الحوار المتمدن - موبايل



جغرافية اليباب

أحمد القنديلي

2018 / 2 / 13
الادب والفن




مغارة الهباء المهترئ








لك أن تكون كما تشاء
خلت القرون المدهشهْ
لا وحي ينزل من عل
لا نصل في يدك التي لا تستوي.
لك أن تكون كما تشاء مصائر الوقت الغبي.
فلتحترق
تحت الرذاذ المرتخي.
ها أنت إذ تلج المفاوز تنحني
لرصاصة مستنفرهْ.
صد الوعول الهائجهْ
يا حي يا ابن الناعسهْ.













لك أن تكون غمامة
تحيي العظام الآسنهْ.
فلتنطفئ
تحت الرماد المنتثر.











لك أن تجاهر:
"لا مساس"
سيمسك الجرب المسافر
في الخلايا
والنخاع.
وسيشطح الجسد التفلفله
الجراح النافرهْ.











لك أن تهاجر نحو تلك الماكرهْ
ستقد جلدك بالأظافر،
والملاقط
والإبر.
وستجْرع الموت المغلَى
جرعة
جرعهْ.










لك أن تهادن
أو تناهض
أو تقبَل أخمصيْ غجرية متثائبهْ
" هيفاء مقبلة ، عجزاء مدبرة "
ستسلَ شاربك الغبيّ
وستختفي
شطحاتك المتهافتهْ.









لك كل شيء
إلا الذي
يروي مسام جوارحكْ.
فلتختبئْ
في حفرة
ملأى أفاعيَ، أو عقاربَ، أو إبرْ.
ولتحترقْ
تحت المطرْ:
لا مساس
لا مساس
ولتخترق سمّ الهباء المهترئْ!


جغرافية اليباب








طلل يأوي طللا.
لا شاعر حولي
يبكي أطلاله.
لي أن أُسقى
كأسا
تلو نحسٍ
تلو يأسْ.
ما الذي يبقى بعد لأي
غير المهزلة؟

جاذبا جمرة الوقت الهارب
وسْط ريح
صرْصر قاسيهْ .
أستضيئ،
أضيئ اليتامى خلسهْ
لا ليل يعرفني
لا حوافر تصهل حولي.
وقتي
ينهق خلف المكان.
بومة تعوي،
كلب ينحني ويموء.
لي أن أُسقى
نخبا
بعد حرب خاسرة
وليكن عازل بيننا.
لا نريد تكوُّن وقت في كوننا القزحيّ.
طوفان صديق
يكفي للجذبة العارمهْ
سيقول: " سآوي إلى جبل شامخ
يُرهب الريح والفيضان "
ها أنا
أجثو
مثل كلب طريد.





رغبة ميتهْ
مثل جذوة نار مهترئة.
لا شيء
يعوي في ذرا جسدي
من قريب
أو بعيدْ.
فلأغرف رشفة ماء
من أفواه الموتى،
وليذك الوقت الأسود
نار النار التشوي جسدي
حتى لا أبصر منكِ صدىً
يهفو نحو ما يتبقى
من صهدي.










كم من الوقت
أحتاج
كي يُفتح الباب لي
ما أحلى ذاك النأي
خلف العتبهْ
فلألق بوجهي في تلك الهاويهْ
أنت هاويتي.








طلل
يأوي طللا
وأنا دائخ وسط ذاك اليباب.
يتأرجح وجهكِ
بين مدىً آفلٍ
ومدىً يستحيل صدى.
تتأرجح شهوتك العارمهْ
بين هذا الهنا
والهناك البعيدْ،
تنزفين
من الخوفِ
من مجهول قصيّ.
فلتنشطري
ولتنتشري
فوضى في المدى الكارثيّ
ما أحلى يبابك
ما أحلى هذا ... اليباب!

بين وهج الصوت وانكسار الصدى

مهداة إلى الرفيق علي فقير







1 ـ موزَّعا بين وهْج الوقت
ووهج رغائبكَ الجامحهْ
سأجيئْ
سابيا شهقة الخطوِ
أو زفرة الوأدِ
بين خرائبك النائحهْ.








2 ـ ليتني ماء
أتخلل كل الشقوقْ
ضاحكا
وأبرعم ما أشتهي من بقايا جذور
صلصالي معي
بدء البدء
مأوى
منتهى.
أشتهي القول:
ـ كن
فأكون
كائنا مثلما أشتهيني أكون:
معنى أو هيولى أو ماء دافقا في الهواء.








3 ـ لم أجد في فيك لعابا يرويني
يَتُها الكأس المُرّة
سأتيه أجر خيوط دماء
جراحات متعانقهْ
نائحا
قيلولتك الدافئهْ.
نامي يتها الكأس السكرى
وليبق لعابي سيولا
تُهرق
خارج كل مدى.








4 ـ ليته يختفي من مساءاتنا
لونه مقبرهْ.
وجهه بومة عمياء
تحتفي باليباب.
مذ أتى ينتشي بانكساراتنا
جاء القحط
والصهد
والفيضانْ،
لم تنبت سنبلة
برج الخنزير البري
جاء حول موكبه
ليته يختفي من صباحاتنا.




