الحوار المتمدن - موبايل



غارات المسلمين بعد بدر، وثأر المكيين في أحد!

محمد مسافير

2018 / 1 / 13
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


رأينا في الحلقة السابقة كيف بادر المسلمون إلى العدوان ضد المكيين دون أن يعد هؤلاء لأي قتال، وعكس ما يروج له المعاصرون، فلا سبيل إلى تبرير ذاك العدوان بذريعة الدفاع عن النفس، وإلا فيجب علينا أن نسلم بأن المكيين قد جيشوا زبانيتهم ثم وجهوها صوب محمد في المدينة، ومن يعتقد فعلا بذلك، فنحذره من الاقتراب من الكتب التاريخية إن أراد الاحتفاظ باعتقاده!
لقد وصف المؤرخون بالتدقيق الظروف التي سبقت المعركة، ويؤكد ابن كثير أن المكيين لم يسيروا نحو محمد ولم يرسلوا نحوه جيشا، كل ما فعلوه أن حاولوا حماية قافلتهم من هجومات المسلمين المرتقبة الذين قتلوا قبل ذلك عمرو بن الحضرمي وسرقوا ممتلكاته.... فقد كان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتقصى الأخبار ويسأل المارة حتى علم بأن السلمون يجهزون للاستيلاء عليهم، ثم أرسل في طلب النجدة! ابن اسحاق - ابن كثير المجلد 2
ومن الضروري أيضا الإشارة إلى امتناع بعض المسلمين المسالمين فعلا عن المشاركة في الهجومات والغزوات ضد المكيين، لم يريدوا حربا، وقد نعتهم محمد في القرآن بالمنافقين وتوعدهم بنار جهنم وأن المسلمين الحقيقيين هم الذين يعاملون الكفار بقسوة وبشدة لا تلين:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (9) سورة التحريم
قال ابن إسحاق: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشام، أرسل المسلمين إليهم وقال هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ييسرها لكم. فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أمر الناس . حتى أصاب خبرا من بعض الركبان : أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك. فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري ، فبعثه إلى مكة ، وأمر أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه. فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة.
استغاثة أبوا سفيان كانت دليلا على أن قريشا لم يتوقعوا المعركة، أي أنهم لم يكونوا يشكلون أي تهديد لمحمد، ومحمد نفسه حسبما ذكره الطبري، اعترف أن المكيين كانوا فقط يحاولون حماية أملاكهم، وقد صرح ابن هشام أن المكيين فعلوا ما بوسعهم لتجنب الحرب.
قبل أن تنشب معركة بدر، سد محمد ابار الماء عن المشركين، فخرج رجل من جيش قريش يقول: «أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه»، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطَنَّ قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخُب رجلُه دماً نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد أن تُبَرَّ يمينُه، ولكن حمزة ثنى عليه بضربة أخرى أتت عليه وهو داخل الحوض.
لم يرتوي ضمأ محمد بعد إزهاق الدماء في غزوة بدر، بل انتعش وتعاضم كبرياؤه، وأعد العدة لمزيد من الغزوات، فبعد أن وضعت بدر أوزارها بأسبوع، اتجه إلى ديار بني سليم قاصدا غزوها، فلم يلق حربا، فنهب خمسمائة من البعير، وأخذ لنفسه خمسها وقسم الباقي على أصحابه، ثم أقام هناك ثلاثة ليال قبل أن يرجع إلى المدينة.
أصبحت تجارة المكيين مهددة، والطرق التجارية مليئة بقطاع الطرق المسلمين، فبدأوا يبحثون عن طريق جديدة لتجارتهم إلى الشام، فسلكوا طريق نجد العراق، إلا أنهم لم يسلموا من بطش المسلمين، فقد كانت سرية زيد بن حارثة في الموعد، اعترضوا القافلة بمئة راكب، ونهبوا حمولتها التي كانت تضم الفضة وبضائع كثيرة بما قيمته مئة ألف درهم، وكان أيضا خمسها للرسول، والباقي تم تقسيمه على بقية قطاع الطرق.
كان محمد معجبا كثيرا بشخصه حد جنون العظمة، وكان يدعي في مواضع كثيرة أن الله يحميه: و أن الله يعصمه من الناس،... ومن جهة أخرى، كان يقنع أتباعه بأنهم سينجون من بطش المكيين ولو تهوروا في حروبهم، فالله دائما معهم، فإما أن ينصرهم، وإما فإن الذين يقتلون في سبيل الله ليسوا أمواتا، بل عند الله يرزقون، وهم من عباد الله المنعمين! وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا، وأن الله لا يهدي القوم الكافرين... فقد كان يحثهم على القتال إلى آخر رمق:
عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله: «ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل، فإما أن يقتل وإما أن ينصره الله، ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه... »
قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم، وقال: والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة. فقال عمير بن الحمام، أخو بني سلمة، وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قتل.
قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عوف بن الحارث ، وهو ابن عفراء قال : يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده؟ قال: غمسه [ص: 628] يده في العدو حاسرا. فنزع درعا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل .
ونهاية عوف هذه كان لها أثر عظيم في نفس محمد، فبسبب موته في بدر، قرر محمد أن يستعد لمعركة أحد بدرعين...
