الحوار المتمدن - موبايل



غصن الزيتون المغمس بالدم

كاظم الموسوي

2018 / 2 / 11
مواضيع وابحاث سياسية


يكشف تحذير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من تحوّل العملية العسكرية التركية في سوريا إلى غزو قد يتسبب بمشكلة حقيقية من خلال عدم احترام السيادة السورية، يكشف مواقفا متناقضة داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الاطلسي، في طبيعتها ومشاركتها او في صمتها والتفرج على ما يحصل الآن وبعده. ولم يتمكن الرئيس الفرنسي من توصيفه لما حصل كعدوان وعمل غير قانوني ولا انساني. التحذير ورد في مقابلة مع صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، ونشرتها وكالات الانباء يوم 2018/01/31 حيث أكّد ماكرون أنه سيتحدث مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان، موضحا أنه إذا اتضح أن هذه العملية اتخذت منعطفا آخر غير مكافحة تهديد إرهابي محتمل للحدود التركية وتحوّلت إلى غزو فإن هذه العملية تشكل بالنسبة لنا مشكلة حقيقية". وبحسب ماكرون، فإن "العملية العسكرية التركية ضدّ عفرين في شمال سوريا تستدعي حصول نقاشات واتخاذ قرارات بين الأوروبيين وعلى نطاق أوسع بين الحلفاء لأن طبيعة التوغل التركي تتغير وهذا ما سأتحدث عنه في الأيام المقبلة مع إردوغان" مضيفا "أنه لا يمكننا الحصول على أمن على الأرض من دون احترام السيادة السورية ضدّ عدو ليس بداعش، خصوصاً وأن الكرد كانوا حلفاء الغرب في قتال الجهاديين"(!). هذا التحذير الفرنسي حول التدخل العسكري في عفرين وحسب، فكيف والخطط التركية تسعى للتمدد الى مناطق اخرى، الى منبج وصولا إلى الحدود العراقية؟!.
هذا التحذير في هذا الجانب الواضح مقرون باسبابه الأخرى يوصل إلى أنه موجه ومعبر عن تغير في المواقف الداخلية والخارجية، شرحها ماكرون ورد عليها لاحقا رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم بنفيه سعي تركيا لاحتلال مناطق داخل الأراضي السورية، بقوله "يجب أن يعلم العالم بأسره أن تركيا لا تتحرك إطلاقًا وفق منطق احتلال، ويمكننا التيقّن من ذلك من خلال عملية درع الفرات". ولكنه يمكن أن يتفق مع نوايا ماكرون ورغباته لما يريده ماكرون - وفق "لوفيغارو"- ومن خلال تشديد الخطاب مع اردوغان هو تجنب لجوء الكرد إلى الحكومة السورية وحليفها الروسي لإنقاذهم كما سبق أن فعل بعض القادة الكرد في عفرين. وهذا التخوف يفضح جانبا من التحذير ويرد على السياسات الفرنسية في المنطقة وعلاقاتها مع الحكومة التركية والاكراد وحلف الناتو. كما يقول بغياب المسؤولية والادعاءات بالقيم واحترام القانون الدولي وغيرها. وهو ما أشار له وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أمام نواب في البرلمان الفرنسي، قبل رئيسه، من تحول العملية التركية إلى احتلال لشمال سوريا(!). وكل هذه الإشارات تفسر التناقضات التي تسود. ورغم أن هذه التصريحات الفرنسية تأخرت ولكنها وضحت الخطر المتحرك من الغزو التركي المتمدد والمتوشح بأسماء مختلفة من درع الفرات إلى ما يسمى باسماء مختارة لا تعكس وقائع الصورة التي تحركها الحملات العسكرية المتنوعة، الجوية والبرية، والزحف العسكري المتدرج داخل الحدود السورية. فهل ما تقوم به تركيا في عفرين هو غصن زيتون؟!. لمن ولماذا؟!.
