الحوار المتمدن - موبايل



الهشير

مهند طلال الاخرس

2018 / 2 / 1
سيرة ذاتية


* الهشير
لدينا أذنان ولسان واحد لكي نسمع أكثر ونتحدث أقل؛ عبارة للفيلسوف "ديوجين" لا أعرف كيف جاء بها صديقي علي او في اي أحلام زارته، لكنها كانت ضالته نحو التهرب من الاجابة على سؤال وجّه إليه في جلسة تنظيمية مغلقة وكثيرة العدد :"لماذا ننتمي الى فتح"؟.

جاء دوري في الاجابة حيث كنت أكاتفه في كل جلسة تنظيمية وكان هو لا يستطيع ان يبتعد عني في هكذا مواقف. اعاد مسؤولنا التنظيمي طرح نفس السؤال عليّ مجدداً بغية تخليص صديقي علي من الإحراج الذي وقع فيه. تلقفت الفرصة ومعها السؤال سريعا بغية إحراج صديقي علي ومسؤولنا التنظيمي "وضرب عصفورين بحجر واحد" إذا أني كنت لا اتورع عن توجيه الاهانة المعرفية تجاه الآخرين، حيث كنت منذ نعومة اظافري أستخدم المعرفة بشكل يضخم ذاتي على حساب الآخرين هذا ان لم يصغّرهم ايضا.

صديقي علي لم ينتبه الى حنقي عليه في ذلك اليوم، فأنا عادة لا انسى ولكني اضع الاشياء جانبا، حيث صادف ان كنا نلعب كرة القدم في ذلك اليوم في ملعب المدرسة والذي مرماه عبارة عن طوبتين، هذا ان توفرت، وإلا فالاستعاضة عن الطوب دائما كانت حاضرة من خلال أكوام شنطات المدارس المهترئة والمتخاصمة مع اصحابها دائماً هذا ان وجدتهم أصلا.

حدث ان كان صديقي علي حكم تلك المباراة واحتسب للفريق الخصم هدفاً علينا كان بإمكانه عدم احتسابه لمبررات شرعية واخرى أخوية، اذا أن الهدف في أعرافنا ايامها؛ كان يجب ان يكون واضحا وضوح الشمس، وان لا تشوبه اي شائبة، وان لا تعتريه اي شبهة وإلا....
المهم ان صديقي علي لم يتردد في إحتساب ذلك الهدف على رغم طلبي منه ذلك، إلا انه لم يستجب، حاولت ثنيه عن قراره،أجابني:"مبحبش الغوز".

اما مسؤولي التنظيمي كنت قد صادفته قبل ايام في سوق المخيم يزاحم النساء والفتيات في المرور، ولا يتورع عن الالتصاق بأجسادهن والتحرش بهن، وآلمني كيف كانت مروءة وعفة وحياء تلك النسوة والفتيات "المستورات" من بنات المخيم يتحاشين الصراخ في وجهه او شتمه على الاقل بغية دفعه بعيدا عن مدار عفتهن، لا بل إنه كان يقرأ عيون النسوة جيدا ويعرف من كانت بينهن أكثر حياء وعفة فيلاحقها بإصرار وترصد، وطبعا من نافلة القول ان كل العفيفات في المخيم هن الجميلات.

في هذه الظروف وفي هذا السياق جاء تلقفي للفرصة والسؤال: فأنا عادة لا أتقن فن المباطحة ولا المناطحة ولا أحبها اصلا، فهوايتي وصنعتي كانت ولا زالت المحاورة والمطالعة، المهم أن مسؤولنا التنظيمي أعجبه قول زميلي علي:" لدينا أذنان ولسان واحد لكي نسمع أكثر ونتحدث أقل" واخذ بالثناء عليه وعلى قوله سالف الذكر، مضيفا بأنه حديث شريف ذو حكمة ودلالة عظيمة.

إبتهجت اساريري لتلك السقطة من ذلك الساقط مسؤولي التنظيمي، فاصبح الرد على صديقي لا يثر حنقي بقدر اشتغال كل حواسي في تجميع الرد الملائم اخلاقيا ووطنيا على ذلك الساقط، هنا؛ كان لا بد لتحضير الرد بشكل وافي ان تأخذ الحواس وقتها، وعليه كان لا بد من الغمز واللمز بإتجاه صديقي علي ولو لبرهة بغية إختمار الرد في ذهني على الساقط سالف الذكر، فوجهت كلامي الى علي قائلا:"ان هذا الرد هو رد العاجز والفارغ فكل إناء بما فيه ينضح وانك شخص عديم المحتوى والمضمون ولن ازيد إلا بما قاله سقراط لأمثالك:"تكلم كي أراك"، فمثلك لا يرى بالعين المجردة، هنا اشحت بوجهي عن علي والقيت به في مواجهة الساقط "ابو النسوان" والذي كان حتى هذه الجلسة مسؤولي التنظيمي، وأبقيت عيني تخاطب بقية الجالسين، وتقرأ احوالهم وتحرضهم للاصطفاف معي حين موعد الاشتباك.

