الحوار المتمدن - موبايل



في ضيعة تل كيفجي

آرام كربيت

2018 / 1 / 13
الادب والفن



في مدينة الحسكة في فترة الستينيات كانت اللغة العربية هي السائدة في الدوائر الحكومية والمدارس والشارع. أي في مجمل المدينة لكونها مدينة جديدة لا يتجاوز عمرها أكثر من ثلاثين سنة وعدد سكانها بحدود العشرين ألف نسمة.
ونتحدث الأرمنية مع بعضنا أنا وأخواتي وبقية التلاميذ في مدرسة اللواء الأبتدائية الخاصة للأرمن الأرتذوكس.
أما في الشارع فكان هناك لغات أخرى لم أكن أفهمها أو لا أعرف التحدث بها كالأشورية والسريانية وإلى حد ما الكردية.
ومنذ نعومة أظافري لم أكن أحب اللغات على الأطلاق.
أمواج من الصور تأتي إلى ذاكرتي، تلعب بحواسي. صور وراء صور، كبيرة وصغيرة لا تنفك تستيقظ من غفوتها، بيد أنها تبقى مستقرة في جوف ذاكرتي. هناك طفل يحبي في داخلي وفي جوف ذاكرتي يلعب معي ويسير على وقع خطاي. لا يتركني ارتاح للحظات. له حياته، ألعابه، عالمه، أفراحه وجنونه. هوسه في اكتشاف الأماكن والأشكال والألوان والأبعاد حسب تصوراته ومعرفته:
ـ كان في الرابعة من العمر. أذكر وشوشاته ينقر ذرات كياني وعقلي يقول لي أنظر أنه نهر الخابور، الإله الخصب الطيب الرقيق، يمر على سرير قرية تل كيفجي كامرأة حسناء جميلة، ممشوقة القوام والقد. أنظر إلى خصرها الأملس كيف يتمايل ويرقص. يمر بكامل زينته وهياجه ووهجه وجماله. إنه الوجود ما بعده وجود.
أمد أصبعي الصغير وأشير:
هناك على الطرف الأيسر يستيقظ فحل وحش جارف ينتظره على الطرف الآخر، محركات الكاتربيلار، التي تقتل الأرض والماء والطبيعة والسماء دون رحمة أو شفقة. كل عنفة، قضيب ذكوري فحل بقطر خمسين سنتمتر وطوله مئات الأمتار يستجر ابن الماء، الخابور ورحمه.
وقفت بجانب أختّي أنجيل ولوسين معنا لوح صابون غار كبير، أخذته منهما وجعلته يرقص بين أصابع يدي الصغيرتين.
حاولت أن أمرر ذلك الصابون اللعين الذي ينزلق من يدي. واقفًًا إلى جوار جرف بجانب بيارة ضيقة لمنع الأعشاب من الدخول إلى جوف العنفات. وهناك شبك معدني مسنود بألواح خشبية طولانية يمرر المكان ويحافظ على قوة وسطوة نقاء الماء للمحرك.
المكان مغلق على شكل مستطيل، مملوء بالماء، تنام في الجوف القساطل التي تمرر الماء عبرها إلى خقول القطن العطشى.
شعرت بالدوار. ودون شعور مني سقطت في الماء في الطرف الجانبي من النهر العظيم، بينما المحركات الثقيلة تدور وتملأ الفضاء ضجيجًا وألم. في هذه اللحظة التي سقطت في الماء أصبحت سجينًا بين أربعة جهات محاطة بالماء. وكل محرك يجرني إليه ويدفعني إلى جوف القساطل في أسفل المستطيل.
استغاثت أختي أنجيل وبكت، وتبعتها أختي لوسين، بيد أن الماء والوجع لم يسمعا. وذهب صراخهما في اللاشيء. رفعت يداي في الهواء وصرخت وبكيت. كان أبي نائمًا تحت ظلال الأشجار والرطوبة وصوت المحركات. وإلى جواره إلى مسافة قصيرة أمي تغط هي الأخرى في النوم تحت سقف السماء وبكاء الخابور.
جاءت طفلة في مثل أعمارنا، ثلاثة أو أربعة سنوات، اسمها زكية. وبكل ثقة استندت على القضبان الخشبية الرفيعة سماكتها لا تتجاوز الثلاث سنتمترات ومسكت يدي وبهدوء سحبتني إلى الضفة. بينما أختاي ما زالتا تبكيان وتصرخان وأيديهما في الهواء الطلق