5 ـ يا علي
جئتنا باكيا
خلخلتك الجموع الفائرة
فجهشت ابتهاجا
بوهْج
جاشت تضاريسه
سيجيئ.
كم يخجلني صوتك المائي
دُمْ لنا شاهدا
وشهيدا
وعقرب بوصلة ساهرهْ
ماذا لو منحناك أدمعنا؟
لم لا تحتفي بجراحاتنا
كي تبلسمها؟
هل سنبقى نعانق فيك انتظاراتنا الحارقه؟
دم لنا
ماء
ورذاذا
وثلجا
يبلّ جوارحنا النافرة. 





6 ـ دمهم ملتقى الطرقات
كلّهم عبرواْ حبل السُّرهْ
أحببتهم
واحدا
واحدا
ما أروعهم من قساهْ !
يهجرون أسرّتهم خلسة
كاللصوص
ثم يشترطون بقاء روائحهم
في قهوتنا
كالهيل الناذر
كالحزن الندي.
ليتهم باقون معي
ليتهم سرقوا شايي
! ما أزكى دم الطرقات






7 ـ مِفرّ
مفر
لك الكبوة الكبرى
فلا وقت يدحو أخاه
لا وقت يصحو
سآوي إلى قاع بئر
يقيني
سماع الصدى.
هناك سألهو
بمائي وألهو
بصهدي ويلهو
بيتمي شهيد
خطا خطوه
نحو دالية حبلى
في انتظار الهواء .



شسع الحذاء الأرجواني

مهداة إلى الشهيد الشيخ أحمد ياسين








1 ـ إزّيّنت أرض المدى
الممتد خلف سِرب ذاك الغمامْ
لم تنتبه فراستي لحظتها.
دوّخني انتشاء مارس الصديق
مستبشرا كزهرة برية
تفتقت بين الصخور
أتى يوزع الضياء والعطور.













تعطرت تلك العروس المشتهاة
كانت تغازل الدم المزهوّ بالخطو الخفيّ
خلف كل منحنى
وخلف كل خائنات الأعين.
دقَّ الدم النافر
أجراس المدى المشتهى.



2 ـ دمٌ يغير
طوفان نوح
لا أرض تأوي أضلعك
أين المفر؟
" دم يغير
دم تَهوّى من بقايا لصوص
ومن بقايا نصوص
أين المفرّ؟
ـ دمي دم لا ينحني
دمي ينطّ زئبقا
ثم يُغير
زُلزلت عقارب الساعهْ
ترى ولا ترى، فلا تر البروق الرّاقصهْ
سبحان من سوّى دمي ضوءاً لضوء لايُرى
فلينتش الجرح العميق
ما بيننا
لا زهر ينمو بيننا
لا ماء يجري
كي نرى ما قد يجيئْ.
فليأت طوفان نوحْ
ولتأت ريح صرْصرٌ عاتيه.ْ


3 ـ صوت حشرجته سنون الصَّلي
ينساب صدىً
في عروق التين
وفي أذن الله
يتلعثم
في جسد
يتلعثم
في المشي.
جسد يحبو في الوقت
وفي ما وراء المكان
شفة ضاحكهْ
دائما أبدا
تحضن الوجد المغلّى
عين لا تنام.
ترى تكوين جزيئات الهيولى
في الأفق الثاوي خلف الضباب.
وما نسفوه
وما قطفوه
دخانا هوى
ينساب غبارا
يبرعم في كل ماء حيّ
أو ميْت
أو لاحيّ
أو لا ميْت.
جسد بعثرته سنون الربع القصيّ
يفتل الوقت المشتهى
لجذوع يانعة
تهوى الاحتراقْ.
كل جذع بألف سداسية عشواء.
كرسيٌّ يهتز
يرسم خارطة الوطن الأبهى
حين ينطق تهتز الأرض وتربو
يرسو وقت الأشياء.
أشلاء تأوي أشلاءها
فلنخرج من هذا الصهد القارس.
نسفوه
وما قطفوه
ينساب
غبارا يبرعم في كل ماء.





4 ـ كل العظام احترقت
انتشلت ترنّح الرّوح
في الصّوت
والمشي
طارت بها خلف السّحابْ.
لم يبق شيء من هيولى الصّدى
ثار الغبار
ريحا كريح المسك
كالّلبان،
كالدم الينزف من ثوب شهيد لم يستتر.
شسع الحذاء الأرجوانيّ
ألفيته مستلقيا
لم ينشطر
قبّلته
قبّلني.
قف خلفه يا أخي،
واسجد لشاهد توهجت
عظامه توهج الشهيد المنفجر.







5 ـ فلسطن دمي
يا دمي
دمي فَنار
يضيئ طريقا بعيدهْ
لصاعدة من عباب
يفيض
ظلاما
ونقعا
سيولا
وبرقا
رعودا
وومض قيامهْ.











هيولى الليل وتكون التفاصيل




ليل كموج الرمل
يجتاح أقاليم دمي الباردهْ.
ليل كوجه الهجر القارس.
لا عواء يخيف
لا صدى يستفز خراب المكانْ
ليل أعمى
يحتسي قهوة قاتمهْ
يتقطر منها سعال
في أفواه الموتى،
فهل لي هناك وقودا يضيئ خطاي
أو يدفئ خاصرتي.









