الحوار المتمدن - موبايل



أساطير المعارج السماوية

عادل صوما

2018 / 1 / 13
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


أساطير الصعود إلى السماء عديدة في الاديان الاسيوية، ومن اسبابها عدم استطاعة الانسان استيعاب فكرة العدم، وأمله في عالم آخر غير مرئي يعيش فيه مُخلدا، وبتوارد الفكرة عبر الاجيال بدءا من اعتقاد الانسان القديم انه يذهب إلى عالم أسلافه في الحلم أو يأتون إليه من عالمِهم، بدأت الامم تؤلف الاساطير حول ذلك المكان الخالد للتلصص عليه أو تعلّم الحكمة من سكانه، ويلاحظ قارىء هذه الاساطير اختلاف مفردات ومعلومات عصرها، والهدف من المعراج في كل اسطورة، وحسب ما أعلم لم يُذكر أي معراج في الديانات الافريقية القديمة بما فيها الديانات الفرعونية، لأن الظهور في المكان المكان السماوي عندهم كان للعابرين من الدنيا بدون عودة.
في العصر الحديث ظهرت أسطورة الاطباق الطائرة، وهي نوع من المعراج العكسي من مكان ما في الكون إلى الارض، لأن بعض الناس يؤمنون أن كائنات فضائية أسست الحياة على الارض بالبشر الذين تركتهم هنا كحقل تجارب على هذا الكوكب، ويأتون من حين لآخر لرؤية وتصوير ما وصلت إليه مخلوقاتهم.
كما تُعتبر روايات الناس العائدين من موت سريري، من أشكال معراج العصر الحديث، لأن هؤلاء الناس لم يموتوا تماما، وأخبروا قصصا وهم بين الحياة والموت تروي رؤيتهم جراحين أو ممرضات يحاولن إسعافهم، أو أحدهم يقول أن المريض مات. وبعضهم وصفوا رؤية نور ساطع أو أحبابهم الذين ماتوا أو المسيح في آخر النفق المظلم المُفترض أن يعبروه تماما ليصلوا إلى الجانب الآخر لكنهم عادوا وقصوا ما شاهدوا. ذكروا المسيح لأن الدراسات تمت على مسيحيين في الولايات المتحدة وبريطانيا، ما يعني أن المسيح أحد مفردات عقلهم.
الواحد الأحد
يعتبر المعراج الزرادشتي أول أساطير الصعود إلى السماء المُسجلة في ميثولوجيا الأديان خلال التاريخ الإنساني، لأن الزرادشتية ظهرت سنة 6000 قبل الميلاد، وكانت ديانة إيران الوحيدة لنحو 1000 سنة. صعد النبي زرادشت بجسده إلى السماء بواسطة طائر كبير يشبه إلى حد ما الثور المجنح الاشوري، وتمت الزيارة لموعد مع الاله اهوارا مازدا "إله النور" لكي يعلمه الحكمة ويعطيه الشرائع، ورافق زرادشت من السماء الاولى إلى السماء السابعة ملاك عظيم، واستأذن زرادشت أهورامازدا ليشاهد جهنم فاذن له، وزارها ورأى أهرمن أي إبليس. ووصف زرادشت إله النور بعد هذه الرحلة بأنه الإله الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد، وهو الضياء اللامحدود، ومحرك العالم وملك الأشياء، الذي لا يحده مكان أو زمان، ولا تخفى عليه خافية.
بعد زمان طويل من معراج زرادشت أخذت ديانته في بلاد الفرس بالانحطاط، ورغب المجوس في إحيائها في قلوب الناس، فانتخبوا شابا من أهل زرادشت اسمه أرتاويراف وأرسلوا روحه إلى السماء، بعدما وقع على جسده سُبات، وكان الهدف من سفره إلى السماء أن يطَّلع على كل شيء فيها ويأتيهم بما شاهد ليحمي الديانة من الانحطاط، وعرج أرتاويراف إلى السماء بارشاد سروش وهو من رؤساء الملائكة، وجال من طبقة إلى أخرى حتى وصل إلى السابعة، ولما اطلع على كل شيء أمره أهورامزدا الإله الصالح أن يرجع إلى الأرض ويخبر الزرادشتيين بما شاهد، ودُوِّنت هذه الأشياء بحذافيرها وكل ما جرى في أثناء معراجه في كتاب "أرتاويراف نامك".
هناك أيضا أسطورة الملك إيتانا البابلية، التي حفظتها بعض الألواح الأثرية، حسب الموسوعة البريطانية، وتبدأ الاسطورة بأنه لم يكن هناك ملك على الأرض، حتى قررت الآلهة أن تصطفي واحداً، فوقع اختيارها على إيتانا، فحكم شعبه كملك عادل، لكن كان عقم زوجته التي لم تمنحه وريثاً يؤرقه، وأصبح الملك العظيم عجوزا مهدداً بالموت بدون وريث يعتلي العرش من بعده، لكن الاقدار منحت الملك البابلي العادل معراجا وبلغ السماء على ظهر نسر، وهناك انهار شبه فاقد للوعي من أهوال الرحلة، ورغم ما عاناه عاد بجزء من نبتة الولادة من شجرة الحياة في السماء، ورُزق ابن هو الملك "بالح".
