الحوار المتمدن - موبايل



البدعة والإبداع ، المشاكلة اللفظية والمشكلة الحضارية

أحمد محمد زغب

2018 / 2 / 13
الادب والفن



الناطقون باسم الله ،أصبحوا إيديولوجية، تفرض مجموعة من الطابوهات، في محاولة احتكار السلطة الدينية والدنيوية على الناس، رأينا في مقال سابق طابو مؤسسا على كذبة كبيرة مفادها أن لحوم العلماء مسمومة، تهدف إلى الادعاء بعصمة من يتكلم باسم الله من الخطأ وبالتالي احتكار المعرفة لهذه الفئة من الناس.
من هذه الطابوهات كذلك مشكلة محاولة حجر الإبداع، انطلاقا من حديث صحيح رواه مسلم يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (( كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)). وهنا يأتي دور أصحاب الإيديولوجية الناطقة باسم الله ليسحبوا هذا الحديث عن موضوعه الأصلي إلى كل ما شاءوا أن يحجروه على الناس ولا سيما التفكير والتفكير الحرّ.
بل أكثر من ذلك، في إطار الاحتياط من البدع جردت الدين من أهم وظيفة من وظائفه الاجتماعية، والتي من أجلها أنشأ الدين الطقوس الجماعية وقننها ، وحدد الطقوس الفردية الحرة فمنع الرهبانية.
كما سحبت هذه الفكرة على الحياة العامة، فحرّمت الإبداع وحثت على التقليد في كل مجالات الحياة، وهذا فكر خطير لا شك سيجعل الأمة ترزح في أغلال التخلف إلى أبد الآبدين. وحشر الناطقون باسم الله أنوفهم في كل شأن في شؤون الدنيا، طلبا لما يسمونه – من باب التضليل- السلطة الروحية وهي في حقيقتها أداة للتحكم في حياة الناس ، وبسبب هذا ظهرت مهازل يندى لها الجبين فقد حرموا أشياء كثيرة من منجزات الحضارة الغربية ثم عادوا فأحلوها.
فقد اختلفوا- بادئ الأمر- في شرب القهوة ومياه الصنبور وفي المطبعة الورقية والهاتف والتلغراف والكهرباء، كما وجدنا فتاوى دينية في كل شيء في الراديو و التلفاز والبارابول ، ثم اتفقوا فيما بعد على إباحتها، مع أنهم كثيرا ما يروون :
( الحرام بيّن والحلال بيّن )) (رواه البخاري ومسلم) والأصل في الأشياء الإباحة وغير ذلك مما لا علاقة له في الأصل بالدين ومرتكزاته الأساسية ولا بالشريعة ومقاصدها الكبرى.
ولا زلنا نجد تسامحا من قوم ، في ما يسمى البدع، وتشددا من قوم آخرين ، ولاسيما في الطقوس الجماعية، على الرغم من أن كثيرا منها لا لها علاقة لها بالدين، أو على الأقل أن علاقتها بالدين أوهى من بيت العنكبوت، كالاحتفال بزواج أو ختان طفل أو التجمع العائلي لتكريم الجد الأكبر للعائلة أو القبيلة وإطعام الطعام بالمناسبة ،أو الاحتفال بالأعياد الوطنية أو في تشييع جنازة.
يحاول هؤلاء صبغ كل مظاهر الحياة بصبغة دينية ظاهرة للعيان كاللباس والمظهر الخارجي (اللحية ، الحجاب، نصف الساق...الخ) ، والاتهام بتقليد الكفار في اللباس كالبنطلون وربطة العنق وغير ذلك...الخ وجعل الحياة كلها تتمظهر بمظهر الدين حسب أفهامهم الشخصية. فلا يقدم على أي عمل من أعمال الدنيا حتى يعلم حكم الله فيه، والمقصود بحكم الله حكم الناطقين باسم الدين فيه.
كنا في قريتنا حين يهم الناس بتوديع جنازة إلى مثواها الأخير، نسمع من بعيد الهتاف بشعار المسلمين الأول، (لا إله إلا الله ) فيهرع الناس من أماكن بعيدة للتشييع ومشاطرة أهل الجنازة احزانهم و تعزيتهم والتسرية عليهم.
حتى إذا وصلوا المقبرة انشغلوا بقراءة القرآن والتهليل والتكبير الجماعي، بحيث يضفون على الحدث جوا دينيا ، ويدوم توديع الجنازة داخل المقبرة أزيد من نصف ساعة، بين الصلاة والدعاء والدفن المرفق بذكر عبارات شعائرية معروفة كالصلاة على النبي والاستغفار ونحوهما.
شاركنا مؤخرا في توديع زميل عزيز إلى مثواه الأخير، فجاء عدد محدود من الناس لا يتجاوز خمسة عشر فردا كلهم من الزملاء أساتذة الجامعة، في صمت مطبق لا تسمع إلا وقع نعالهم على الأرض الهشة، وبسرعة تم وضع الجنازة في الحفرة ودفنها في أقل من ربع ساعة ، وأخيرا رفعت الأيدي بالدعاء الصامت وانصرف الجميع بدعوى أن هذه هي تعاليم الدين الحنيف، وكل ما سواه مما كان آباؤنا يمارسونه بدع وضلالات وأصحابها في النار.
