الحوار المتمدن - موبايل



كريستولوجيا القرآن

محمد سرتي

2018 / 2 / 11
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


(إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) فقد "خلق الله العالم بكلمة"، لا يختلف على ذلك أحد. ولكن هل يختلف معنى هذه العبارة لو قيلت كالتالي: "إن كلمة الله هي التي خلقت العالم"؟
تماماً كالسؤال التالي: "هل كلام الله مخلوق أم غير مخلوق؟" هل يمكن طرحه بهذه الصيغة: "هل كلام الله خالق أم مخلوق"؟
إذاً هنالك كينونة بين الخالق والمخلوق، تدعى "الكلمة" أو "كلمة الله" أو "كلام الله" أو ربما "كلمات الله" "كلمات ربي". تنتمي هذه الكينونة للعالمين معاً انتماء الذرة لعالم الفيزياء الدقيقة وعالم فيزياء نيوتن في آن معاً (إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) فإلقاء الكلمة إلى مريم أنشأ بينونة صفة لا بينونة عزلة، هي ذاتها بينونة الصفة التي نشأت من (كن فيكون) (كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان).
والصفة بالنسبة للموصوف هي كالابن بالنسبة للأب (ولا تدعوا لكم أباً على الأرض لأن أباكم واحد الذي في السماء) (فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل) (أبانا الذي في السماء...).
وإذا كانت كلمات الله هي أبناء الله، أو كلمات ربي هم أبناؤه، فكم عدد كلمات ربي!
(قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً) (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله)
إذاً فكريستولوجيا القرآن تتمحور حول النفي المطلق لمقولة "الابن الوحيد" كذبيحة خلاص أو كبش فداء (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً! لقد جئتم شيئاً إدا. تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا) فجميعنا أبناء الله، وخلاصنا الحقيقي يكمن في رمزية الافخارستيا وليس الصليب. فالافخارستيا هي الشعور الحقيقي الواقعي المعاش بالأنا الترانسندنتالية، هي الإيمان اليقيني بوحدة الوجود مع الله، هي الأنطولوجيا الأرقى تجسيداً لـ "لا إله إلا الله" (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها وقدمه التي يمشي بها).
(لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر). حيث الكبر هو الشعور بالانفصال، بالاغتراب الوجودي، هو النزعة الفردية، نزعة الأنا المتمحورة حول ذاتها. الـ "أنا" الخطيئة التي ورثناها من آدم، والتي علينا التخلص منها قبل العودة إلى حيث ننتمي في الحقيقة، إلى جنة الخلد، جنة الحياة الأبدية.
كيف تولدت هذه الـ "أنا" في نفس آدم؟ تصف التوراة شجرة الشيطان بأنها شجرة معرفة الخير من الشر (وقال الرب الإله: هوذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر) ولكن القرآن يصفها بشجرة الخلد الزائف والوهمي والمخادع (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى! فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة. وعصى آدم ربه فغوى).
إذاً فخطيئة آدم في القرآن ليس أنه قد صار كواحد من الآلهة، بل العكس تماماً. خطيئته هي أنه انفصل عن الله روحياً وسيكولوجياً (وليس فيزيائياً)، هي أنه شك في خلوده، فتسلل إليه الشيطان من هذا الشك، واستدرجه لشجرة الخلود الوهمي. ليس أكله من الشجرة في ذاته الخطيئة، بل الدافع الذي استدرجه إليها، وهو شكه في امتداده السرمدي، نسيانه بأنه خالد من الأساس (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما) ولو لم ينس بأنه كائن خالد لما بحث عن خلوده في مكان. فمنذ حينها ونحن نبحث عن خلودنا في كل شيء. نخاف من الموت لاعتقادنا بأن الموت هو نهايتنا، فيحاول كل منا تخليد ذاته الفردية في المال والبنون، أي شيء يخلد فيه ذكره بعد وفاته (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملا). تلك هي شجرة الشيطان، شجرة البحث عن الخلود الفردي، القلق الوجودي من الفناء الذي يدفع كل منا للتمحور حول ذاته محاولاً تخليدها ميتافيزيقياً في الأشياء (على المستوى الفردي) وفي الانتماء (على المستوى الاجتماعي). إنها شجرة الـ "أنا"، النزعة الفردية، والذي يكفي للتخلص من آثارها أن نؤمن بأننا خالدون مخلدون، بأننا لا نموت في الحقيقة، وأننا لا نحتاج للبحث عن تخليد أنفسنا في مكان، فالموت هو الوهم الحقيقي.