ليل يسجو
مثل نهر خصي
جفت ينابيعه
فاحتسى من أشلائه الشاردهْ
زفرة للأفولْ.
هل يستفيق على ليال تشبههْ
ليفر نحو بداية لا ممكنهْ؟







ليل يفور
يفيض قطرانا مسالا لا يداوي جرَبي.
ليل أعشى يغوي الروح
بالرعشة الأبهى
فجأة،
يسري نحو آخَره القرمزي
حاملا وجهه بين ليل وليل
ماحيا شمسي
واضعا وجهي بين قطبي رحى.


ما الفرق بين ليلة ليلاء
تعسو
تحتفي باليباب،
وليلة يتيمة بلهاء
لا تلبث أن تغادرك،
وليلة تجر أذيالها
في دُجْية الجزء الأخير الليلكي؟
أهدابها تجرّني
فأختفي
غبار نار
نخب كأس
أو صدى.
" يا شارب ديجورك
أي غمامة فتلتك حبلا من دم
ورمت بك الدار " (1)



وليل كموج الجموع الجريحهْ
يغالب وقتا يصادر كل انتشاء،
وكل انتصار مسافر.
يموج النزيف
يمينا
يسارا
ويفتل حبلا يسيل
يجر اليتامى
رويدا
رويدا
ليمسواْ شهودا على وطن
كان ليلة أمس
فضاء
لخيل
ورفس
وريح سموم
ونقع
وليل تهاوت نجومهْ.


يا شارب ديجورك استيقظ
واكتب كِلْمة حرّى
توقظ الكارثهْ.
ليلي ليل يمتد من الأطلس الأبهى
. . . وإلى آخِره.
في إلى آخِره. . .
نبضٌ
تتكوَن فيه هيولى الحروفْ
في هيولى الحروفْ
نبض البدء
نبض التكوين
" لتقرعن علي السِّنّ من ندم " (2)


دعني أخطو،
بيرقي
وجه تتلألأ أطرافه الجذلى
وسأحمله أقحوانة عشق
لأحبابي.
دجلة الأحباب هناك
تميهُ
تموجُ
تميدُ
تمورْ.
من بيوتاتها الواطئهْ
يخرج الكرنفالْ
عرسٌ
رمسٌ
واحتفالْ.

















تصطلي النخلة الثكلى
بغبار القتلى.
تعرج عرجونة حرّى
في الأعالي
وتقذف أرطابها اللّزجهْ
لصبايا حارتنا.
" هي بنت العراق أتت " (3)
وأتى معها صوت تموزها البابلي
أتى يزلزل جيكور الفيحاء
لتنتفض الأجداث الهاجعة
وليهتز شاعرها من جديد:
"وجيكور من دونها قام سور" (4)
















معطف آشوريّ
رقّطته السِّنون الخوالي
يزمجر
يهتف للفيضانْ.





دعني أدحو رأسي
صوب دالية سكرى.
حافيا
أترجل في سبتة الشاردهْ
أحتسي أكوابا ملساء
من خمرة
ما عادت صالحة للقيء.








دعني
أتسكع في فاس
خلف إدارات إسمنتية
لم توشك بعد على الانهيارْ.
دع عنك صداي
لن تسمع خطو تباريحي.








دعني
أتدحرج في الطرقات
صوب التيه الأصهب
حيث لا ماء
لا ظلَّ
لا موت يُعرَض في لحظة عاثرهْ.







لقالق حولي
أراها
تنوء بعبء الليالي
وتحبو لتمشي
لتعلو سحابا تسامى
بثلج يسيل
بماء نقي .
هناك بعيدا
تجر اللقالق
أهدابه لي
فلا الطير ترمي حجارتها
كي أُغير
ولا الحرف يأتي دليلا
يضيئ المغارهْ.







مثلَ ريح
أجيئْ
حين يهتف وقت الرذاذ
سأجيئْ
ضد كل مشاكسة عوجاء
سأجيئْ
زادي وهْج
يبتل بماء يكدّر صفو الليالي
لا يشربه بحر
وحدها الأرض العطشى تحضنه
نرجسا
غيبته سنون الرمادْ.
سأجيئْ
سورة
لا كوكب يهوي من أعلى
حتى يلج الجمل الأجرب
سُمّ الإبرهْ.







كل حرف
يعدو إليّ
يهيئ لي معبدا
فيه أسجو
وأُنصت لي.
هو لي
وأنا للحرف الذي وجهه أبهى
عبدٌ
فليكن عبدا
لأكن لجلالته أمَة ثكلى .

الهوامش :
(1) من قصيدة " خف حنين " للشاعرأحمد المجاطي.
(2) شطر من بيت شعري للشاعر تأبط شرا.
(3) من قصيدة " مريضة الأجفان " للشاعر المتصوف ابن عربي.
(4) من قصيدة "جيكور والمدينة " للشاعر بدر شاكر السيّاب. 
انشطار المرايا وتصدع الوجه والمكان




وجهك الباهت
يندى عرقا
ينبت اليأس المُصَفّى
في ثناياه العتيقهْ
حولك الجوْقة ُ
تلقي
قيئها الممزوج
بالقهقهة السكرى.
لك الصولة
لا حول لك،
انجرف في الحضور
وانتثر في الغياب
وانتشل
من صمت القبور
عتْمة
لاستضافة وجه الذّهول .