كان حزني شديدا على زميلي وهو رجل فاضل من أهل العلم لكن حزني كان أشد لغياب تلك اللحمة المجتمعية، وغياب الطقوس الجماعية التي من أهم وظائفها تجييش الشعور الجمعي ، بما يسميه الأنثربولوجيون سحر المشاركة .
فما السبب في هذه المشكلة التي لم تعد مشكلة دينية فحسب ولا مشكلة من مشاكل المعيشة إنما مشكلة حضارية بكل ما في الكلمة من معنى؟
إن عدم التمييز بين ما هو ديني روحاني وما هو دنيوي في حياتنا سبب في إشكاليات كثيرة ،ففي الحياة السياسية مثلا تسبب فهم بعض المسلمين المتديّنين في التمرد على الحكام ليس لسبب ظلم الحكام للرعية أو استئثارهم بالتحكم في مصير الشعب، إنما بسبب عدم تطبيق شرع الله ليس في العبادات والحرام والحلال، إنما في أعمال الناس في ورشاتهم ومكاتبهم وسيرهم في الطريق، وليس المقصود روح الشريعة ومقاصدها إنما البحث عن النصوص التي تجيز والتي لا تجيز السير على الرصيف أو كيفية ركوب السيارة أو لبس البنطلون وربطة العنق، أو تقسيم بنود الميزانية....الخ.
ولعل مغالاة العلمانية الشاملة حسب مصطلح عبد الوهاب المسيري، في محاولة الفصل بين الدين والحياة ، أدت إلى مغالاة بعض الإسلاميين والمناداة إلى التماهي بين الدين والدنيا ، بينما نجد في تراثنا العبادات والمعاملات علم الأديان وعلم الأبدان حسب حجة الإسلام أبي حامد الغزالي.
والأصل في الدين إنما المعتقد والطقوس والأسطورة التي يقابلها في الديانات الموحدة النص المقدس، تلك هي المكونات الأساسية حسب معظم علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الأديان. أما الشرائع والأخلاق فهي من جهة، مكونات مكملة للدين ومن جهة ثانية تتغير تبعا للظروف المجتمعية، ومعظم نصوصها قابلة للتأويل، ثم إن قيمها الأساسية كونية يشترك فيها المسلم والكافر وهي نبذ الظلم وحب العدل وحظر السرقة والقتل وغير ذلك مما هو إنساني و كوني universel، كما أن للشريعة مقاصد معروفة هي حفظ الدين ،حفظ النفس، حفظ المال، حفظ النسل، وحفظ العقل . والدين واحد من خمسة كلها تتعلق بالإنسان من حيث هو إنسان بغض النظر عن دينه.
ويعتقد أن المعتقد و الطقوس تشحن المؤمن بشحنة روحية وتزوده بالوازع الذي يدفعه إلى الخير ويردعه عن الشر.
أما المعاملة فهي شأن دنيوي ، دون نسيان الوازع الديني الذي يزع الناس عن أن يعدو بعضهم على بعض على حد تعبير ابن خلدون، والوازع الديني ليس وحده إنما هناك العرف والتقاليد والضمير الجمعي القوي وفي الدولة الحديثة القوانين ومؤسسات الأمن والقضاء، ولا يتصور عاقل أن نعتمد في حفظ الأمن على امتثال الناس لتعاليم الدين بدافع من إيمانهم.
وقد لاحظ أحد شيوخ الدين المعاصرين أن النصوص التي تشرع للمعاملات محدودة بالقياس إلى النصوص التي تتناول العبادات وهي في القرآن والسنة عامة غاية العموم، تحدد المقاصد اكثر من كونها تقدم حلولا (إبراهيم فتحي: الحوار المتمدن). والأصل في العبادات بالنسبة إلى المتعبد أن يلتزم بها دون الالتفات إلى المعنى، أما أصل العادات الالتفات إلى العلل والمصالح (الإمام الشاطبي .الموافقات ج2/ص300) والسبب في ذلك أن النصوص محدودة ومتناهية وحاجات الإنسان غير محدودة ولا متناهية. وأنى للمحدود المتناهي أن يحيط باللامحدود. ومن شيوخ الاجتهاد نجد العالم المجتهد نجم الدين الطوفي (ت 716هـ) الذي قدم مصلحة العباد على النصوص.
فقد ورد في كتاب الاجتهاد للدكتور عبد الرؤوف الأندونيسي من مقولات الشيخ الطوفي ما يلي: (( إن أفعال الله واحكامه معللة بمصالح العباد من باب التفضل لا من باب الوجوب من ذلك تقديمه المصلحة على النصوص والإجماع ، واعتبر المصلحة في المعاملات ونحوها دون العبادات لأن العبادات حق للشرع خاص به ولا يمكن معرفة حقه كمّا وكيفا ، زمانا ومكانا إلا من جهته. أما مصلحة المعاملات وسياسة المكلفين في حقوقهم فهي معلومة بحكم العقل والعادة، (الاجتهاد تأثيره في فقه المقاصد والواقع ص301).