الاخنوخان وإيليا
في "العهد القديم"، ذُكرت قصة إيليّا النبي الرجل الصالح الذي عاش محاربا عبادة الأوثان والشرك بالرب، متحملاً في سبيل إيمانه مشقة اقناع العباد المناكفين، ومحاربة الملوك الظالمين، ومحاولات اغتياله المتلاحقة التي نجا منها بمعجزات إلهية. وفي أيامه الأخيرة على الأرض، كان إيليّا برفقة تلميذه وابنه الروحي إليشع في طريقهما إلى الأردن، وحين اعترضهما الماء رفع إيليّا ثوبه وضرب به فانشق الماء وعبرا معاً، وعدما استأنفا السير جاءت مركبة نارية وفرسان، وحملت إيليّا إلى السماء، وبقي رداؤه مع إليشع.
وجاء في سفر التكوين "وسار أخنوخ مع الله، ولم يوجد لأن الله أخذه". وأكدت رسالة إلى العبرانين في "العهد الجديد" هذا الحدث "بالايمان نُقل أخنوخ لكي لا يرى الموت، ولم يوجد لأن الله نقله. إذ قبل نقله شُهد له بأنه قد أرضى الله". وتُفسَّر الرسالة بأن الرب أصعد إليه أخنوخ الصالح ليعيش في السماء، على أن يعود قرب نهاية الزمان ليشهد قدوم المسيح الدجال، ويقاتله جنباً إلى جنب إيليّا حتى يُقتلا ويذوقا الموت.
وورد في سفر من الأسفار غير القانونية ويسمى أيضا "نسخة أخنوخ الأثيوبية" أو "الحبشية" أو أخنوخ الأول، وينسب خطأ إلى أخنوخ المذكور في سفر التكوين، والكتاب عبارة عن مجموعة من الأسفار اليهودية كُتبت باللغة الأرامية على وجه الترجيح، وفُقد الأصل الأرامي لكن وجُدت أجزاء من هذا الكتاب مترجمة لليونانية. ويُرجح أن أخنوخ الاول كُتب بين سنة 163 و80 قبل الميلاد.
وتوجد نسخة سلافية تختلف في محتوياتها عن النسخة السابقة، ويُسمى هذا السفر غير القانوني "أخنوخ الثاني" أو "كتاب أسرار أخنوخ"، وقد كتب هذا السفر اليهودي أولا باللغة اليونانية في مدينة الإسكندرية في النصف الأول من القرن الأول الميلادي، وفُقد الأصل اليوناني أما النسخة الموجودة الآن فهي ترجمة سلافية، وتحتوي على رحلة أخنوخ في السماوات السبع وإعلانات الله لأخنوخ، وكذلك يحتوي على ما يقولون أنه تحذيرات أخنوخ لأبنائه.
هناك في "العهد الجديد" رؤية يوحنا اللاهوتي الذي اختُطف بالروح وزار السماء ورجع برسالات من المسيح لأساقف كنيسته، كما وصف يوحنا مشاهد يوم القيامة وعذابات الناس فيه، والضربات والاهوال التي ستسبقه .
رؤية الله
جاء في الميثولوجيا الإسلامية إن النبي محمد أُسري به من مكة إلى القدس، وبدأت الامور عندما كان نائماً، فأتاه ثلاثة من الملائكة أحدهم جبريل، فشقوا جوفه وغسلوه من الغل والضغينة، ثم ملأوا قلبه إيمانا وحكمة، وبعدها أخذه جبريل إلى البراق، وهو هجين من الحمار والبغل وله ستمائة جناح، ليطير به إلى القدس. ثم عرج محمد من القدس بصحبة جبريل إلى السموات واحدة تلو أخرى، وفي كل سماء كان يلقى نبيا مختلفاً أو أحد الصالحين، حتى بلغ السماء السابعة التي أشار إليها القرآن بسدرة المنتهى، فقابل الله وتحدث إليه كما ورد عند بعض المفسرين، وهناك فُرضت الصلوات الخمس على المسلمين، وعاد محمد إلى مكة على ظهر البراق الذي كان ينقل قدمه من المكان الذي فيه إلى المكان الذي يراه، ما يعني إنه كان يتحرك من مكانه إلى الافق، وهي سرعة تفوق مئات المرات سرعة الصاروخ.
كما ورد في القرآن معراج آخر هو معراج المسيح الذي إختفى عن بصر الذين قبضوا عليه ورفعه الله إلى السماء، وسيأتي ليحكم بالعدل ثم يموت وبعدها مباشرة تقوم القيامة.
تشابهات واختلافات