هذا الدوران المخيف
يدير المدى
نحو الخلف
يغوي بالغوص
العميق
في قرارة كأس
أو في مفازة نص
أو في جوف محارْ.
ليتني عقرب فوضوي
ألوي أعناق الأرقام
أدحو
وقتيَ المرّ
نحو الوراء
أو نحو الفراغ.















أنت ياصاحبي
لمَ لا تكترث
باللهيب الذي يشوي أضلعي؟
استرحْ
في مغارتك الداكنهْ
لن أبرح هذا الضوء
الذي يدحو جسدي
نحو الهاويهْ.



كلهم غدرواْ
غادرواْ
الكأس وانحدرواْ
مَن كليمي
في هذه اللّيلة القاسية؟
من حليفي
في وجه السحرة؟
ارحلواْ
يا نار ابعثي وهْجك الحامي
كوني
نارا
كوني حربا
ودمارا عليّ.
لم يعد حولي شيء
يغوي بانتشاء صغير،
سأتيهْ
حيث النخلة الجرباء
وحدها
تشكو للوقت الضرير
انهيار خلاياها الدافئهْ.







حين تنتثرين غبارا
في الهواء
لا يبقى سوى أثر
بنيّ
يفقأ ذاكرتي،
يحكي تاريخ عبورك هذا المكان
افتحي لي أبوابك الموصدهْ
يتُها الأرض المتعبهْ.




هذي الكراسي الفارغهْ
قبل قليل
لم تكن باردهْ
أين النسغ
والفوضى
واشتباك الأيادي
والكلمات؟
الآن فقط
في هذي الأطلال النائمهْ
سوف ألقي خطابي:
" اسمعوا
لولا حدبكم
ما استطالت يداي
صوتوا بالإجماع
وانصرفواْ "








كم دمٍ
استطالت طريق تقاطره
قطرة
قطرهْ؟
فإلى أين يا دمي
النازف
من جرح
ينوحْ
ينحو باللوم
على اللا أحد؟
ثم يهوي
في قاع
لا وشم يشير إلى عتْمتهْ
الآنَ
سأبخعها نفسي الحرّى
ليكن زِند ناري
على أُهبة الوثب
وليكن بعديَ الطوفانْ



قانا
قاب قوسين أو أدنى
من قوس قزحْ
قانا تعبر الموت
نحو برازخَ
ترفل في ماء الزعفرانْ.
أيُّ موت
أحلى من الغوص في جوف لج سحيقْ
تلتج مواكبه
في ظلمة وقت
ساحلها الأعلى
ماء بنيّ
ساحلها الأدنى
ماء بنيّ؟
أي موت أحلى
من الموت
بين الدهشة
والماء؟






يدٌ تفر
من شقيقتها
وتموت.
يدٌ تعانق المدى
وتموت.
إبهام صغير
يمتصّ ماء فمهْ
ويموت
قانا
أو غزة
أو فاس
أو بغداد.
وجه في مرآة محدودبة
وجهها وسخ
تتشقق
فيه معالم
كلّ الوجوهْ.










الغبار كثيف جدّا
هذا المساء
دعيني
أيتها الشمطاء
أحصي ما تبقى من الأحذية.






دُكْنة
تزهو في هذا المكان
وأنا أزهو كالدم الدافق.
مقبلا
مدبرا.
نادل المقهى
يحتفي بيدي
ناسيا أنني لا أراهْ
فأنا موجود بالفعل الماضي
مثل صبّارة
عاقر
تعلو في الغياب.





دكْنة تسهو
فتستلقي
على عرش المكان
لتزهو
أيها الليل الطويل
انجل
واستيقظ
على أمسية
ترخي هواها
بين ساقيك
وليبق نهاري
مطويا
بين أضراس النسيان.







أيها اللقلاق
انتشر
في الفضاءات الراقصهْ
وابعث صوتك العالي
علَّ السماء العليا
تنتشي،
علّ الأرض السفلى
تستبيح المفازات الموصدهْ.





يبِست جوزة الهند
من يغزو تاج محل؟
من يدوس الأقاصي
ومن يقطف الرأس اليانعهْ؟
لا أحد!
ليكن،
فأنا منذور للّغو والهذيان
لغتي
تزهو بانصهار الحروف
تلهو ببياض
يفوح وميضا
يفقأ أعينكم
اقرِؤواْ ما تيسر من أحرفي الهاربهْ.





سأبيت أغازل
قارئة الكأس
فلعلّ أناملها العارفهْ
تصطفي لي
طريقا
يِؤدي إلى غبطة تُثلج القلب الملتهبْ
أو إلى برزخ
يستريح المدى
فيه حتى يذوب الزمانْ
أو إلى سوْرة
لا تُبقي يدا
هاجعهْ .



ياقارئة الكاس
أوْمِئي لي
طريق المفازات الموحلهْ
إنني
قاب قوسين
أو أدنى
من فضاء الذهولْ
إنني أشتهي
الآن انتشاري.
اشتهي جسدي
حطبا بوذيا
يسافر في كل أرض حُبلى
تسيل دما
ورمادا
تود انصهار العناصر
كي لا أكون يتيما
أعزب
في ردهة آسنهْ.











