الحوار المتمدن - موبايل



أقدارنا الجغرافية: (محاولة بدائية لفهم الاختلافات البشرية!) (الج/5) المعتقدات الدينية والتأثيرات الجغرافية!

خلف الناصر

2018 / 2 / 9
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


(2) المعتقدات الدينية:
لحساسية المسائل الدينية في مجتمعاتنا، فإننا سنختصر القول فيها إلى أدنى حد ممكن.. وعلى الشكل التالي :

بالذهاب إلى جذور المعتقدات الدينية الأصلية للشعوب، وإلى أبعد من الشاخص منها أمام أبصارنا.. فإننا سنجد :
أن الإنسان الأول ومنذ الخليقة وفي أبعد نقطه من التاريخ إلى اليوم، يمكن أن نجده بدون عقل وبدون لغة وبدون تفكير وبدون مأوى، وحتى بدون ما يستر جسده وعورته أو يحفظ حياته.. ولكن لا يمكننا أن نجده بدون دين أو معتقد ديني وطقس ديني بشكل من الأشكال، مهما كان محتوى هذا المعتقد وبساطته وسذاجته وخرافته .

والمعتقدات الدينية كما هو معروف ابتدأت بسيطة وساذجة، ابتدأت بعبادة (الـــطـــوطــم) وبالانتساب إليه ـ والتي لازالت قائمه لحد الآن عند بعض الشعوب ـ مع غيرها من العبادات البدائية المشابهة، ووصولاً إلى أرقى الأديان الوضعية التي عرفتها البشرية على مدى تاريخها الطويل الغائر في عمق الزمن!.
وقد ترافق (الــــديـــن و الـــســـحر) يداً بيد منذ الخليقة وإلى اليوم، ولا زالت الممارسات السحرية موجودة حتى في العصر الحديث، بعد أن ألبست أثواباً دينيه وأعطيت مبررات دينيه لاستمراريتها في الزمن الحاضر، وتكيفها حسب معتقدات كل دين على حده!!
أن الإنسان البدائي الأول والبشر جميعهم :
في جميع بيئات الأرض وجغرافيتها وقاراتها المختلفة عند بداية الحياة وبدائيتها، كانوا متشابهين إلى حد التطابق في تصوراتهم العقلية ورؤاهم الحياتية، وفي المعتقدات الدينية والممارسات السحرية منها على وجه الخصوص!.
ويمكننا إلى اليوم أن نجد مثل هذا التشابه والتطابق بين السكان البدائيين الأصلين، في جميع قارات العالم ابتداءً بأستراليا ومروراً ببعض أجزاء من آسيا وأفريقيا وانتهاءً بغابات الأمازون في أميركا الجنوبية، وأن هئولاء ـ ورغم بعد المسافات الشاسعة بينهم ـ متشابهون مع بعضهم أكثر من تشابههم مع مواطنيهم الذين يبعدون عنهم أمتاراً قليلة!
*****
إن جدليات تطور الإنسان الأول ابتدأت بتطور مفهوم الدين ووظيفته عنده ـ بأشكال وأنماط مختلفة ـ باختلاف طبيعة بيئاته الجغرافية وتضاريسها الأرضية ومناخاتها الجوية المختلفة..وكان الدين والسحر شقيقان لا ينفصلان، وما زالا شقيقين إلى اليوم في بعض المجتمعات البشرية!.

وعلينا تذكير الأذهان واعداه القول :
بأن الإنسان البدائي الأول في بدأ الحياة الإنسانية وبدائيتها ـ فإن القسم الأول منه ـ والذي كان يعيش في بيئات طبيعية خضراء، وغنية بالمياه والغابات والأنهار والأثمار والرياح والعواصف والمخلوقات الأليفة والمفترسة والسامة........الخ فإنه سيخاف هذا العالم المجهول الذي يعيش وسطه ويراه شاخصاً بكل ألغازه أمام بصره..ففي البداية سيتصور بأن لكل من هذه الظواهر الطبيعية المتكررة أمام ناظريه أرواحاً تسكنها.. فيعتقد بأن :

o لبعض هذه الظواهر الطبيعية أرواحاً شريرة : قد تلحق به أضراراً مدمره فيحاول التقرب إليها: بالتضرع والتوسل والنذور ليتقي شرها!.
o ولبعضها الآخر أرواحاً خيرة : قد تجلب له المنافع والسعادة، فيحاول التقرب إليها أيضاً: بالتضرع والهدايا والنذور، ليستزيد من خيرها ولتحميه وتعاونه على دفع أضرار تلك الأرواح الشريرة عنه!.
وهذه العبادة تسمى بــ (العبادة الأرواحية) أو عباده الأرواح، ولا زالت مستمرة لحد الآن في بعض المجتمعات الإنسانية!.

