الحوار المتمدن - موبايل



دائما محاولة لتشخيص اسباب انعدام بروز وعي / اجتماعي / طبقي جماهيري شعبي --- القبيلة -- ( 5 )

سعيد الوجاني

2018 / 2 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


دائما محاولة لتشخيص انعدام بروز وعي / اجتماعي / طبقي الجماهيري شعبي
--- القبيلة ---
( 5 )
بالرجوع إلى التاريخ ، نكاد نجزم مائة بالمائة ، أنّ المغرب هو القبيلة ، والقبيلة هي المغرب ، مثل العشائر في دول الشرق الأوسط ، رغم وجود بعض الاختلاف بين العشيرة وبين القبيلة .
القبيلة هي الحضن الدافئ لأبنائها والمدافع عنهم ، كما يمكن لقبيلة أن تدخل في نزاع ، قد يتحول دمويا عندما يعتدي احد إفراد قبيلة أخرى على ابن تلك القبيلة . فالقبيلة هي الإطار الذي يجمع أبناءها ، ضمن قيادة تتكون من الأعيان المحليين ، يجمعون على تعيين رئيس لها ، بحكم الوقار ، او الوعظ او الثروة ، او العائلة .
القبيلة ككيان ، تحرص على تقاليدها وتمايزاتها ، وتحرص على الحفاظ على نسلها البيولوجي ، حيث ان العديد من القبائل ، تحرص على تزويج بناتها وأبناءها من القبيلة لا من خارجها ، لأن في هذا الرباط المحلي ، هو وحده يكون ضمان استمرار النسل ، لضمان استمرار القبيلة .
بطبيعة الحال ، ومع التحولات الطارئة ، بسبب الانتقال من القبيلة الى المدينة ، او الانتقال الى قبيلة أخرى للعمل ، بدأ تكسير هذا الرابط الشوفيني ، من خلال التزاوج من زوج او زوجة لا تنتمي الى نفس القبيلة ، بل قد يكون الارتباط مع زوج او زوجة من قبيلة منافسة او معادية .
وبالرجوع الى التاريخ المغربي ، سنجده قبائليا بامتياز . فجل الثورات ، ولا أقول الهبّات ، او الحِراكات كانت قبائلية . ان ثورة القبائل بالجبال ، والهضاب ، والسهول في البلاد الثائرة التي كانون يطلقون عليها " بلاد السّيبة " ، ضد الحكم المركزي ،وضد الاستعمار بشقيه الفرنسي والاسباني ، لم تقم بها أحزاب ، او منظمات ، او قبائل ، بل قامت بها القبائل الثائرة ، التي رفضت في العديد من المرات ، أداء الضرائب الظالمة للدولة . لذا لا نستغرب حين نجد تحالف الحكم مع الاستعمار في القضاء على هذه الثورات التي كانت مطالبها جمهورية .
النظام عندما اعتمد على القبائل لمّا استرد الصحراء في سنة 1975 ، اعتمد على مساندة القبائل الصحراوية ، المعروفة بالالتزام و التعهد بما عاهدت به ، لكن النظام حين استبدل القبيلة بالأشخاص ، وهؤلاء معروفون أنهم سريعي الانتقال من جهة الى أخرى ، بسبب المصلحة الشخصية المتعارضة مع شرف القبيلة ، ومعروفون بسرعة تغيير لون البذلة ، خسر ملف الصحراء ، لان القبائل التي ساندت الوحدة ، لمّا وجدت ان من ناصرته بالعهد قد ابتعد عنها ، انقلبت بدورها من جهة مناصرة الى جهة معارضة ، وانقلبت من قبائل وحدوية ، الى قبائل تتمسك بالاستفتاء وتقرير المصير.
لذا فان التماسك القبلي خاصة الشوفيني ، يحافظ على ثقافة القبيلة الضيقة ، ويشكل عائقا أمام بروز وتبلور اي فكر جنيني ، او عي اجتماعي / طبقي ، كتناقض مع وعي الطبقة المُستغَلة والمسيطرة .