ياقارئة الكأس
انكسري
مثل خابية سكرى
ينسل الوقت الأزرق
من دمها المستباح.



انفطار الروح في الليل الضاحك





أهلا بهطول العرائس
تلو العرائس
تلك دهشتيَ البلهاء.
تيها
سأسير
أجرّ ذيوليَ
من سندس
لا يبلى
نحو برازخ عليا
فيها ينام الوقت الأجوف
طول الوقت.
هناك
أقول لبيرقي القاني
رفرف.




أهلا بهبوب المباهج
تلو المباهج
قلبي
يطفو فوق الماء
سالما
من وصمة كل أذى.
طاويا أضلعي
سأطير
نحو باب ينجيني
من كل انتماء
يبيح دم الأقرباء.
كم يدوم دم
غدرته ألأيادي الصفراء
في فم الوقت الناعس
في دم الأرض الكأداء؟





أهلا بنزول الغيث
دما
قطرة،
قطرة،
قطرات.
بغداد
تنوء بكلكلها العاتي
صدري قصب.
بغداد تنوء على صدري
صدري عار
يتصدر كل رصاصة
قنّاص هاو.
صدري
قفص لطيور أنهكها التدخين
وبغداد الزوراء
تنوء بكلكلها العاتي،
صدري
أحْ يا صدري.



أهلا بهجوم الثلج
منفوشا
كأرمدة الجمر الحامي،
كاقتلاع الأضراس السبعة
دفعة واحدهْ
هي ذي
لحظة
تتوقف فيها الأفاعي
عن الحركة،
لحظة حرّى
يتوقف فيها المدى
كالمشنقهْ.








أهلا بانفطار الروح.
في الليل الضاحك
يصمت "بوشْ"
SMS يبعث ال:
خلسة
وينام؛
ليحلم بالموت
ينهش أورامه الناضجهْ.


أهلا بانكدار الأضواء الباهتهْ
العينان متعبتان
نبيذ قاس
يجر حواسي
نحو الضباب.
بحر تتهيج أمواجه
في أحداقي
شرفاتي تفتَّح للأحباب
ولا من يطرق بابي.
عيوني جاحظة
هل من طارق يستأصل أورامي؟
صهد هذي الليلة قاس
سأعرّي جسمي
من ذكرياتي
لأرقد في زمن
فارغ من كل صدى
" أنف الموت منخره " (1) دامٍ.
هل لي من طريق
تِؤدي إلى نفق
لا ريح
ولا ماء فيه
ولا ضوء يسندني
كي أرتق أشلائي؟
ها أنت الآن تطول
نخلة
سوداء
يلف مفاصلها
زهر ليلكي.
صُفرة
تعلو وجهك الطائفي
ادخل
بيتك الثاني
ضاحكا
واقفل المصراع.
أف
لليال
يسيل دم الأصدقاء
في أقفاصها الصدئهْ!
نَفََس الموت
لحم يحترق
نَفَس الشنق
لا تحتسيه رياحْ.










أهلا بانفقاء العينين
خلف بحيرات البجع
جسدي قاب قوسين
ينتشه ناتش شبقيّ
ضَعُف الجسد المسلوخ
أمام حواريّيه
ضاقت تُرعة الوقت
وانغلقت شرفات الفضاء.
فيا ميدوزا الماردة
امسخي
كل من سأشير إليه
امسخي
كل زنبقة ضاحكة
وامسخي وجهي حجرا
أو بقايا ظلال.








أهلا بانمحاء الأطلال الدارسهْ
أهلا ببكاء امرئ القيس
مفرداتي تجرّ المجاز الوسيم
إلى
مفردات المجاز الجريح.
سأعود إلى نقطة البدء
لا شيء
يكسر أجراسي
سأعيد لساعتي
السكرى
وقتها المفتوح
على وهج الاشتعال.




أهلا بانفطار السماء
خلف تلك الشبابيك
الموصَدهْ
قمر يتجول منطفئا
في غبار الموت الثقيل
العشاء على الطاولهْ
بارد
كل الأحباب
هنا
في الذاكرة المعتمهْ.
لا واحد
فكر في تخريب طقوسي
أو إرباك حروفي
انظروا
كم تسنه هذا الطعام؟
انظروا كم تسنهتُ
من يطرق بابي
هذا الجاثم
خلف تجاعيدي؟
من يفتح بابي
على فوهة المشنقهْ؟



توطئة لحالة الطوارئ





توطئة:
رحيق السحاب
يدوس ثيابي
أئنُّ
وأمضي لشمس بعيدة
تمص رَذاذا
ترسّب غصبا
وأدمى مسامي.
أئنُّ
وقلبي يقارع صهدا عنيدا
تأذّى كثيرا
تأبّط كيرا
وألهب ناري.




حالة الطوارئ:
1 ـ ليلٌ أعمى
يلتوي حول أنفاسي
أفعى رقطاء
تصلُّ
تفتّ غبارا
يدوّخ أرجائي
من فيافي الربع الخالي
أتتْ
خلسة لتؤانسها سِنةٌٌ
تحت صخرتها
وانا أتوسّد صخرتها
ذائخا
من خوف ومن مخمصهْ.