أبرز التشابهات بين معراج زرادشت ومحمد هو فكرة السموات السبع، وتسمية الله بالواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد، وفرض الصلاة على أتباعهما خمس مرات يومياً بعد المعراج، في مواقيت مرتبطة بحركة الشمس. فالصلوات عند الزرادشتيين هي صلاة عند بزوغ الفجر، وصلاة عند الظهر، وصلاة بعد الظهر، وصلاة عند الغروب، وصلاة الليل، كما فُرض الوضوء قبل الصلاة على اتباع الدينين، فقد كان الزرادشتيون يتوضأون قبل الصلاة وقبل البعثة الاسلامية بحوالي ست آلاف سنة.
معراج المسيح إلى السماء في القرآن يختلف عن الانجيل، فقد مات في الانجيل وصعد إلى السماء بجسد أثيري وعاد منها ليشد أزر تلاميذه ويؤكد لهم على صحة ما تنبأ به ووجود حياة بعد الموت.
مفردات ومعلومات
يُلاحظ في هذه الاساطير اختلاف مفرداتها حسب عصرها وبيئتها، فالثور المجنّح كان معروفا في حضارات ما بين النهرين والمجوس، والثور المجنّح أو شيدو لاموسو كما ورد في الكتابات الآشورية، وأصل كلمة "لاموسو" من لامو، وهو اسم لأنثى من الجن مهمتها حماية المدن والقصور ودور العبادة. واختير النسر لإيتانا لأنه كان ذاهبا في مهمة مستحيلة لا يقدر على عبورها سوى نسر. وعندما عرج البدوي محمد إلى السماء كانت وسيلته أسرع وسيلة وأشدها تحملا في الصحراء لأن البراق هجين من الحصان والبغل ومزود بأجنحة ليطير، ومعظم الرحلات إلى السماء تمت لتلقي فروض الصلاة والمعرفة والحكمة، وكان القليل منها تكريما من الله.
كتّاب أساطير المعراج السماوي تجاهلوا احيانا حجم الوسيلة المستخدمة في الرحلة الفضائية، لأن الانسان لا يستطيع أن يجلس على ظهر نسر، وستمائة جناح للبراق تجعل جلوس الرسول فوق ظهره مستحيلا، ولأن حضاراتهم لم تُدرك معنى الجاذبية والغلاف الجوي وانعدام الاكسجين في طبقات الجو العُليا، لم يذكروا استحالة تجاوز الارض للفضاء وتخيلوها مثل رحلة أي طائر من مكان لمكان، كما لم يدركوا أن سرعة هذه الطيور الاسطورية الهائلة تجعل راكبها يموت لأنه لن يستطيع التنفس وسوف يقع من فوقها ويتهشم على الارض، ناهيك عن استحالة عبور الكون الذي نعرفه ويبلغ قطره 93 مليار سنة ضوئية، للوصول إلى السموات السبع ومقابلة الله المُفترض أن يكون خارج المحسوسات.
ثم كيف يمكن للعين أن ترى الله الذي لا تراه سوى الارواح فقط لأن من يراه هم الاموات فقط حسب الادبيات الإبراهيمية.
حركت هذه الاساطير الناس كيفما ارادت ولم تقل كيف يمكن أن يعيش إيليّا وأخنوخ والمسيح في مكان خارج المحسوسات ليس فيه أكسجين أو طعام وماء أو مكان لقضاء الحاجة أو سرير للنوم، لأن كائنات السموات لا يحتاجون إلى مثل هذه الاشياء، مع عدم إغفال إستحالة عبور البشر من الغلاف الجوي الارضي بدون سفينة فضائية حاضنة وملابس مجهزة، فما بالك برحلة طولها 93 مليار سنة ضوئية لإنسان يستحيل أن يتخطى 155 سنة من العمر، وهو أكبر عمر سجلته الانسانية، علما بأن الضوء يقطع 18 مليون كيلومتر في الدقيقة الضوئية، وتبلغ المسافة التي يقطعها الضوء في سنة واحدة تريليون كيلومتر.
حسب وكالة "ناسا" يعاني رواد الفضاء الذين قضوا فترة بعيدة عن جاذبية الارض، رغم البدلات الخاصة وسفن الفضاء المجهزة، من الألم في اماكن مختلفة والتصلب وآلام العظم وتورمات حميدة على سطح أجسادهم وزيادة الاحساس بالضغط في الجمجمة، وتزول هذه الاعراض تدريجيا بعد العلاج في مصحات مؤهلة لاستقبال رواد الفضاء، وهذه الاعراض لم يشك منها أحد من رواد معارج الفضاء، وهو اسم السماء في أزمانهم.
التسليم المطلق يحجب البصيرة عن الوصول إلى الحقيقة، والخوف من العقاب يجعل العقل يرفضها ويتهم من قالها بعدم الامانة العلمية أو الحقد على دين ما، وطلب راحة البال أو الحفاظ على مصدر الرزق يمنع من يعرفها من نشرها احيانا.







اخر الافلام

.. مدير المخابرات الأمريكية: ممكن نزع نووي بيونغ يانغ خلال عام


.. مدير المخابرات الأمريكية: ممكن نزع نووي بيونغ يانغ خلال عام


.. ليفربول يضم الحارس البرازيلي اليسون بيكر




.. مواطن اردني يقفز من شرفات مجلس النواب


.. أغلى صفقات حراس المرمى في العالم