فمن خلال هذه الحقيقية / الأرضية ، سنجد ان الانتماء الى القبيلة ، او التباهي بالانتماء الى إقليم ، يشكل عائقا أساسيا تمام أيّ وعي تناقضي لصالح الفئات المهمشة ، والمضطهدة ، والمستغَلة ، وبالمقابل نجد انه يغلب التضامن القبلي او الإقليمي ، على أشكال التضامن الاجتماعي / الطبقي ، بل انه يضربه في الصميم ، مما يحافظ على الأوضاع التقليدية بشكلها الجامد .
وبما ان النمط القبلي المرتبط بالتاريخ وبالجذور ، يلعب لبعته في تغليب الصراع القبلي ( من اجل الماء ، الرعي ، الغابة ، الأرض ... ) على الصراع الاجتماعي / الطبقي ، فليس من الغريب في شيء ان تعمل الطبقات / الفئات الاجتماعية المستفيدة من " التضامن " القبلي والإقليمي على تغذيته ، وتسعير النعرة القبلية والإقليمية ، وبإخفاء علاقات الاستغلال ، والتمايزات ، والفوارق الاجتماعية ، بين مستغَلي ومستغِلي نفس الإقليم ونفس القبيلة ، تحت سيل من الأضاليل الإيديولوجية ، يُعتّم الوعي الاجتماعي / الطبقي لدا الطبقات المستغَلة ، ويستهدف تفتيت تضامنها الطبقي باسم الإقليم والقبيلة . ان هذه العلاقات الإقليمية القبلية ، والتي تكتسي أحيانا طابع العلاقات الزّبونية ، تمتد لكل المجالات الاجتماعية ، وتتمتع بقوة خاصة في الإدارات العمومية ( مثلا احرضان ، امحزون ، امهروق ولد الرشيد قيوح ـ بوفتاس ، اخنوش ، آل الفاسي .... ) التي أصبح بعضها حكرا على بعض المدن او يكاد .
ان الولاء القبلي ، ليس اقل خطرا على بروز الوعي الطبقي / الاجتماعي من الإقليمي ، إذ يشكل الإحساس بالانتماء للقبيلة ، عاملا هاما في إعاقة تبلور الوعي الطبقي / الاجتماعي . فإذا كانت القبيلة والقبلية لازالتا تلعبان أدورا بارزة على مستوى العلاقات الاجتماعية ، بالرغم من تلاشي الأساس المادي / الاقتصادي للقبيلة كبنية اجتماعية أساسية في المجتمع المغربي ، فان الإحساس بالانتماء الى القبيلة لا زال قويا ( سيما في المناطق القروية ) ، إلى حد انه يدفع الى تغليب التضامن القبلي على التضامن الطبقي / الاجتماعي ، وبذلك يستطيع الإقطاعي او الوجيه القبلي ، تجنيد بني عشيرته وقبيلته ، باسم الإخوة القبلية ، في صراعاته ضد العناصر الغريبة عن القبيلة ، وتهُبّ العناصر القبلية ، والمستغَلة منها على وجه الخصوص ، الى نصرة ابن القبيلة ، ضدا على مصالح الفئات ، او الطبقات الاجتماعية التي ينتمون إليها ، والتي ترتبط مصالحهم بها .
ان مثال الجماهير الشعبية التي تصوت لفائدة مرشح رجعي ( الحركة ، الاستقلال ، الاصالة والمعاصرة ، او البيجيدي .. ) وتحارب المرشح التقدمي في الانتخابات ، لأن الأول ابن القبيلة والثاني غريب ودخيل ، خير شاهد على ان الوعي الطبقي / الاجتماعي يطمسه الولاء القبلي والوعي القبلي .
وعلى هذا الصعيد كذلك ، فان سياسة الطبقة السائدة تساهم ، كلما دعت الضرورة السياسية الى ذلك ، في الحفاظ على العقلية / الروح القبلية ، وتوظفها وفق ما يخدم مصالحها ( الانتخابات مثلا ) ويعوق بروز وعي الطبقات المسودة .
