اللاهوتي،مع الفارق في المنطلقات والتفاصيل!-.ومن خلال ذلك الانا الاعلى الحاكم،بات الانسان كائنا اجتماعيا واخلاقيا ودينيا احاط نفسه بأسوار النواهي والتحريمات.
ولكن هذه الوضعية المشرعنة-المقوننة ذاتها كانت ضد الانسان،والذي في نفس الوقت يجد سلواه وعزاءه في الدين ونظامه،ومع ذلك لم تكن تلك القناعة كافية ومجدية لان الدين-كما يقرر فرويد-هو مجرد وهم لااكثر-وهنا ايضا يقترب فرويد من فلسفة فيورباخ واغترابه الديني!-.بأسقاط صفات وخصائص الانسان الحقيقي الطبيعي على كائن وهمي هو(الله)مع انها صفاته الجوهرية هو كأنسان!.فمن اين يأتي الاغتراب اذا ويصيب الانسان؟!.هذا السؤال يجيب عليه فرويد:انه يأتي من الحضارة!.فالحضارة نفسها هي علة الاغتراب النفسي الفرويدي.
ويفسر فرويد ذلك ب:تنازع صراعي داخل الفرد بين رغبته بتدمير الحضارة لانها لاتفوم وتستوي الا بلجم وتكميم وردع وحرمان الانسان من اطلاق غرائزه واشباعها بتفريغها،وبين شيوع اغتراب الفرد عن الحضارة وعن ذاته وعن الآخر.حيث يخضع الفرد لسيطرة الوعي الضابط و المنضبط على اللاوعي المنفلت والتحكم به.هذا الكبت للنوازع اللاواعية المدمرة هو ماكانت تتطلبه الحضارة لتستمر وتزدهر.فالاكراه الحضاري وتقييد الغرائز،ولجم الفرد هو الاساس الذي تقوم عليه كل حضارة،ولكنه وفي نفس الوقت هو المفرخ الدائم لاغتراب الفرد عن مجتمعه،ولن يحدث تصالح بين طبيعة الفرد البرية الحرة،وبين اقفاص أسر الحضارة!.هذا ماارتكز عليه منهج التحليل النفسي الذي ابتدعه فرويد،والذي ينصب على تحليل اللاوعي،ومايعتمل في اغوار النفس البشرية الجوانية من رغبات واهواء وغرائز مقموعة اجتماعيا.ومن اجل ان ترضي المجتمع عليك ان تضحي بغرائزك ودوافعك ورغباتك الدفينة.ومايجري كبته على مستوى الروح بالدين،يجري كبته ماديا ونفسيا بالحضارة!.
وماذا عن الوعي؟...رحلة الانسان التاريخية،وفي فترة القنص والصيد الطويلة،والتي كانت توحد الانسان بالطبيعة بشكل غير واعي،وبعد ان توارت وانتهت لاسباب تاريخية واقتصادية وبيئية وديمغرافية،وعوامل موضوعية اخرى،نشأت بعدها وفي مرحلة الحضارةالزراعية الاولى علاقة جديدة ومختلفة بين الانسان والطبيعة قائمة على الانفصال بينهما.حيث بدأ وعي الانسان بالاغتراب عن محيطه ونفسه.فالعلاقة بين الانسان والطبيعة هي علاقة عامودية وليست افقية.وهذا يعني ان من الممكن ان يتجاوز الانسان الطبيعة،وبمعنى آخر ان قدرة الانسان الفائقة على تغيير الطبيعة،وتغييرها يعني ببساطة انسنتها،وانسنة الطبيعة وطبعنة الانسان،يعني الوعي بوحدة الطبيعة والانسان والعودة مجددا لتماهيمهما معا- وهنا من جديد اصداء فكرة ماركس عن العمل المغترب والاغتراب الديني لفيورباخ-.ولان انسنة الطبيعة لم تحدث تماما لحد الان،وبالتالي يبقى الوعي غير مكتملا،وتمام اكتماله هو بتمام وحدة الانسان الكاملة مع الطبيعة.وهذه الوحدة المنشودة-عبر فيورباخ وماركس وفرويد-تهيء لازالة الاغتراب....
.........................................................................................................................
يتبع.
وعلى الاخاء نلتقي...







اخر الافلام

.. مدير المخابرات الأمريكية: ممكن نزع نووي بيونغ يانغ خلال عام


.. مدير المخابرات الأمريكية: ممكن نزع نووي بيونغ يانغ خلال عام


.. ليفربول يضم الحارس البرازيلي اليسون بيكر




.. مواطن اردني يقفز من شرفات مجلس النواب


.. أغلى صفقات حراس المرمى في العالم