رغم التجربة باهظة الثمن، كما يقول الدكتور ماجد كيالي لاسيما التي نعيشها في هذا العصر، مازال البعض لا يدرك أهمية التمييز بين شؤون الدين وشؤون الدنيا، على أساس رؤية مغلقة وفهم سقيم للآية الكريمة: (( وما فرطنا في الكتاب من شيء))(سورة الأنعام آية 38) مفادها أن الدين لم يترك شيئا لم يقله في أمور الحياة اليومية الدنيوية الدينية على السواء.
ويضيف كيالي أن ’’هذا مجرد قول عمومي أو شعاراتي ينم عن رؤية بسيطة ومتعسفة ومتسرعة، من كونها تحمّل الدين أكثر مما يحتمل، ولخلطها بين الدين باعتباره مجرد رؤية عامة مقدسة للكون والبشر ومقاصد الخلق، وضمن ذلك العبادات والمسلكيات، وبين شؤون الدنيا التي تتعلق بتفاصيل الحياة بصغيرها وكبيرها، وضمنها صنع التاريخ وبناء المجتمعات وصوغ العلاقات الدولية، وهي مسائل تخضع للتساؤل والمساءلة‘‘ (صحيفة العرب اليومية ع 9942).
ومما يمكن ملاحظته في حياتنا المعاصرة أن إقحام الدين في كل شيء، ينزع عنه قدسيته، فالذي يتحدث عن مشروعية المظاهرات أو اقتراض الأموال من البنوك من أجل الاستثمار، أو توزيع الأرباح على العمال، أو وضع اليافطات على الدكاكين، وإقحام العبارات الدينية في تلك اليافطات كالذي وضع على محل بيع اللحوم مجزرة المسلمين، ولكم أن تتصوروا كيف تكون أسماء المحال التجارية والمؤسسات وعليها البسملة والاستعاذة وما إلى ذلك من العبارات التي إن رميت إلى الشارع فقدت طابعها الروحاني المهيب وأصبحت عرضة للمهاترات الكلامية .
والناطقون باسم الله ينتقون الأحاديث، ويؤولونها بأن الدين يجب أن يقحم في كل أمر من أمور الدنيا ويتجاهلون الأحاديث التي تحيّد أو تترك للإنسان الاجتهاد في أمور دنياه بما تمليه عليه المصلحة العامة مثل قوله ص (( أنتم أعلم بأمور دنياكم))(رواه مسلم وابن ماجة وأحمد).
ومن أهم الآفات التي نجمت عن هذا الإقحام للدين أنهم استغلوه في أغراض دنيوية سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم غيرها كما استغله بعض الأفراد في تعزيز مكانتهم الاجتماعية كما كثر التظاهر بالتدين للإيحاء بالتقوى لذلك كثر أصحاب اللحى بين أصحاب المتاجر لطمأنة الزبائن.
لهذا فإن الدعوة إلى ترك الدين للمراقبة الذاتية ، دعوة قديمة قال بها علماؤنا منذ القديم في شرحهم للحديث الشريف: ((اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك))(رواه مسلم) فهو مسؤولية شخصية ولا احد يطلع على قلب المؤمن سوى ربه، ولا احد يحاسبه عما فعله أو ما فكر فيه إلا ربه.
كما لم يكلف الله بعض الناس بمراقبة ومحاسبة البعض الآخر ، ف(( كلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ وَرَبُّكُمُ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً)) (سورة الإسراء آية.84.) فقد ترك الله للإنسان الحرية الكاملة في أن يؤمن أو يكفر، في أن يعمل خيرا أو شرا، فهو مسؤول مسؤولية كاملة عن عمله.
وتقييد حرية الإنسان بالمحرمات والممنوعات، تقيدٌ لشعوره وقدرته على التفكير، وهو ما سماه محمد أركون السياج الدوغمائي أي إحاطة عقل الإنسان بعدد من اللامفكر فيه أو ممنوع التفكير فيه، وبحجر الحرية يحجر التفكير وبحجر التفكير يحجر الإبداع. وربما تعمدوا الخلط بين البدعة والإبداع للمشاكلة اللفظية, وتولد لدينا هذا الذي يعتقد أنه هو الدين. وهو نفسه الذي قوض ثقة الناس فيه فاهتزت المؤسسات الدينية واهتزت ثقة الناس في شيوخ الدين فلم يعودوا قدوة، فالقدوة منهم غير معروف، والمعروف منهم ليس قدوة لأن الناس عرفوهم بواسطة وسائل الإعلام التي لا تسلط أضواءها إلا على الذين ينساقون وراء إيديولوجية القناة والجهات الممولة لها.










اخر الافلام

.. وزيرتى الثقافة والتضامن يلتقطون صور مع ذوى الاحتياجات الخاصة


.. فنانين وأزواجهم على السجادة الحمراء بمهرجان القاهرة


.. أجمل إطلالات الفنانات في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي




.. أبرز إطلالات النجوم الرجال في مهرجان القاهرة السينمائي


.. الفنان الكبير ياس خضر وأغنية ولو تزعل