وفي الحالتين يكون الساحر (الشامان) ـ في هذه العبادة ـ هو الوسيط بين الإنسان وهذه الأرواح بشقيها : الخير..و..الشرير!.
في البداية يكون الساحر (جوالاً) يقدم خدماته لمن يطلبها، لكن بمرور الزمن وبتطور دور الساحر والسحر في المجتمع، يستقر الساحر في (مكان معلوم) والناس هم الذين يأتونه إليه طالبين خدماته..وهكذا يظهر الكهان والكهانة السحرية في المجتمع!.
وفي الحالتين أيضاً تتطور هذه [المعتقدات الأولية في الأرواح] عند الإنسان الأول بسبب الجهل بها والخوف منها، وتتحول إلى عبادة وتقديس لهذه الأرواح، ثم تتطور علاقته بها أكثر فيتصور بأن كل منها ليس روحاً فقط، إنما هي أيضاً (رباً وآلهة) بيدها حياه الإنسان ومصيره مستقبله..فهي لهذا تستحق منه عبادتها وتقديسها، وعليه طاعتها وإتباع تعاليمها ـ التي يعرفها الساحر وحده ـ وكذلك عليه تقديم النذور والهدايا لها باستمرار، كما يقول الساحر لهم!!
وبناءً على معتقداته هذه أصبح الإنسان الأول يؤدي للأرواح، فروض الطاعة وطقوس العبادة والصلاة في أماكن محدده ومعروفة أصبحت عنده..وهكذا ظهر (المعبد) إلى الوجود، وأصبح المكان الوحيد الذي تؤدى فيه العبادات والطقوس والصلوات للأرواح، مختلطة فيها جميعها: الــكــهــانــة الــسـحـــريــة.. بـــ ..الــعــبـادة الــديــنـيــة!.
*****
بين تطور المجتمع وعقل الإنسان علاقات جدلية دائمة :
يرتفع الاثنان معاً بواسطتها إلى طور حضاري أرقى دائماً..ولقد أدت جمله تطورات حضاريه لدى الإنسان الأول، ارتفع بها إلى مرتبه حضاريه أعلى أفضت بدورها إلى : انفصال السحر عن الدين، وانفصال الساحر عن الكاهن، وأن يصبح هناك فرقاً واضحاً بين الكهانة السحرية والإمامة الدينية .
فيستقل كل منهما عن الآخر، وتصبح بينهما حدود واضحة ومعروفة للإنسان الأول..وقد أدي هذا التطور إلى اختفاء عباده (الأرواح) والعبادة الأرواحية برمتها تدريجياً في كثير من المجتمعات الإنسانية، ظهرت إلى الوجود بدلاً عنها أو منها عباده (الآلهات و الأرباب)!! [كتاب:"ابليس" للعقاد..بتصرف وإضافة]

