الحوار المتمدن - موبايل



مندوبة ماكرون في الفرانكفونية -مقيمة عامة- على المغرب العربي.. وحملة جديدة لفرنسة المنطقة

نبيل بكاني

2018 / 2 / 7
مواضيع وابحاث سياسية



ليلى السليماني الكاتبة الفرنسية ذات الأصول المغربية، الحائزة على جائزة "غونكور" للأدب المكتوب بالفرنسية، داست على أعراف وتقاليد الدبلوماسية الدولية، أثناء زيارتها لتونس ضمن المرافقين الرسميين للرئيس الفرنسي، وهي تمنح نفسها حق التدخل في الاختيار الوطني والشعبي لأقطار إقليم المغرب العربي المتمثل في مشروع تعريب الإدارة والمدرسة والجامعة في إطار دمقرطة التعليم وتسهيل عملية التعلم لدى ملايين الشباب المغاربي والحد من هيمنة هذه اللغة الأجنبية التي تجاوزت كل الحدود المعقولة في هذه الأقطار، وهو خيار فرضته المطالب المتزايدة للنخبة المثقفة الوطنية وللهيئات المدنية وفئات عريضة من المغاربيين المتطلعين للكرامة والديمقراطية..

السليماني التي حضرت إلى تونس بصفتها مندوبة ماكرون للفرانكفونية، وبجرأة لا تخلو من استفزاز واستعلاء وجهت اهانة إلى بلدان المغرب العربي في سابقة من نوعها إذ منحت نفسها حق إعطاء نصائح ودروس للمسئولين المغاربيين في ما يشبه التأنيب المبطن لانخراطهم في سياسة التعريب، داعية إياهم – بنفس اللغة المبطنة – إلى تعزيز هيمنة لغة فرنسا على جميع مناحي الحياة في أقطارهم وإلى الارتهان أكثر إلى الفرنسية، وهو ما يُستشف منه، أنه هجوم بلغة دبلوماسية لدبلوماسية غير محنكة، على سياسة التعريب التي تسير بخطى واثبة لاستعادة اللغة العربية وضعها الطبيعي كما هو حال جميع اللغات الأم في البلدان الديمقراطية، في إطار سياسة فرضتها حركة الأصوات المدافعة عن اللغة العربية، والمسنودة من الكوادر الثقافية الوطنية وخبراء اللسانيات، ومن نشطاء الجيل الشاب الذي ضجر من اللغة الفرنسية المتهالكة، وقد أضحى أكثر تطلعا إلى اللغات الأكثر رواجا على صعيد العالم، أمام ثورة التواصل التي نعيشها، وتضاؤل رقعة اللغة الفرنسية بفعل خفوت بريقها خاصة لدى الأجيال الحالية والصاعدة والتي نشأت في عهد الثورة التكنولوجية والتواصلية التي تعطي الأولوية للغة الانكليزية.. كما أن موجة الوعي الجديدة فتحت عيون أبناء المنطقة المغاربية بعد حراك 2011 على مطالب الكرامة والعدالة الاجتماعية والتحرر من كافة أشكال الهيمنة وأبرزها القيود اللغوية.

السليماني تناست أن سياسة التعريب، تمثل توجها شعبيا ووطنيا، وهي محل إجماع من القاعدة إلى أعلى سلطة في البلاد، وأنه خيار نخبة واعية بقيمة وضرورة التحرر من هيمنة اللغة الفرنسية والخروج من شرنقتها الضيقة كسبيل وحيد لانفتاح حقيقي على اللغات العالمية.. وكان الأَولى لمندوبة الفرانكفونية أن تحتفظ بنصائحها ودروسها لنفسها، أو أن توجهها للمسئولين الفرنسيين في بلادها، الذين هم أكثر الناس حرصا على الحفاظ على التوازن اللغوي داخل فرنسا أمام غزو اللغة الانكليزية المهدد للغة الفرنسية، وذلك ما نلمسه في حرصهم الشديد على التقيد بأعراف السياسة والإدارة الفرنسيتين التي تحرم على مسئوليها استخدام أي لغة أجنبية عند الإدلاء بتصريحات أو الحديث لوسائل الإعلام؛ وبدل تعمد السليماني إقحام أنف فرنسا في اختيارات الشعب المغربي الملتف حول عروبته باختلاف مكوناته، وهي تستهجن سياسة التعريب، كان الأجدر أن تنصح زملاءها من مسئولي بلادها بفسح المجال للغة الانكليزية أو لنظيرتها الصينية التي تُعدُّ من أسرع لغات العالم انتشارا في المعمورة والتي ينتظرها مستقبل واعد، في وقت يهدد تراجع رقعة الفرانكفونية اللغة الفرنسية؛ مادام التطور والانفتاح على العالم، وفق رؤية السليماني، يستدعي تعظيم اللغة الأجنبية على حساب نظيرتها الوطنية (المحلية)، وفسح المجال لإحدى هاتين اللغتين لتحلا محل لغة الشعب الفرنسي داخل مؤسساته الوطنية، أم أن موضوع تحصين اللغة الفرنسية داخل فرنسا، مسألة مرتبطة بالسيادة والاستقلال والكرامة، بينما تمتيع هذه اللغة الأجنبية في بلاد المغرب العربي الكبير بوضع شاذ لا تستحقه، هو مسألة عادية بالنسبة للمسئول الفرنسي..