ان استمرار البنيات والعلاقات الاجتماعية ألْما – قبل طبقية ، او ألْما – قبل رأسمالية ، التي تعوق مسلسل تبلور الطبقات الاجتماعية ، لكونها تخفي التمايزات / الاستغلال الاجتماعي ، تعمل كذلك على كبح الوعي الطبقي / الاجتماعي لدا الطبقات والفئات المستغَلة . ولئن كان غرس الرأسمالية في مجتمعنا من طرف الاستعمار الاسباني / الفرنسي قد أدى ، من بين ما أدى أليه ، إلى تفكيك النبات الاجتماعية – الاقتصادية ألْما – قبل الرأسمالية ، وأصابها في قلبها عندما نسف أساس وجودها المادي / الاقتصادي ( الملكية الجماعية للأراضي الزراعية والمراعي ، بواسطة نزع الملكية ، وسياسة الاستعمار الفلاحي ، وتطبيق القوانين الجديدة ... وإفلاس جزء هام من الصناعة التقليدية نتيجة غزو السوق بالبضائع الأجنبية ، وإغلاق الأسواق التقليدية .. ) ، فان عدم قدرة الرأسمالية التبعية المحيطية على استيعاب الجموع البشرية التي شُرّدت بأساليب شتى ، وعدم دمج هذه الجموع في مسلسل الإنتاج الرأسمالي ، وبالأحرى اندماجها في البنيات الاجتماعية – الاقتصادية الرأسمالية ، كلها عوامل ساهمت في الإبقاء ، على دور وفعالية البنيات والهياكل الاجتماعية ألْما – قبل رأسمالية ، التي شكّلت ملاذ المُشرّدين والمُهمّشين ، الذين حُرِموا من كل وسائل الإنتاج والعيش والحياة الكريمة .
وهذه البنيات والهياكل الاجتماعية التي كانت ، بالرغم من تصدُّعها ، تكفل نوعا من التضامن على أساس القرابة وعلاقات الدم ، او على أساس الانتماء القبلي او حتى الإقليمي ، هي سلاح ذا حدين . ذلك أنها كانت تضمن من جهة ، حد أدنى من وسائل العيش للفئات الدنيا المسودة التي تدور في فلكها ، والتي تعطي لهذه البنيات قوتها الاجتماعية / السياسية . ومن جهة ثانية تؤدي الى ضمان استمرارية وإعادة إنتاج نفس العلاقات الاجتماعية التبعية / الزبونية ( تبعية الفئات الدنيا للفئات والشرائح العليا في إطار القبيلة او العشيرة او العائلة ... الخ ) .
هكذا تحول هذه البنيات والعلاقات الاجتماعية التي تفرزها ، دون بروز وعي الطبقات / الفئات المسودة بمعالمها الحقيقية ، بل ان الفئات / الطبقات المسودة تتشبث بهذه الهياكل الماضوية العتيقة ، بدل العمل على مناهضتها وهدمها ، باعتبارها " تضامنية " وغير فردانية ... الخ . ويبقى المستفيد الأساسي من استمرار هذه الهياكل والبنيات هي الطبقات / الفئات السائدة التي تجند المستغلين في إطار هذه الهياكل لتحقيق أهدافها الخاصة .
ان العلاقات التبعية والولاء الشخصي التي لها جذور عميقة في المجتمع المغربي ، لارتباطها بأنماط الإنتاج الإقطاعية ، والشبة إقطاعية ( الخمّاسة ، الرّباعة ، العزّابة .... الخ ) ، لازالت تلعب دورا لا يُسْتهان به ، على صعيد تعتيم وعي الطبقات / الفئات المستغَلة . وليس من الغريب في شيء ان تسعى الطبقات / الفئات السائدة ، الى تشخيص علاقتها بالمستغَلين ، وطبعها بصبغة الولاء والتبعية الشخصية ، المغلفة بالبتريركية الأبوية تارة ، والإخوة تارة أخرى . إنها نوع جديد من العلاقات القديمة بين " الوالي والمولى " او " السيد والقن العبد " .