ولهذا ظهرت عند الإنسان الأول (أرباب والهات متعددة) لكل منها عمل محدد منوط بها..فهناك :
إلاه للشجر والاه للمطر وآخر للعواصف ورابع للذكورة وخامس للخصوبة وسادس للرياح وسابع للجبال وثامن للبحار وتاسع للأنهار وإله للزروع.........الخ.. حتى شمل عدد الآلهات عند الإنسان الأول، جميع ظواهر ومظاهر الطبيعة في بيئته الجغرافية المحلية أولاً، ثم أخذ عدد الآلهات يكثر عنده باستمرار، وكلما انفتح إلى أو على العالم الخارجي وخرج عن ومن حدود بيئته الطبيعية المحلية!.
ومع كل تغير في الطبيعة أو إضافة بيئية، يتوسع مفهوم الآلهة ويكثر عددها عنده وتتطور واجباتها، حتى تشمل جميع ما موجود من ظواهر في بيئته المحلية والبيئات الخارجية، التي يعرفها والتي سيتعرف عليها لاحقاً!.
وكلما انفتح أكثر وأكثر لبيئات أبعد من بيئته المحلية، يزيد عدد الآلهات عنده أكثر فأكثر حتى صل في النهاية إلى حدود كونيه واسعة، تستعصي على اختراع آلهات وأرباب جديدة لها .
فتوصل عوضاً عنها إلى مفهوم (كبير الآلهة) الذي بيده كل شيء، والذي يشرف على جميع الآلهات في جميع أرجاء الكون، وهو وحده الذي يتحكم بها ويوجه جميع أعمالها .
وبعض المجموعات البشرية في بعض الأحيان قد تصل عن هذا الطريق إلى عقيدة الإله الوحيد، الذي يخلق جميع الآلهات (ليشركها) في جميع أعماله، ويستعين بها على تسير هذا الكون و جميع أشكال الوجود والحياة..وهو ما يسمى بــ (الشرك) وأصحابه بــ (المشركين)!!
لكن وعند هذه النقطة بالذات أيضاً :
يفترق إنسان البيئات الخضراء الملونة عن إنسان البيئات الصحراوية ـ نتيجة لاختلاف بيئاتهم الجغرافية ـ فيتوصل الأول إلى مفهوم الإله الواحد بصيغه (إشراكية/شركية) بينما يتوصل الثاني إلى التوحيد الخالص*!!
وعندما يصل الإنسان الأول ـ في البيئتين ـ إلى هذه المرحلة من النضج ـ مرحلة كبير الآلهة أو التوحيد الخالص ـ يكون هذا الإنسان قد نضج بما فيه الكفاية، وأصبح مستعداً نفسياً وروحياً وعقلياً لفهم السماء وتقبلها، وتقبل الدين السماوي المنزل من الله إليه!.
فالله لا يبعث الأنبياء والرسل إلى إنسان (بدائي خام) لا يعرف شيئاً، إنما لإنسان نضجت كل الصفات الإنسانية لديه، وخرج من شرنقة جغرافيته المحلية إلى البيئات العالمية، وأصبح مستعداً لتقبل الدين السماوي بصيغته العالميه، ومعرفة قيمته في الحياة الإنسانية!!
[وإن كانت ظاهرة الأديان السماوية مقصورة تقريباً على سكان الجزيرة العربية وأقوامها المهاجرة منها، إلى محيطها الواسع في العراق وبلاد الشام ومصر، وعموم مناطق وبلدان الشرق الأوسط الأخرى]
*****
عندما أستقر وتشبع الإنسان بقيم ومفاهيم دينيه راسخة :
انتقل إلى مرحله أخرى..فبواسطة قيم الأديان السماوية وما توصل إليه قبلها من مفاهيم كثيرة حول تعدد الآلهات وكبير الآلهة، كسب ـ أي الإنسان ـ استمرارية التطور الذاتي، والتجاوز لبدائيته الأولى ولبيئته المحلية معاً، منتقلاً منهما إلى أفاق كونيه وجغرافيا وحياه بشريه عالميه تدريجياً، مستفيداً وموظفاً لكل ما أحرزه ذهنه من تطور في صفاته الذهنية بواسطة الأديان السماوية، وبفائدتها له في حياته اليومية!.
فبعد أن تشبع بتلك القيم والمفاهيم الدينية الكونية الجديدة، فرض عليه الخروج من ذاته البدائية ورؤيته المغرقة في المحلية فرضاً، بعد أن ترسخت تلك القيم والمفاهيم الجوهرية في عمق كينونته الذاتية، والتي تجاوز بها جميع تلك القيم البدائية!!

فاكتشف في هذه المرحلة الدينيه الجديدة "قانون السببية" و "تقسيم العمل" :
لقد أكتشف الإنسان في باكورة تطوره الذهني بعد اعتقاده بــمبدأ "تعدد الآلهات"، أن هذه الآلهات ترتبط ببعضها بنوع من الروابط الغير مرئية، فتؤدي أعمال الآلهات المختلفة بالنتيجة، بفوائد تترى من بعضها إلى بعض ولصالح :
فهو يرى الرياح مثلاً: تجلب الغيوم، والغيوم تنزل المطر، والمطر ينمي الزروع والأشجار ويجري الجداول والأنهار، فيستفيد البشر......الخ.. وهكذا سيكتشف سلسلة غير متناهية من العلاقات المترابطة ببعضها، فيكتشف من خلالها [مبدأ وقانون السببية] والعلاقات الغير مرئية، بين جميع أشكال الوجود في بيئته الطبيعية وخارجها!.

وهذا التصور سيرتبط في البداية عنده بقدره الآلهات وحكمتها، كما أنه سيرى أن هذه الآلهات كل منها مختصة بــ "عمل معين ومحدد" ومرتبط أيضاً بقدره الآلهة وحكمتها..لكن في النهاية سينعكس كل هذا في ذهنه على شكل قوانين عمليه وعلميه، تضع الأساس لكل حضارة إنسانيه أتت تاليه لهذا التطور الذهني للإنسان ولكل قانون فيزيائي أو كيميائي أو بايلوجي عرفه البشر فيما بعد، وصنع به حضارته المعجزة الباهرة التي يتفيأ ظلالها اليوم!!
*****
ورغم أن تطور الإنسان الأول في جميع البيئات الجغرافية كان متشابها :
أو متقارباً على الأقل، إلا أن النتائج النهائية لهذا التطور قد اختلفت بشكل حاد بين بيئة وبيئة أخرى..لكن، يمكن إجمال هذه الاختلافات الجوهرية بين نفس البيئتين والبشريين اللذين حددناهما منذ البداية..أي, البيئات الخضراء الملونة وبشرها والبيئات الصحراوية وبشرها على جميع المستويات، وعلى المستوى الديني بالخصوص :