هنا تدخل الساقط ليسخر مني في سؤال مفاده، وهل تعرف انت من هو سقراط؟ اجبته: وهل تعرف انت "نافخ الكير"؟عاد والبسمة الصفراء الحاقدة تعلو وجهه قائلا: انت تتهرب من السؤال، اجبته: يا هذا، انا كالهشير في الاغوار لا يعرف الهرب، يجاور النهر، يخبء في احضانه خطوات الفدائيين، ويحنو عليها ويوزع الامل ويهديهم الفرح، ثابت كالجبل يستر خطواتهم اذا عبروا، يشرب من دمائهم اذا مكثوا، يسقي الفائض للريح ويرشق الباقي في وجه نافخ الكير، ياهذا؛ ليس اخو علم كالديوث، ياهذا، لا مكان للاوباش في هكذا بيوت، ياهذا، اتعلم من انا؟
اتعلم من انا؟
انا الهشير في وجه نافخ الكير.

عدت من ضفاف النهر ومن حقول الهشير الى معركة السؤال واكملت من حيث كنت قد بدات وقلت: بان سقراط معروف للجميع، عاد نافخ الكير وقال مستهجنا، وكيف ذلك؟ قلت: ان اخوات سقراط هن الوحيدات الغريبات القاطنات في المخيم، وهن مشهورات بأن جميع الساقطون خلقيا ووطنيا يلحقون فيهن طمعا بلعق غبار احذيتهن عند ولوجهن للسوق بغية التحرش بهن. استشاط غضبا وقال لا ليس هذا هو المقصود، قلت: اذن هو لاعب كرة القدم البرازيلي المشهور، فقال: ولا هذا ايضا، قلت: لم يتبقى إلا واحد، وأخالك انت لم تسمع به، فقال من هو؟ قلت: الفيلسوف المشهور، فقال: نعم، هذا ما اردت الذهاب اليه، فقلت له وكان قد وقع بالفخ: انت لا تعرف من سقراط الفيلسوف غير الاسم، أَنكرَ عليّ ذلك، وحاول تغيير مجرى الحديث تارة والسيطرة على الجلسة تارة اخرى بحجة انه اكبر رتبة تنظيمية، حينها عاجلته بقولي:" لا فرق لعربي على اعجمي إلا بالتقوى"، "والمرء باصغريه قلبه ولسانه"، وانت لا تمتلك اي حق بالتقدم علينا ولو سنتميتر واحد. فنحن لم نتعرف عليك اثناء عبورك النهر وامثالك لا يعرفهم الهشير امثالك كنافخ الكير لا تعرفهم إلا المواخير، ياهذا، انت لا تعرف من حملة البنادق إلا الشبيحة والسرسرية والبلطجية، ياهذا؛ يديك نتلمس نعومتها منذ الاجداد، لم يخدش نعومتها إلا بضع من تجاعيد سببها احترافك الاستمناء.
وليس هذا وحسب؛ فلم تقف عند مستوى اهتمامك فيما بين رجليك، بل تعديت اختصاصاتك المحصورة دوما بالخصيتين، ونطقت كفرا وعهرا حين اضفت بأنها حديث شريف.

صُدم الجميع من حدة الاجابة واستشاط نافخ الكير "ابو النسوان" وحاول جاهدا ان ينهي الجلسة بإستخدام الصوت المرتفع واحداث الاشتباك إن امكن، اخبرته واخبرت صديقي زياد صاحب البيت أن لا عليك مازال لدينا حديث لم ننهيه بعد، صرخ في وجهي قائلا: ومن انت لتقول ما تقول، قلت: ما زال في جيبي متسع لبعض الاجابات لن تنتهي الجلسة قبل ان تسمعها ولك الخيار في ان تَسمَعها او في ان نُسمِعكَ اياها، إختار السكوت وحسنا فعل كي لا تتطور الامور اذ ان اخوة زياد بدأوا بالولوج الى غرفة الضيوف "البراكية" حيث نجلس يستطلعون الامر ويتحسسون سبب هذا الضجيج الصاخب مما سبب له ولنا الاحراج.