2 ـ الآن
أنا ملتقىً للمتاهات
منفىً لمعتوه
يستبيح المفازات
بحثا عن نكهة للَّمس
وعن طعم بمذاق الذهول.
كيف تنجر من حولي الأشياء
دون أن تنجر تضاريسي؟
دون أن يسمع الأطروش تباريحي؟











3 ـ سيّدي:
الآن / هنا
لا أراك
أراك تغادر هذا الربع المهاجر
نحو الطلول الباهتهْ
يستعد قرارك للوثب.
ركبتاك الباردتان
متأهبتان.
شفتاك تجرّان فحوى الكلام
إلى فحوى الصمت الآسن.
ارحل
واسترح
استراحة قيلولة
يستريح الوقت الأجوف
في بهوها الداكن.
دعك من خربشات الأمور
فنحن شهود على وقت آفل
يأتي توا
حين نبرح هذا الحضور.
بعد صمت بهيم
سنأتي
لنشرب شايا مرّا
على الساعة الرابعهْ
ارحل
وابتعد عن خضراء الدِّمن













الآن
أرى صفرة الوقت في وجنتيك
لا شيء تبقّى
سوى هذي اللحظة الطاحنهْ.
معطف صوفي
تخبئه
لشتاء لن يأتي
ما أروع زرقة روحك!
ما أروع الهيجان!
يدحوك الوقت الشقي
تدحوه.
كأنك أركانة
عانقت كينونتها
واحتفت بالرياح.


4 ـ ليل يزدري صاحبه
يتمنى لو يبقى
ليلا بغد أعور.
انتهى الوقت.
إن تأتي غدا يتها السيّدهْ
لن تُلفي غير رتاج رجّته الأرجل،
غطته رمال شواطئ مهجورة
لا بحر لها
وحدها الريح
تدرأه
نحو كل القفار.
من فيافي الغيب
أتيتُ
حاملا مقصلهْ
في فيافي التيه
أسير
أجر انكسارا
يبوح بجرح يسيل.














إنني
وأنا الملقى في غياهب
هذا الوقت القصيّ
جرّيني
إلى أفق قرمزيّ
يبعث النكهة المالحهْ
في مأدبتي الباردهْ.

















5 ـ شبحٌ
يوصد الباب العتيق
ويغفو.
زبَدٌ
يصحو وينام
وأنا، خلف رابية سكرى،
دائخٌ
ليس حولي سوى
نوح ريح
وبوح جدار
تكسر لم يستطع
وقف وقت هجوم الرياحْ.
غيمٌ
يغزو قلبي
يغزو ما حولي
وما حول كلّ الموتى
ولا ماء
يأتي من جبل
أو عاصفهْ.
أيّ نبض
تبقى
بعد تحوّل هذا الدخان؟


6 ـ جسر معدني
من عظام رفاقي
تمطّطَ لي
كيْ أمر
من مدار الضيق وصمت الغيوم
إلى فسحة حبلى
بسحاب ينوح
ورعد يصيح
وريح تؤاخي
بين صدىً وصدى
كي يجيئ المطر.
جسري
من عظام رفاقي
تمطط لي
وانكسر،
انكسرت
انكسار دخان يشير
إلى نار
تشتهي
قطرة من ذُبالة شمعٍ ذريف؛
كي تحوِّل نسغ الرياحْ
من هواء
إلى أسطورة وقت
يدفئ أفئدة الموتى الشهداءْ
برذاذ شفيفٍ
وماءْ
من لم يشربه يتيهْ
يبقى في ردهة موت
يجر إلى ردهة النسيانْ.
جسري ملتقى الريح
أنت مستنقع الروح السكرى
أمواج تشكو من صلف الريح الصرصر العاتيهْ
تأتي من كل الجهات
لتشق صدور
طلول نأت
كي تقاوم جور الزمان وأهل الزمان.
جسري
مرتع للمعتوهين
من الشعراء
تقتات الأرضّة من استعاراتهم.
لمجازاتهم
لغة تستبيح بكارة كل الدوال
لغةٌ هاتكهْ
تلوي عنق الدالّ
الضالّ
الصعلوك
المهرّب للماء والرغبات.


7 ـ طلل يتهيأ للانحلال
حوله جوقة
تشدو للتباريح
ولكل عويل جريح
لها الحول
في كل عاصفه
تنثر النقع في كل زوبعة.
طلل
لا حول لهْ
جوقة لا حول لها
إلاّ باليباب
الذي يعوي
في ردهاته الخرِبهْ
وأنا بين الحول
واللا حول
أقيم
تقيم معي
أطياف شهود ساهرة
تستنفر أحشائي
كي أُغير.
أحيانا
أخلخل زلِّيج العتبهْ
أحيانا تَخلخلُ أضراسي



أحيانا
أُخلخل فلسفتي
علّي أشتري
من شقوق الأبواب
شِقّا يقود خطاي
إلى قبة القلعه.
طلل لا حول لهْ
وأنا لا حول لأنيابي.
الجوقة خلف الستار.
وأنا خلف الركح
خارج كل قناع
أنيابي على أهبة القفز.
8ـ طلل
يأوي صنما ومُعلّقة هرمهْ
حوله الريح
تعوي وتنوحْ
تستعيد حروفُ القرون
الموشّاة في فمه
سمفونيةََ الوقت الرابض.
هل ستبقى يا طللي البالي
واقفا خلف الأفق المقفل؟
طوِّحي يا رياحي
مفاصله النَّخِرهْ
فتّتي سجْع أحرفه
كيْ تفوح روائح روح الخراب الوديعْ
من خُنان خياشيمه المقفلهْ .