استيقظ والدي مذعورًا وركض عبر الكيش وحملني وأخذني. كنت أبكي. ومضى يزجرني، قال لي:
ـ لماذا تذهب إلى هذا المكان. لقد قلت لك آلاف المرات انتبه، الخابور بقدر ما هو رحوم هو قاسي وشرير.
كان بيتنا في تلك القرية الأشورية على شكل مخروط اسطواني. في الأسفل دائري له نافذتان مزروعتان في الجدار. وهما عبارة عن بلور مغروس لا يتحرك، وضع من أجل إدخال الضوء. ثم يمتد ليصبح بشكل مخروط في الأعلى.
في تلك القرية الجميلة كان يأتينا العنب في سلال والتين. يقول لنا أحدهم بلغة عربية مكسرة:
ـ خذ هذه السلة من العنب يا أخي. حقول الكروم مملؤءة والمكان ضيق والسوق أيضًا. كلوه أو خمروه. نريد من يأكل.
كانت المواسم فائضة. جلبوا لأنفسهم محرك للكهرباء مثل جميع قرى الخابور في المكان الذي استوطنه الاشوريون في نهاية الثلاثينات.
الأخضرار يملأ كل مكان في ضيعهم أو قراهم. يعملون بهمة ونشاط ولديهم خبرة كبيرة وجلد على العمل والإنتاج. أكاد أقول أنهم لا يعرفون الا العمل والعمل فقط. الأشوريون شعب نشيط وحيوي وخادم أمين للأرض والحياة.
كنت أمر مع والدي في السيارة في فترة الستينيات من الحسكة إلى المناجير أو رأس العين أو بالعكس ونرى أضواء المصابيح تشع وتنثر الضوء في الليل الجميل على طول الشريط الذي ينام عليه حضن الخابور ويمتد إلى مئات الكيلومترات.
لم تكن قبضة السلطة قد ترسخت واستوت على المكان. كان وضع الناس مرحرحًا. المياه وفيرة. والكهرباء دائمة الخضرة. ولا تنقطع صيفًا أو في الشتاء. سلال العنب أذكرها جيدًا. رائحة الفاكهة عندما تخرج من الحقيقة وتتلقفها اليد الحنونة. طيب المذاق، طري مثل الأرض والنهر والإنسان في بلدنا. وكان مجدًا، عرشًا في بساطته. في حميمية الناس وهيبتهم وفي طهارة أرواحهم ونقاء قلوبهم. مملوءين رأفة وقناعة، وحب دون تسويق أو تزييف.
كنت مفتتنًا بذلك المكان. عيني تمتلئ حنانًا بصدى صوت الخابور وروحه الوديعة.
عشقت الجزيرة السورية حتى الثمالة. عشبها، رائحة النعناع البري. هذه الأرض الطافحة بالحميمية والأمل والفرح. وكان أهل الخابور يزرعون أشجار المشمش والتفاح والدراق والعنب والتين. والخوف والإجاص. ويصدرون القمح والشعير بمئات الاطنان والقطن والنفط.
في تلك القرية الوديعة تعلمت اللغة الاشورية بشكل كامل. ونسيت اللغة العربية والأرمنية.
عشنا هناك تسعة اشهر. ارتويت من الخضرة والرطوبة والفرح. وما أن عدنا للحسكة حتى نسيت هذه اللغة الجميلة بعد شهر من خروجنا منها.
الرحمة على سوريا وشعبها وأمل أن تعود كريمة معطاءة مضيافة كما كانت.







اخر الافلام

.. حفل خطوبة الفنان محمد مهران ومى عبد الحافظ بحضور نجوم الفن


.. الشاعر أمير المجيد على قناة العراقية ضمن برنامج شاعر العراقي


.. قصائد مؤمن سمير في بيت الشعر بالأقصر2018 الجزء الأول




.. -حرروا الكلمة- شعار الدورة الثالثة لمهرجان كرامة-بيروت لأفلا


.. منتدى أصيلة في المغرب يبحث الأسباب الاجتماعية والثقافية للتط