تموضع اخوة زياد يوسف وعلي وابراهيم بيننا لعلهم يتداركون الامر ويسحبون الفتيل ويهدئون صخب الجلسة. لم تتسع البراكية لكل الجموع، تجمهر البعض على الباب وفتح البعض الآخر شباك "البراكية" واخذوا بالتحديق في جموع الجالسين وفي تصفح الصور والملصقات التي تعلو رؤوسنا وتلتصق بجدران البراكية. بادر شقيق زياد الاكبر"علي" ، وكان قادما لتوه من ليبيا، بادر للتهدئة وتطييب الخواطر وأخبرنا بأنه عاد من ليبيا منذ ساعات وان الاهل والاقارب يتوافدون تباعا للسلام عليه، وانه لا حاجة للاختلاف ورفع الصوت ما دام الخلاف في جلسة تنظيمية، واضاف انه قد سمع جزء من حوارنا ونبهنا الى ان جدران البراكية لا تستر سراً، لكنه أسر لنا انه آذانه كانت معنا منذ سمع مناقشتنا لاول ادبية تنظيمية طرحت في الجلسة "لماذا ننتمي الى فتح؟" وان آذانه لم تستطع مغادرة جلستنا منذ سمع حكمة الفيلسوف سقراط "تكلم كي أراك" وازداد تعلقا بجلستنا منذ ان سمع مقولة الفيلسوف ديوجين "لدينا أذنان ولسان واحد لكي نسمع أكثر ونتحدث أقل" واضاف بأنه سعيد جدا لمستوى هذا النقاش رغم حدته وانه كان يتحين الفرصة الملائمة لاقتحام جلستنا وانه وجد ضالته بخلافنا وعلو صوتنا ليجد مبرر وجوده بيننا، واضاف؛ لقد خسرنا وطنا، ولا نريد ان نخسر الاهل والاصدقاء، "فما حك جلدك مثل ظفرك" "ولن يصلح العطار ما افسده الدهر" "وما بحرث الارض الا عجولها" "وان الارض للسواعد الثورية التي تحررها"، وان اول اولويات التحرير تنصب على المعرفة، وليس هناك أولى من قيم المعرفة السامية التي تنتصر للانسان حيث كان وفي اي مكان وجد، لذا دعونا نسموا في حوارنا نحو ما يعزز فينا من معرفة ويثري انتمائنا لقضيتنا كي لا تنحذف البوصلة وينكسر الشراع وتغرق السفينة.

عدت فتصدرت الحديث قائلا: ان سقراط صاحب مقولة تكلم كي اراك هو استاذ الفيلسوف ديوجين، وديوجين هذا صاحب مقولة "لدينا أذنان ولسان واحد لكي نسمع أكثر ونتحدث أقل" التي تسلح بها صاحبنا الذي لا يغادر كتفي بينما انت تسترق السمع، لكنها خدشت اسماع آخرين لأنها لا تناسب ما علق في آذانهم من سفالات.

تدارك علي شقيق زياد الامر مجددا واخذ على عاتقه صدارة الحديث وابدى فهما سريعا لما يجري، فأبدى رغبته بأن نستفيد كلنا من عمق الافكار الفلسفية والحركية المطروحة، مختتما حديثه: بأن هذا لا يتم الا بفهم اصل الفكرة والفلسفة التي انطلق منها سقراط وديوجين بغية الوصول الى الفكرة المنشودة والمعنونة بتحرير الانسان وجلده وصبره على تحدي الهزائم وقدرته على مخالفة كل الطبائع والاخلاق السلبية.
واستجابة لهذا الطرح، اقترحت جموع المتجمهرين على الباب والشباك ان نعرّفهم اولا بسقراط وديوجين كي يستقيم لهم فهم اسباب الخلاف والاختلاف.

تطوع علي شقيق زياد لادارة الجلسة فاتحا المجال أمام من يريد ان يتقدم ليعرفنا بسقراط وديوجين.
خيم الصمت وتزاورت العيون بحثا عن مجيب لهذه الدعوة. تركتُ العيون الحائرة تزور بعضها طمعا في احراجها واحراج "ابو النسوان" واقتنصت لحظة تسليم الجميع بعدم معرفتهم بسقراط وديوجين وهممت للحديث في نفس الوقت الذي تطوع مدير الجلسة ايضا لهذه الغاية، واخذنا بالتسابق والتصارخ انا واياه ومن خلفنا المريدون، فكان ان فُضَ الخلاف على تقسيم الموضوع بأن اتحدث انا اولا عن ديوجين ويتبعني هو بالحديث عن سقراط. وهذا ما كان.