قادم من صفير الرياح










قادم من زوبعة حيرى
تستبيح متاهات الربع الخالي.
رايتي صرختي الخائفهْ
تخبو
ترتخي
مثل آخر حشرجة نازفهْ.
جسدي معطف ليلكي تتشظّ
ى أزراره
تحت شمس تحرق أفئدة الأحياء
وأشلاء القتلى.













رايتي كفن كستنائي
لا ترفرفه نسمة أو عاصفهْ
جئت من ملتقى طرقٍ
تلتقي في مجازاته جثت
تحبو
تستنجد بي
وبأطياف من عبرواْ.
كيف أرتق أشلائي؟
كيف أفتِق ما استبقاه فمي من تأتأةٍ
قُدّت من خلخلةٍ
زلزلت جسدي؟
من بغداد يلتف حول تضاريسي
دمها المستباح.












أيهذا الأفق الضريرُ
انتحر
انتثر في الفصول التي تنحني للخريف
هناك
بعيدا
حيث انهيار الرجال وعصف الحقول.
عشتروت انتهت
من وشم اسمها البابلي.
من طمي الفرات
اختارت نَيْلجها.
غدّارٌ ماء الفرات
لا يبقي للرسم جدرانه الواقفهْ.

















يا فرات
انفغر
دمِّر عرش عشتار
واشتعل في شوارع بغداد الراعفهْ
مسبوت وجهكَ
مذ استبحت عَذارى النيلوفر.
نسي التاريخ عباءته
واختفى
لكن عواصفه الجذلى ستعود.
انفطر يا فرات
وانفجر في الماء.








من دمشق
أحاول بدء الهجوم
في دمشق أهندس مجرى المياه.
يتسامق قاسيون
يتمطى في أقراط نؤوم الضحى
يتلو شعر البحتري
ويفكك كلّ التفاصيل.











في خمارة سكرى داكنهْ
قال لي صاحبي
بعد أن طمأنته تجاعيدي:
" في تفاصيل الأشياء
يختفي كعْب الشيطان.
دعني يا أخي خلف الظل مختفيا "
واختفى حانقا
تاركا كأسه داهقة
تحكي حكيه خارج الوقت.











يا دمشق
اسمحي لي بيوم صغير
أصرخ فيه صراخي وحدي،
وأنسى ثغائي برغوته المالحهْ.
قاسيون الحزينُ
يلملم وجه دمشق
يستضيف رياح الجنوب
لخلخلة الوقت المتقيِّح في علب
تخشى ضوء الإمساء
ورائحة الإصباح.
يا رياح الجنوب
أبعدي عني أمشاج الهواء.






من عدن استنشق ريح لُبان الخليج
لأغفوَ
أو أ ستفيقْ
تختفي عدنٌ
في معطف بلقيس المختفي في ضِلع سليمان.
يا عدنْ
كم يذكرني طيفك القزحي
ألَم الوخز
هلْ سجا القاتُ المتغابي
على صهَوات ظُفار
هل دنا من غيبوبة عليا
ولوى هاربا
من قسورهْ.
ليت بلقيس لا ترخي عضلات القلب الرهيف
للهوى المشرقي.
ليتها نسيت وجهها في عدن
ليتها...
عدن.





من مراكش المشتهاهْ
أشتهي منفى الوقت الحامي
في كأس جذلى داهقة
يختلي الثَّبَج الفضيّ بأعطافها.
وقفَ الوقتُ الأعشى
في زاويتي
ساخرا
ثملا
كفَّن العينين
وناداني :
" يا أحمد أينك أينْ؟ "
أترجَّل في أغمات
يستفيق ابن عباد من سِنةٍ
يتأمّلني خجِلا بعباءته الرقطاءْ
... وينامْ.
إنها دوخة الوقت المعدنيّ
يا ابن عباد.





يامراكش الغائمهْ
افتحي صدرك الغجريّ.
يومُك الأطلسيُّ
انتشى،
يأتي الآن مستبشرا
كالرذاذ إليّ،
كخيوط حرير
تغزلها أمي خيطا خيطا.
يرتدي كلُّ وجه صديق
تراوده رجفة القبوِ
معطفا
لانتشال الخوف المقوى
من أعماق القلب الغريق.












من حيفا
يمتد فَصْدُ دمي
هاربا
مثل نص شهيّ
يَسيل لعاب استعاراته النازفهْ








من أين أبسمل وقتي
ياحيفا؟
يستبيح القُراد مناطق من جسدي.
أفٍّ لدمي المتبحبح في فرْوِ الإسفلت
ومجد القرادْ.
لن ينقذني القنفذ الأعمى.
جَرَبي طُرُق
تلتوي في مغارات الجسد الهاري.










حيفا حائط للحزن المطويّ.
حيفا امرأة من مداد
حبرت صوتها
في سِفْر من حجرٍ.
حيفا حرف كنعانيّ
ينحني للحريق
يقدح الفينيقُ شرارته الشاردهْ
وينامْ.