فسكان المناطق الخضراء الملونة ونظرتهم المحدقة بالأرض أبداً :
قد ((أنتجت ـ قبل إنتاجها لحضارات متميزة ـ أديان أرضية بحتة لا علاقة لها بالسماء مطلقاً.. فحتى المسيحية عندما اعتنقها الأوربيون الغربيون مثلاً، و نتيجة لتعلقهم الشديد بالأرض، فأنزلوا هم بالسيد المسيح إلى الأرض، بدلاً من أن يرتفع هو بهم إلى السماء..وإن حاولوا هم من جهتهم، أن يوفقوا بين الأرض التي يعشقون والسماء التي يجهلون، فجعلوا من المسيح مخلوقاً (أرضياً وسماوياً) في آن واحد ـ إله بطبيعتين/ أب سماوي وأبن أرضي ـ وبشكل متعسف لا يفهمه ولا يستسيغه الشرقيون، أصحاب رسالة المسيح الأصليون والحقيقيون!!)) (الج/4)

في حين كان مستوطنو البيئات الصحراوية على العكس منهم :
((إن تحديق مستوطن الصحراء الدائم والأبدي بالسماء والنجوم وتعلقه الشديد بهما، أثمر أيضاً عن علاقات وطيدة معهما ـ أي مع السماء والنجوم ـ واكتشاف نوعي لحقيقتهما العلوية ولفوائدهما الحياتية، واستثماراً أيضاً لمكوناتهما ومكنوناتهما وأسرارها في حياته اليومية، واكتشف معها علم الفلك ومواقع النجوم ومنازل القمر، كما أكتشف قرينه (أبن البيئات الملونة) الأرض واستثمر مكوناتها ومكنوناتها في حياته اليومية!.
لقد اكتشف مستوطن البيئات الصحراوية السماء بفطرته ولنقائه الإنساني، واستثمرها دينياً وعملياً لصالحه أيضاً، ولهذا أصبح هو الوسيط الوحيد بين الأرض والسماء (تقريباً) على يد الأنبياء والرسل والرسالات السماوية.. ولهذا أيضاً نرى أن أغلب الأنبياء والرسل الحقيقيين والرسالات السماوية (الإبراهيمية الثلاث) قد خرجت من بيئات صحراوية أو شبه صحراوية أو قريبة من الصحراء)) (الج/4)
فمن ناحية النتيجة الدينية النهائية :
تطبع سكان المناطق الخضراء الملونة بطابع أرضي، وأصبحوا ينزلون بكل ما هو سماوي إلى الأرض ويجعلون منه مخلوقاً أرضياً، بينما سكان الصحراوات كانوا على العكس منهم، فقد تطبعوا بطابع سماوي وأصبحوا يرتفعون بكل ما هو (أرضي) إلى السماء ويجعلون منه مخلوقاً سماوياً مقدساً، ويحكمون الدين وقيمه في نظرتهم وفي كل نواحي حياتهم!.

ورغم هذه النظرة الدينية الشاملة للحياة عند مستوطني البيئات الصحراوية والمناطق الزراعية شبه الصحراوية، فقد أفضت بالنتيجة إلى شيوع حالات تطرف شديدة بينهم، وغلو بالرموز الدينية: كالأئمة والأنبياء والصحابة والصالحين، وحتى بالشيوخ البسطاء والمراجع الدينية المتواضعة، ويرفعنهم إلى مستوى الآلهات والأرباب ـ وهذا حدث في كثير من البيئات الإسلامية ـ ويضيفون لهم صفات سماويه ترتفع بهم إلى السماء، وتجعل منهم كائنات سماويه علوية..في حين هم بشر كباقي البشر!!
ولكن..ومع كل هذا الدين والتدين عندهم :
إلا أن كم من نبي كاذب بينهم، وكم من إمام عاهر عندهم، وكم من شيخ فاسق حولهم، وكم من حاكم جائر استباحهم..تجمع جميع هئولاء عندهم، فجعلوا الجور والظلم والجهل والفقر والعوز والتخلف حصتهم المستعصية على كل الحل، رغم ذكائهم الحاد وغناهم الفاحش!!
[يـــــــتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبــــــــــــــــــــــــــــع]







اخر الافلام

.. مقاتلات التحالف تدمر عربات حوثية جنوب تعز


.. لا حرب تجارية بين الصين والولايات المتحدة


.. هل تقف المعارضة الفنزويلية موقفا موحدا من الانتخابات الرئاسي




.. الصدر يدعو إلى ائتلاف حكومي واسع ويكثف لقاءاته في بغداد


.. موجز الأخبار- الواحدة طهرا 21/05/2018