في عهد الإمبراطور "الإسكندر المقدوني" كان للفيلسوف المتسكع "ديوجين" صولات وجولات تضحك أهل أثينا؛ ومن امثلتها: أنه اشعل مصباحاً في عز النهار وجال يطوف المدينة بالطول والعرض يتطلع إلى الوجوه وكأنه في الظلام، وكان الناس يسألونه وهم يضحكون: "عمن تبحث يا ديوجين؟" وكان يجيب: "أبحث عن إنسان".

كان ديوجين يحارب الاستعباد في أثينا حيث كان يصرخ يوميا: من يشتري له سيّدا؟ ويعود اصل هذا القصة إلى أنه كان مسافراً ذات مرة فأمسك به قطاع الطرق وساقوه إلى سوق النخاسة لبيعه كعبد.. وعندما سألوه: ماذا بإمكانك أن تفعل؟؟ قال: أحكم الرجال.. بيعوني لمن يريد سيداً له.

ديوجين المولود بمدينة سينوب التركية والمرتحل الى اثينا الاغريقية، كان يتدحرج داخل برميله على الرمل الحار صيفا و يقبـّل التماثيل الرخامية الباردة شتاء كي يدفع بجسده إلى أقصى التجارب. رآه أحدهم يمد يده لتمثال يستعطفه بعض الدراهم فسأله: كيف تطلب تمثالا لن يعطيك شيئا؟ فرد: كي أروض نفسي على تقبل الهزائم.

حث الناس على ملاحظة سلوكاتهم اليومية وعلى الابتعاد عن كل أشكال العبودية للحاكم و المجتمع و للرغبات و محاولة تهذيب و محاورة ما يتبقى كجوهرة داخل الانسان: الروح.

ذات مرة رآه أفلاطون يغسل الخس( كان يفعل ذلك للحصول على لقمة عيشه) فقال له أفلاطون: لو توددت للحاكم لما اضطررت لهذا العمل. أجابه ديوجين: لو غسلت أنت الخس لما اضطررت لتملق الحاكم. جسد ديوجين قناعاته وحكمته وفلسفته بالحياة؛ حيث عاش حياة الزهد و التقشف، قال وفعل الكثير.

سمع الامبراطور الاسكندر المقدوني عن نوادره الكثير، ولكنه لم يكن يتقبلها بنفس تقبل المواطن البسيط، فالإسكندر درس الفلسفة عند "أرسطو" واضع كتاب: "فن الشعر" الذي أرسى قواعد المسرح، لهذا السبب قرر الذهاب إليه من دون إعلام مسبق .

وكان من المعروف أن هذا الفيلسوف ينام داخل جرة (برميل خشبي) في العراء _وهي مسكنه وكل ما يملك_ لايمانه بأن حريته أكبر من أن تبقى حبيسة البيوت والأسوار. وكان يعيش شبه متسول، طبعاً كل هذه المعلومات لا ترضي راعي الفلاسفة وعاشق المعرفة" الاسكندر".
اتجه الإسكندر نحو المسكن العجيب، وكان ديوجين في ذلك اليوم يقوم بإصلاح بعض الكسور التي لحقت بالجرة(البرميل الخشبي) .

الإسكندر كان على حصانه ومطوقاً بحاشيته، ورغم الصخب والجلبة التي احدثها الاسكندر وحاشيته، إلا ان كل ذلك الصخب والجلبة لم يحرك في الفيلسوف ساكناً، وواصل اشتغاله على الجرة وكأن لا أحدٌ في المكان. كان لابد للإسكندر أن يبدأ الكلام فقال: "أنا الإمبراطور صاحب الفتوحات والغزوات وباني الإسكندرية إلخ . ." وأجاب الفيلسوف باختصار شديد: "وأنا الكلب ديوجين".