في القرآن؛ أساس كل إيمان هو الإيمان بالخلود، وشرط دخول الجنة الإيمان بها قبل كل شيء، الإيمان بالحياة الآخرة، الإيمان بالحياة بعد الموت. والكفر في القرآن أساسه ومبدؤه أن تكفر بأنك كائن خالد (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون) (وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما).
تلك هي حقيقة بشارة المسيح. فقد جاء ليبشرنا بأننا خالدون، من خلال طقس الافخارستيا نتذكر ما نسيه آدم، وهو أننا جميعاً خالدون في الله، لأننا جميعاً أبناؤه – كلماته – أرواح منه.
(لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية) هل القرآن إذاً يكذب هذه الآية أم يعيد تفسيرها - تأويلها في ضوء (فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل) (ولا تدعوا لكم أباً على الأرض لأن أباكم واحد الذي في السماء)؟ وما علاقة ذلك بطلب الله من إبراهيم أن يذبح ابنه الوحيد (وقال بذاتي أقسمت يقول الرب. إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك. أباركك مباركة وأكثر نسلك تكثيراً كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطيء البحر. ويرث نسلك باب أعدائه. ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض)؟
إذا كان نسل إبراهيم نسل إيماني لا بيولوجي، فما أمر إبراهيم بذبحه في الحقيقة هو بقايا شجرة الشيطان بداخله. إنها شجرة الغرلة (وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها, إنه نكث عهدي). والغرلة ترمز لبداية انفصال آدم عن الله (فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) هنا بداية شعوره بالقلق الوجودي الذي دفعه للبحث عن الخلود في النسل البيولوجي. وهنا أمر الله إبراهيم أن يذبح نسله البيولوجي ليس فقط في إسحاق، ولكن قبل ذلك في لحمة الغرلة! وقد أصاب بعض المفسرين حين ربطوا، سيميوطيقياً، بين الختان وورق التوت (ورق الجنة) وأقمصة الجلد من جهة، وبينه وبين الخلاص في المسيح من جهة أخرى، بغض النظر عن طبيعة تفسيراتهم - ربطهم! ولكن إذا كانوا يربطون فقط، ويصرون فقط على الربط بين الذبيحين، إسحاق ويسوع، فالأولى بهم والأجدر أن يربطوا بين الختان والافخارستيا، إذا كنا نتحدث فعلاً عن إزالة كل غرلة بيننا وبين الله، وبيننا وبين بعضنا البعض!
(يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا. ولباس التقوى ذلك خير) (المال والبنون زينة الحياة الدنيا. والباقيات الصالحات خير ...).
أراد الله لإبراهيم أن يصبح أباً روحياً لجميع المؤمنين، لذلك أمره بالتوقف عن أن يكون أباً بيولوجياً لأحد. تماماً كما أراد الله لمحمد أن يكون أباً روحياً لجميع المؤمنين وليس أباً بيولوجياً لأحد (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين). فهل يعقل أن يكون الله أباً بيولوجياً لأحد، وهو الأب الروحي لجميع خلقه؟! (ولا تدعوا لكم أباً على الأرض لأن أباكم واحد الذي في السماء) (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفراً أحد).
وأخيراً؛ ماذا لو حاول المجتمعون في خلقيدونية فهم طبيعة المسيح في ضوء الافخارستيا، هل كانت الكنيسة ستنقسم على نفسها إلى هذا الحد؟! أليس الجدال الخلقيدوني هو ذاته الذي حصل بين المسلمين في قضية خلق القرآن؟!
ألسنا الآن، إذاً، في أمس الحاجة لإعادة فهم القرآن في ضوء الكتاب المقدس، وإعادة فهم الكتاب المقدس في ضوء القرآن؟ أو ربما لقراءة الكتاب المقدس كاملاً بأجزائه الثلاثة معاً: العهد القديم (التوراة وملحقاتها)، العهد الجديد (الأناجيل وملحقاتها)، والعهد الأخير (القرآن)؟ فعندما نتجاوز الحرف إلى الدلالة العرفانية، أو التأويل الفينومينولوجي، نجد أنفسنا أمام كتاب واحد متجانس هرمنيوطيقياً إلى حد كبير.







اخر الافلام

.. الفاتيكان -خَجِل- من تحرشات القساوسة الجنسية بالأطفال


.. سيناريوهات-تيار الإسلام السياسي.. التجربة والصراع والمستقبل


.. المسلمون الروس يؤدون شعائر الحج




.. بين سام وعمار.. مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة


.. المسلمون الروس يؤدون شعائر الحج