وقعت معركة أحد عاما بعد بدر حين أراد المكيون أخذ الثأر، لم تكن صفوف المكيين منظمة في واقعة بدر، حيث أخذوا على حين غرة فتموقعوا في حالة الدفاع. ورغم أنهم تأهبوا لها هذه المرة، إلا أنهم لم يكونوا راغبين في القتال، أرادوا فقط تخويف المسلمين علهم يتراجعوا عن السطو على قوافلهم التجارية ويتعاهدوا على السلام، فعندما تقارب الجمعان، وقف أبو سفيان ينادي أهل يثرب بأنه غير راغب في القتال، لكن قوبل عرضه بالاستنكار والشتائم، وهنا ثارت حفيظة زوجته هند بنت عتبة المقاومة البطلة، وقامت مع نساء مكة يضربن الدفوف ويغنين:
نحن بنات طارق، نمشي على النمارق، إن تقبلوا نعانق، وإن تدبروا نفارق، فراقاً غير وامق.
ومن جهة أخرى، فقد كانت معركة أحد تلغي تماما فكرة قدرة الله وملائكته على حماية محمد، فقد موقع نفسه في مؤخرة الصفوف، وأحاط نفسه بحماية خاصة من البوديغاردات، لكن ذلك لم ينفعه في شيء، فقد استطاعت جيوش المكيين اقتحام صفوف المسلمين والوصول إليه.
وجد محمد نفسه وحيدا، فلا ملائكة تحرسه، ولا عين الله ترقبه، هل كانت الملائكة نائمة وعين الله غافلة؟ أين جنود الرحمان؟ أين قدرة الله التي كانت تخشى عليه من لسعة الشمس فترسل فوق رأسه سحابة ترافقه أينما حل وارتحل حسبما جاء في سيرة ابن إسحاق؟ بحث عن حيلة تنجيه من فتك المكيين، فبدأ يتحايل على المسلمين المقاتلين ببيع الوهم:
روى مسلم: "أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما أرهقه المشركون قال: من يردهم عني وله الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه، فقال من يردهم عني وله الجنة، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة!
وصل المكيون إلى محمدا فأصابته حجارتهم حتى وقع (لم يتدخل الله وملائكته لحمايته من الحجارة)، وأصيبت رباعيته اليمنى السفلى، وشج في وجهه وكلمت شفته السفلى، وكان من أصاب محمدا هو عتبة بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص والدم يسيل على وجهه وهو يقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم وهو يدعوهم إلى ربهم»، فنزل في ذلك قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الاْمْرِ شَىْء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ}ـ (آل عمران: 128).
ثم أراد محمد أن يعلو الصخرة، فلما حاول النهوض لم يستطع، لأنه ضعف لكثرة ما خرج من الدم من رأسه ووجهه بالإضافة إلى أنه كان يرتدي درعان، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها... على الأقل فلتأتي ملائكة الرحمان لتحمله، أو بغلة البراق التي رفعته إلى سبع سموات!
ورغم ما أصاب محمدا، ودون خجل، لا يكف مفبركوا الأساطير من إقحام المعجزات في هزيمة أحد، كيف لا وهو نبي الله الذي اختاره ليبلغ رسالته، إنه شخص غير عادي إطلاقا، ولا بد أن يحدث شيء ما في تلك الواقعة يفوق التوقعات... فماذا قالوا: أصيبت عين قتادة بن النعمان من بني ظفر وقد تدلت على وجنتيه فردها عليه رسول الله فصحت وكانت أحسن عينيه - الطبري -، ربما من شاهد فيلم القناع يستطيع أن يتخيل الحادثة، سقطت عين قتادة فردتها يد الرسول الشريفة! الرسول لم يستطع رد الأذى عن نفسه وطلب إغاثة أصحابه، فأنى له أن يقدر على هذا العمل السحري العظيم لغيره!
لازم محمد الفراش شهرا من فرط ما أصابه، لكن كيف سيبرر الهزيمة؟ قال مرة بسبب المنافقين الذين تخلفوا عن المعركة، وهؤلاء المنافقين المسالمين كانوا في بدر أيضا، ولم يكن نقصهم العددي عائقا وقتها، فقد انتصروا بفضل الملائكة وما أنزله الله من خوف في قلوب المكيين حسبما قالوا، إذن فمبرر المنافقين ليس إلا خداعا! وقال مرة أخرى بسبب عدم انصياع المسلمين لأوامر الرسول، وإن صح ذلك أيضا، فليعاقب المسلمين وحدهم، لماذا لحق محمدا ما لحق به من آذى؟ من الأريح جدا أن نقول إنها حكمة الله تعالى ونكف أنفسنا عن السؤال!
لكن لا بد أن يواسي محمد أصحابه في ما فقدوه من ضحايا، لقد مات منهم سبعون، وكانت هزيمة قاسية، رغم أن المكيين هم من أوقفوا القتل ظنا منهم أنهم قد نالوا من محمد، لم تكن تهمهم الحرب في حد ذاتها، بل كل همهم وضع حد لنزيف الدماء والنهب بالقضاء على رأس الحربة... محمد في موقف محرج، أين ذهب الضحايا؟
لكن الإجابة الشافية لكل الجروح كانت عند محمد: لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله عزَّ وجلَّ أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طِيْبَ مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: "من يُبلِّغ إخواننا عنَّا أنا أحياءٌ في الجنة نرزق؛ لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب"، فقال الله عزّ وجلَّ: "أنا أبلغهم عنكم؛ فأنزل الله عزَّ وجلَّ: (ولَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران: 169)؛ أخرجه أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح.
وقد نزل في واقعة أحد أيضا: (ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الزمر: 61]
لكن محمدا مسه الضر... أم أنه لم يكن من المتقين؟ وروى الشيخان من حديث سعد رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض كأشدِّ القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد" وهنا يقصد الملائكة، أي أن الملائكة أيضا كانت حاضرة يوم أحد، لكنها ربما لم تكن مهيئة جيدا للقتال، لكن ما لا نعلمه من أمرها هو كم كان عدد الضحايا في صفوفهم؟ فقد لحقتهم أيضا الهزيمة، ولو لم يكن ذلك صحيحا ما استغاث محمد بأصحابه من الإنس الذين قاوموا حتى قضي عليهم جميعا، وما أرهق ظهر طلحة بن عبيد الله بثقله!