وسبب هذه الاجابة أن ديوجين ينتمي إلى الكلبية؛ و هي تيار فلسفي يطلب من الانسان أن يعيش كالكلب؛ متمردا ثائرا هائما في الفيافي سارحا في البراري، لا يأبه لبيت او شتاء او صيف، يعتمدا على انيابه وشراسته في تأمين حدوده والحفاظ على حياته وتوفير قوت يومه، كل ذلك التصور كي يحقق انسانيته على طريقته وعلى نهجه الذي نذر حياته له"ابحث عن إنسان".
(والكلبيون يمثلون نزعة أسسها الفيلسوف "انتستين" وهو أحد تلاميذ سقراط وكان ديوجين من مريديه). والكلبيون يرون أن حياة الكلب هي المثل الأعلى! التسوّل والزحف.. الكلبية هي الكمال.. لا أكل جاهز، لا ثروة، لا زواج بنية تأسيس أسرة.. الكلب سعيد وراض بحاله جداً في ظل هذه الظروف، لذلك يجب أن يتبع الانسان هذه الخطوات ليصل إلى السمو!
وهذه المدرسة أشبه بالمتصوفة. حيث يستند هذا المذهب إلى التوكيد على السمو الكلي لنظام ونسق الطبيعة على جميع العناصر الاخرى.

أحس الإمبراطور بالحرج من برودة الاستقبال فقال: "ألا تخشاني؟" هنا التفت الفيلسوف نصف التفاتة سائلاً: "أنت طيب أم شرير؟" وأسرع في الإجابة: "أنا طيب". فأردف: "ومن ذا الذي يخشى الطيبين؟" .

هذا القول أجبر الإسكندر وحاشيته على النزول من صهوات خيولهم والالتفاف حوله بقصد استدراجه ليفصح عن فلسفته في الحياة، وعبر بيوجين عن كراهيته للمال، كما عبر عن قرفه من السائد والمتفق عليه، وكل الممارسات التي تسجن الإنسان داخل الأجهزة والبوتقات المبلدة للحس الإنساني وتحفظه إزاء القوانين الزئبقية، الإمبراطور استمع بانتباه شديد إلى مطارحات الرجل .

سأله الاسكندر المقدوني: هل تعيش في هذا البرميل فقط لكي تلفت انتباه الناس وإعجابهم بك؟؟؟
قال ديوجين: وهل فعلاً تريد أنت فتح بلاد فارس وتوحيد كل بلاد الإغريق.. أم تفعل ذلك فقط لتنال الإعجاب؟
ابتسم الاسكندر وقال: هذا برميل مليء بالحكمة..
فقال ديوجين: أتمنى لو كان لدي بدل هذا البرميل المليء بالحكمة.. نقطة واحدة من الحظ الجيد..
للحكمة طعم مر.. وأحياناً تودي بك إلى الهلاك.. بينما الحظ يفتح لك أبواباً ويحقق لك سعادة ما كنت تحلم بها
أعجب الإسكندر.. الذي يعرف جيداً معنى الحظ.. بكلام ديوجين، ثم أخبره أن يطلب منه ما يشاء ليلبيه له..
فأجابه ديوجين بهدوء : أريد منك شيئاً واحداً...
إنك الآن تقف أمامي وتحجب عني أشعة الشمس..
لذا لا تحرمني من الشيء الوحيد الذي لا تستطيع منحي إياه...
ايها الامبراطور تنح قليلا؛ انك تحجب الشمس عني!!
حينها قال الإسكندر: لو لم أكن الإسكندر الملك العظيم لتمنيت ان أكون ديوجين…
كما يقال أنهما ماتا في نفس اليوم.. ديوجين عن عمر يناهز التسعين والاسكندر عن عمر لا يتجاوز الثلاثة والثلاثين.

ذلك هو ديوجين؛ الإنسان المتعطش لمعرفة الإنسان الآخر وما تنطوي عليه ذاته من غموض ولبس محير حتى يقف على جزء من حقيقته، فالمناضل المثقف لا ينام إلا إذا حل لغزاً أرقه. وكذلك القائد المظفر؛ لا ينهى عن خلق ويأتي بمثله. وفي كل ذلك يتجسد دور القديس؛ الذي تقتضي منه المروءة أن يجعل من جسده جسرا ليعبر من فوقه المناضلون.


÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷

*الهشير: نوع من الاعشاب ينبت في غور نهر الاردن بمحاذاة النهر وكان يشكل سترا للفدائيين عند عبورهم للنهر، بينما كان الاحتلال واعوانه يقومون بتمشيط ضفاف النهر منه بواسطة الحرائق وبمساعدة نافخ الكير.







اخر الافلام

.. اليمن.. أمنستي تتهم التحالف والحوثيين بتعريض حياة 100 ألف طف


.. أمهات يبحثن عن أبنائهن الذين انتزعن منهن في ألمانيا الشرقية


.. سواقي مدينة مراكش المغربية.. إرث معماري بحاجة ماسة للترميم




.. فرنسا.. منع سيارات الديزل المصنعة بين 2001 و2006 بداية من 20


.. إيطاليا.. المجتمع في صقلية يكافح لإنهاء المافيا