الحوار المتمدن - موبايل



الحل أنْ نفهمَ أولاً ..

زكريا كردي

2018 / 2 / 11
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


أعتقد أن هذا الواقع المعقد المحيط بنا ، وبما يذخر به من أحداثٍ عرضية مهولة ، لا يكفي بذاته لتقديم معرفة كليّة عميقة ونقية ، إذ لابد للعقول الحرّة فيه أن ترتقي فوق تلك الاحداث المتشاكلة ، وتفكر فيها بصورة انتقادية وتساؤلية ، وتتبصر بتمعنٍ في موقفها من تلك الأحداث ، وفي القوى المختلفة العديدة التي تؤثر فيها ، أو تدفعها لاتخاذ هذا الموقف أو ذاك ..
ولا بدّ من الإنتباه الشديد من خطورة فساد الموقف الشخصي مما يجري والحكم المعرفي المسبق حوله ، وذلك بسبب تفشي داء " التفكير الرغائبي " ، والذي نبه منه مراراً المفكر الكبير " كارل بوبر " صاحب كتاب "منطق البحث العلمي " ، حيث اعتبر داء " الدوغمائية " وداء " التفكير الرغائبي " من أسوأ الشرور المُبتلاة فيها العقول المعاصرة ، وبالفعل فقد أضحى وباء " التفكير الرغائبي " – للأسف - مُهيمناً على كثير من أفهام المُفكرين والمُثقفين ، وجاعلاً أفهامهم تتطابق مع رعاع السوقة أو العامة من الناس ..
وبحسب معجم " الويكيبيديا " فإن التفكير الرغائبي أو التفكير الرغبوي أو التفكير بالتمني هو تكوين الاعتقادات واتخاذ القرارات القائمة على رغبات الفرد بتمني ما يريده عوضًا عن التفكير الذي يستند إلى الأدلة أو التفكير العقلي أو الواقعية.
و لهذا أعتقد أن الوقت قد حان في هذا الشرق المتعب ، وربما أكثر من أي وقت مضى ، إلى دعوة أولي الألباب للتفكير جدياً في معالجة هذا الوباء الفكري ، والبدء في محاولة فهم صادقة مع الذات والواقع ، واستيعاب حقاً ما يجري أولاً ، قبل أن نهرول سائلين عن الحل ، أو نتسرع بإصدار الأحكام المسبقة ، أو نعيد وعن عماء تكرار ما يُرّوِّجه الآخرون ، من ترّهات أو حقائق مزعومة ..
ولابد هنا من التوضيح ، أنّ الفهم الصحيح للحرية وحقائقها يَسْتعصي عادة على أولئك الذين يتسرعون في طلب الحلول ، وبالتالي هم - بالقطع – سيتضح أنهم ليسوا أحراراً في البحث والسؤال والنقد والتمحيص ، بل هم عبيد الوصفات والحلول ذات الواحدية في الإتجاه والجاهزة في التصور، والتي يساهم الإعلام في حشو أذهانهم بها ..
وهم في الحقيقة ليسوا سوى أناس هاربين من حريتهم إلى أفكار وعقائد عتيقة و ممجوجة ، أو حلول جاهزة وساذجة ، يتشاكلون على سوء فهمها ، كي يمنحوها إكسير الحياة ، و يعطوها قيمة ما ، و ينزهوها عن الخطأ حتى ولو أثبت الماضي والحاضر زيفها المرة تلو الأخرى ..
وبالطبع هذه الطريقة السيئة في التفكير - حسب اعتقادي - لا يُمكن أن تقوم بثورة معرفية حقيقية تبتغي الأصلح والأفضل للفرد والمجتمع ، كما لا يُمكنها أن تأتي أيضاً بالتقدم الاجتماعي المنشود ، أو توفّر للعقل الإضافة العلمية الأصيلة لأية فكرة ذات أهمية ، بل هي - إن تفشت في مجتمع - غالباً ما تذهب بالأوطان وتدمَر فهم الإنسان ، وتجلب على الجميع الويلات والثبور وعظائم الأمور ، و ربما تزيد أكثر فأكثر من بؤس وألم ومآسي الأحداث الحالية المعاشة ..
في النهاية ، لا بدّ من الحذر بشدة ، من أولئك المَوتورين أصحاب الحلّ الأوحد ، الذين إذا ما فشلوا في تأكيد جهالاتهم بالحيلة أو العنف ، هربوا مرة أخرى من جحيم الشك والسؤال والنقد والتفكر العميق إلى استراحة فكرة المؤامرة عليهم وعلى حالهم البائس ، كي يتيحوا لجهلهم إلتقاط أنفاسه ، في إنتظار جولة أخرى من الباطل ..
وهكذا يَسْتمر العمى الفكري ويتوالد الجهل .....
لكن يبقى إله الزمان " كرونوس " يقرئكم السلام ويقول لكم مقهقهاً :
كل فوضى وأنتم بخير







اخر الافلام

.. #التجارة_القاتلة.. هكذا يلعب خاطفو الرهائن بالنار


.. مسابقة #هذا_يومي | يوم -معن الجهماني- قضاه معنا وشاركنا أجمل


.. ترامب: نحتاج للسعودية في الحرب على الإرهاب




.. -داعش- يفشل في استقطاب أجانب جدد لصفوفه


.. اتهامات لروسيا بشن هجمات إلكترونية