التعليقات


1 - عشان هيك
جندي ( 2018 / 1 / 13 - 19:40 )
كان محمد معجبا كثيرا بشخصه حد جنون العظمة، وكان يدعي في مواضع كثيرة أن الله يحميه: و أن الله يعصمه من الناس،... ومن جهة أخرى، كان يقنع أتباعه بأنهم سينجون من بطش المكيين ولو تهوروا في حروبهم،
عشان هيك كان يقعد ساعات في وضع خطة عسكرية ويقول كل دقيقة توكلوا ولا تواكلوا ونبه الجنود وقال لا تنزلوا ابدا عن الجبل
لا تنزلوا ابدا في اي حالة حتى لو خلصت الحرب لحد ما اخبركم
وكان يقول ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله احياء بل اموات عند ربهم يرزقون


2 - خربطة بالاية
جندي ( 2018 / 1 / 13 - 21:30 )
لا اعلم كيف طلعت معي
وكان يقول ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله اموات بل احياءعند ربهم يرزقون
كيف خطئت هذا الخطأ



3 - تحياتي
بارباروسا آكيم ( 2018 / 1 / 13 - 21:57 )
كان يوم اسود
يوم انتصار البصمجي

تحياتي

اخر الافلام

.. مخاوف من أزمة جديدة مع اقتراب الكنيسة الأوكرانية من الاستقل


.. من هو جمال خاشقجي .. صديق بن لادن ؟


.. دورات شيعية للميليشيات الطائفية في دير الزور بدعم من الحرس ا




.. حملة المرشحين لرئاسة البرازيل تستهدف الكنائس ومرتاديها


.. العلويون يغزون الفيلق الخامس الذي زعمت روسيا تشكيله..السيطرة