ولئن كان السيد " العصري " يدعي " حماية " المدينين له بالولاء ويشملهم " برعايته الكريمة " ، فان هذه " الحماية " التي تختلف أشكالها ( التدخل لدا السلطات ، لدا القرض الفلاحي ، إيجاد عمل ، تقديم مساعدات استشفائية .... الخ ) لا تكلف السيد إلاّ توظيف نفوذه الاجتماعي / السياسي ، الذي يستمده من شبكة زبائنه ، ومواليه ، ومن سلطته الاقتصادية ، ومكانته الاعتبارية ... الخ ، في حين انه يجني من هذه " الحماية " ، فوائد لا تحصى ، تتراوح بين تجند مواليه لنصرته في معاركه ، والهدايا التي يدفعونها له لترضيته ، او مطالبته للتدخل لصالحهم .
وإذا كان التمايز / الاستغلال الطبقي / الفئوي / الاجتماعي يطبع مختلف مجالات وبنيات المجتمع المغربي ، سواء منها " العصرية " او " التقليدية ، فان آليات طمس هذا الواقع ، تملك من القوة والفعالية ما يجعلها قادرة ، وبالخصوص في المجال القروي ، على إخفاء التمايز / الاستغلال ، تحت ركام سميك من الممارسات البتريركية / الأبوية والتضامنية / الاستغلالية / الزبونية المدعمة بخطاب إيديولوجي عشائري / طوطمي / قروسطوي / قبلي / عبودي ، ذي مسحة لاهوتية – دينية ، يروم ( وينجح ) في تمويه العلاقات الاجتماعية الاستغلالية / العبودية .
والواقع هو ان الطبقات السائدة ، وجزءا هاما من الطبقات المسودة ، تعمل ومن منطلقات مختلفة ، وبشكل واعي ، وبهدف واضح بالنسبة للطبقات الأولى ، واستنادا الى " وعي خاطئ " ، وبالنظر الى الجانب " التضامني " ( الذي تركز عليه الطبقات السائدة في دعاويها ) بالنسبة للطبقات الثانية ، على الإبقاء على البنيات والعلاقات الاجتماعية " التقليدية " / العبودية ( ونرى الفئات / الطبقات المسودة تتحسر على تفكك هذه البنيات وتحاول جادة إرجاع عجلة التاريخ الى الوراء ، ما دام " العصر الذهبي " هو الماضي ، حيث كانت تلك البنيات سائدة . ) . وفي الوقت الذي تستفيد فيه الطبقات السائدة من هذه العملية ، تؤدي هذه الأخيرة الى " ذوبان " الوعي الطبقي / الاجتماعي للطبقات المسودة التي تبقى حبيسة الايدولوجيا السائدة ، وتتحول الى مدافع عن أوضاع اجتماعية ، تديم دونيتها ، واستغلالها ، وعبوديتها ، وتضمن سيادة الطبقات المستغِلة .
وإذا كان وهْمُ استفادة بعض الفئات المستغَلة من هذه البنيات والعلاقات الاجتماعية / العبودية / الاستغلالية ، ( بل واستفادة بعضها بشكل ثانوي وتافه بالمقارنة مع الفوائد التي تجنيها الطبقات السائدة ) ، من العوامل الهامة في ميكانيزمات طمس وإخفاء التمايز / الاستغلال الطبقي / العبودية ، فإن هذه الميكانيزمات تكتسي أشكالا عدة ، وتوظف عوامل مختلفة ، فضلا عن كونها تتأقلم مع مختلف الأوضاع .
ولابد من التأكيد هنا ان هذا المشكل يجب ان يعالج بمنطق سياسي ، وليس استنادا الى مفاهيم أخلاقية تُغلّب منطق " الإحسان / الصدقة " ، وتُغيّب منطق المصلحة الطبقية / الاجتماعية ، مصلحة الطبقات / الفئات المسودة والمستغَلة في التغيير الجذري للهياكل الاجتماعية السائدة التي تكرس علاقات العبودية .
( يتبببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببع )







اخر الافلام

.. 11 بالمئة من سكان العالم -تحت خط الفقر-


.. شاهد: فتاة تمشي على حبل معلق في منطقة مونمارتر التاريخية…


.. ظاهرة طبيعية فريدة في حضرموت




.. الحصاد- اليمن.. التراث الإنساني في خطر


.. الحصاد- سوريا.. تساؤلات التهجير