نتساءل كيف لممثلة رسمية لدولة متحضرة أن تسمح لنفسها الحديث بهذه العنجهية وتجاوز الأعراف والأخلاقيات المتداولة في مثل هذا الوضع، لتمنح نفسها، وبالتالي الدولة الفرنسية، حق الجلوس على كرسي المرشد والموجه لتشرح لمسئولينا اللغة التي يجب على المغاربة تعلمها وما يناسب مدارسهم ومناهجهم التعليمية من لغات..

مؤكد أن السليماني لا تمثل سوى نفسها والسياسة الفرنسية الخارجية الاستعلائية والمتعجرفة الموجهة لبلدان، تأبى أن تستوعب أنها اليوم، على الأقل الأقطار المغاربية، أنها مناطق تتمتع باستقلالها وسيادتها وتدير شئونها بنفسها، وهي أكيد في حاجة إلى استثمارات أجنبية كما في حاجة إلى خبرات من البلدان المصنعة، لكنها في مقابل ذلك تبقى في غنى عمن يأتي إليها بقصد إعطائها دروسا لغوية وتوجيهات عن اللغة الأنسب لمؤسساتها واللغة الأفضل لمواطنيها من بين لغات العالم، وما إن كان اختيارها تعريب مؤسساتها وخدماتها العامة أمرا صائبا أو أنها في حاجة إلى العودة خطوات إلى الوراء حتى تستعيد لغة المستعمر القديم الوضع الذي كانت عليه إبان الحماية، ولما لا ترسيمها دستوريا وفرضها على جلسات البرلمان..

كما نتساءل أيضا، ماذا لو كان الأمر، مثلا، يتعلق بلقاء المسئولة الفرنسية بمسئولين من بلدان متقدمة ممن تجمع حكومة بلادها علاقات شراكة مع حكومات بلدانهم، وهل كانت لتجرؤ على دعوتهم إلى اعتماد لغة بلادها بديلا للغات بلدانهم وشعوبهم.. أكيد لا، ولكن بما أن العقلية الرجعية التي يزال يرتهن إليها الحيّز الموجه إلى مستعمراتها السابقة في السياسة الخارجية لفرنسا، رغم مرور عقود كثيرة على ذلك الاستعمار، لازالت تُحلُّ ما حُرّم من كلام في الدبلوماسية الدولية، وتبيح التهجم على الاختيارات الوطنية والشعبية التي لا رجعة فيها، وعلى أهم أساسات التحرر والاستقلال والسيادة وهو اللغة الأم، ويجد ذلك ما يشجعه في التمادي، أن بعض مسئولينا، نحن أقطار المغرب العربي الكبير، لا يُضيرهم في شيء تلقي النصائح عندما تأتي في إطار ضرورة إعلاء شأن اللغة الفرنسية في بلدانهم التي لا يتقنها قراءة وكتابة، سوى جزء قليل من المواطنين خاصة في أوساط الأجيال الحديثة، وهذا ما اعترفت به ليلى السليماني بلسانها عندما تحدثت في تونس عن سعي حكومة بلادها إلى معالجة التراجع الكبير الذي تشهده لغتها في المنطقة، والتي لا يستحي عدد ليس بقليل من مسئوليها وهم يخاطبون مواطنيهم بها، على الرغم من عدم وجود أي ذكر لها في دساتير المنطقة.

ربما الكاتبة الحائزة على جائزة في الأدب، وهي ترافق رئيس بلدها إلى تونس، وقد حظيت بحفاوة الاستقبال الذي هو من الشيّم المتأصلة في الشخصية التونسية، وهو تشريف لم تحظى به من قبل، ربما جعلها ذلك في لحظة سذاجة، تحسب نفسها قد عُيّنت "مقيمة عامة" على بلاد المغرب العربي الكبير، وهو المنصب الذي كان يعادل منصب رئيس دولة خلال الاستعمار، والذي كان يجسد سيادة الإمبراطورية الفرنسية في تلك الأراضي الخاضعة لنفوذها الاستعماري..

التعريب بشتى أبعاده وباختلاف المجالات المعنية به في أوطاننا المغاربية، العربية اللغة والثقافة، والشرقية الانتماء والحضارة، هو معركتنا العادلة التي نخوضها بشرفنا وبقلوبنا وبعقولنا من أجل تحقيق الكرامة لشعوبنا وتحرر بلداننا من الهيمنة اللغوية، ومن أجل فسح المجال لانفتاح أكبر، وأوسع أفقا، ومن أجل الحفاظ على الرابط الأهم بين مغرب البلاد العربية ومشرقها وبقضاياها العادلة، وعلى رأسها قضيتنا الفلسطينية باعتبارها قضية تصفية استعمار وقضية تحرر من أخر كيان امبريالي في العالم..







اخر الافلام

.. لحظة انزلاق طائرة صينية على المدرج أثناء هبوطها في الفلبين


.. بالفيديو.. قبعة مصنوعة من بقايا حيوان -لا يخطر على بال- تعرض


.. بريطاني يلقن لصين درسا قاسيا لا ينسى




.. شاب يطعن طبيباً حتى الموت في ألمانيا والأسباب مجهولة


.. عدد قتلى فيضانات كيرالا الهندية يرتفع إلى أكثر من 250 وعمليا