الحجج التركية في التدخل العسكري تتلخص في الاعلان الرسمي عن محاربة الارهاب، المتمثل في وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، وتسميتها بفرع حزب العمال الكردستاني في تركيا، المحضور، والذي تعتبره الحكومة التركية منظمة إرهابية الان. في الوقت الذي تحالفت الولايات المتحدة مع هذه الوحدات وقامت بتدريبها وتزويدها بمختلف أنواع الاسلحة، وشكلت قوة من 30.000 مسلح لوضعها على الحدود السورية التركية، والتي أثارت هذه الاعلانات ما تزعمه تركيا اخطارا عليها، وتهديدا تخطط لمواجهته وتنفذه عمليا في التدخل السافر، رغم عضويتها في حلف الناتو والعلاقات الثناءية. الامر الذي فسر به تذبذب مواقف الولايات المتحدة على ما يظهر من النزاع مع الشريك في حلف الناتو، وما يجمعهما من أهداف سياسية مشتركة في المنطقة.
فما يهم الولايات المتحدة في المنطقة اوسع من العلاقات المنفردة مع قوة سياسية، ومؤشرات التخلي عنها أو التوقف عند هذا الحد معها ممكنة ودروس التاريخ برهان عليها. في ضوء ذلك يمكن قراءة تحذير ماكرون مؤخرا، وما سبقته من انتقادات المانية، طالبت بوقف فوري للعملية العسكرية في عفرين، تزامنا مع تجميدها صفقات تصدير أسلحة المانية لتركيا. والتأكيد على أن الحرب ينبغي أن تكون في إطار الحرب على الارهاب. ولكن موقف حلف شمال الأطلسي جاء مغايرا، إذ اعتبر الهجوم التركي ضد المسلحين الأكراد "دفاعا عن النفس"!، وهو موقف صدر قبل اجتماع مزمع للحلف ويقترب من الموقف الامريكي وخطط الإدارة الأمريكية المرسومة للمنطقة.
تباين المواقف بين "حق الدفاع عن النفس" و"انتهاك السيادة السورية" ليس وقفا على التصريحات الفرنسية او الامريكية، فاذا اختارت واشنطن مسك العصا من المنتصف، بين تأييد حق أنقرة في الدفاع عن أمن حدودها وبين انتقاد الهجوم والدعوة لأن تكون العمليات محدودة في الحجم والمدة، فان الموقف الضبابي من موسكو، التي انتقدت مقتل مدنيين في عفرين جراء العمليات التركية، رغم سحبها قواتها من المدينة قبل بدء الحملة العسكرية، في إشارة إلى ضوء أخضر صريح منحته لانقرة، يدخل وفق كثيرين في سياق مصالح مشتركة مع حكومة تركيا.
كما تأتي المواقف الدولية المعتدلة، في ظل عدم رغبة اصحابها بخسارة أي من حلفائها الأتراك والأكراد. يضاف إلى ذلك مزاعمها الداعية لتركيز الحرب على "داعش"، وترجمة ذلك على الأرض بممارسة ضغوط على أكراد سوريا لقتال داعش في دير الزور، رغم عملية عفرين. مما يعني ضمنا أن تركيا ستستمر في مشروعها وان مخاوف ماكرون وغيره المعلنة لها ما يبررها عمليا، وهنا يكمن الوضع الذي تسعى إليه تركيا اساسا واغتنامه بما يخدمها في المنطقة ومحيطها.
غصن الزيتون الذي لوحت به تركيا والوقائع التي تحصل على الارض يقود إلى أن يغمس بالدم الكردي والسوري عموما في شمال سوريا وربما ابعد منه كما تفعله القنابل والصواريخ وخطط الامتدادات العسكرية المباشرة، وما تحمله من اسماء لا يغير من نهاياتها الدرامية والمحسوبة في اوهام امبراطورية وخرافات باتت وَلّادة للدم والإرهاب اكثر مما هي في خدمة مصالح الشعوب والدول والعلاقات بينها، محليا واقليميا وعالميا.







اخر الافلام

.. رئيس الوزراء العراقي يقترح 4 حلول لتشكيل الحكومة العراقية


.. بريطانيا تستعد لخروج -بلا اتفاق- من الاتحاد الأوروبي


.. الجزائر.. ماذا وراء الدعوات لتأجيل الرئاسيات؟




.. مجددا.. دعوات لسحب الثقة من رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا


.. مساع دولية وأممية للاتفاق على لجنة دستورية جديدة في سوريا