كيف ألهو بماء
يدوخ ذاكرة
تستريح،
تراقب شيَّ الحمامْ.








حيفا جسد من هواء
قبر يزدان بأضواء
تتلألأ من زيت يطفو تحت الماء
ينتشي الشهداء الحيارى في دمهم
ينسجون حكايات الأحياء
ينامون ليلا
كما لا ننام
يسرقون الأملاح من قمحنا
يهربون،
يضحكون،
شايهم يشفي ورم الرأسِ
وسجائرهم عبَقٌ
يستضيف مساء المكانْ.








حيفا امرأة من دم ينساب سريعا في رفَحْ
يزهو الأصدقاء
بغزو اسمها اللاعج
ليتهم مترسواْ القلب حول نوافذها،
وارتدواْ
ثوبَ من غاص في دمه
واختفى خلف خائنة الأعينِ،
يزهو بانسياب الماء
على وجنتيهْ
في انتظار الخروج الأبهى
من برزخ الانتشاء
إلى برزخ الاحتفال.














قادم من زوبعة حيرى
ذاهب نحو زوبعة حيرى
جسدي تتطاير ذرّاته
في فوضى الوقت
وفوضى المكان
حيثُما حلت
يتناثر من كل حدْب
شفيف الغمامْ.


هلوسات في متاهة البياض
جرحتها، في مخدعيك تجرحك الأرض، التي
ها أنت لا تقوى على وقف النزيفْ.
ليت الذي ما بيننا
يهوي بنا
في لجة
تهوي بنا
في برزخ
يهوي بنا
في دُكْنة
تغشي العيون المتعَبهْ .
ها أنت تعوي في كهوف لا تردد الصدى
صوت الخفافيش الذي يغزو الفضاء
يعلو على ابواقك المعشوشبهْ.
" لا صوت يعلو فوق صوت المعركهْ "
فيما مضى
كنتَ الطحين والرحى
كنا الجياع المتعَبين
كنتَ الرذاذ المنتشي بزهونا بين المروج
كنا نغني للخروج
من معطف الخوف الذي يذيب عنفنا وأمعاءنا
كنت الشذى الغازي أنوف المرجَفين.
ها أنت ذا
تنهار مثل جذع نخلة سهت عن مائها الهارب
في أعماق أرض تزدهي بصهدها الكاوي ضلوع المرهقين.
ها أنت ذا
ترخي الجفونْ
تجرك النِّمال من واد إلى واد ولا شخير
يزعج المكان والزمان
زوبعْ رياح القلب وانفُضْ نقع من درَسواْ
الآن يومك الوسيم
يحتفي
بكل بسمة تهبّ
من صباح
أو هواء
أو شفهْ.
فلينفجر صراخك المخنوق في أدغال صدرك الذي يقل أوزار هَمّ
لم يحن أوان حكيه بصوت شهرزاد في مقام يحتسي
خمرا وغُنجا وشذى.
ادخل مفازة الوغى.
متاهة تعوي كما يعوي البياض
خاويةٌ على العروش
مثل زجاحة أخيرة
ولا صديق ينقر الصدى محملا بما تبقى من في خطاه
من كلام
أو صراخ
أو نعاس.
متاهة تتيه في بهو الذهول
تجر ذيلها تُهلوس الغبارَ خلفها
والظلام.
فحيح أشباح المكان
يعوي بلا ماء ولا ريق
ولا ثرثرهْ.
الآن يومك
انتصر!
طأْ جمر هذا الماء!
وانفخ في الهواء!
تأتك أنواء الجحيمْ
بغير رعد تكنس الطمي القديم
تستنهض الأجداث من نومها الطويل
تنفض الغبار.
الآن آن يومك انقلب شظايا
وظلاما
ودما.
فلتنفطر
طينا
ونارا
ورمادا
ينحني لغبشة تزهو بإيقاع الذي أدركه وهج الصباح.
أحذية بنية الأشساع
تلحو ما اختفى في القلب من ضغط
ومن تورُّم
تذرو الرياح
تَبْزُل فوهة توزع الأزيز والمكسَرات
شيئا فشيئا تنتشي
ترخي خيوط الوجه
تعلن انتزاع دبدبات وقتنا المشتهى
في ملتقى كل الوجوه والأمكنة.

رفات الحروف



يقصف القلب في هذه اللحظة الورمهْ
هل أتاك حديث انتشاء الأمشاج في ظلمة الغيب؟
يحتاج الأمر
إلى لعب عفوي،
أو إلى عنف عضلي،
أو إلى قلب أعمى
يتلو لحظة الانقطاع عن الوقت والأشياءْ
ما تيسر من أحرف
أرجوانية اللون والرائحهْ
تمتطي الأصواتَ
وتحبو في طبلة الأذن
تجرح النسغ الحيَ،
ينساب من خلل الروح الولهى
نغما هاربا
من بوتقة الموتى نحو بوتقة الموتى.
















يحتاج الأمر
إلى قهقهات الماء الدافق
بين صخور ملساء
تُزلقني
من خوف
ومن هرولهْ.
ترديني صريعا
بعيدا عن كل صوت مغيثْ
أضلعي تتناثر حولي
شظايا
هنا وهناك
تتصادى تباريحُها.


















دع هذا الغائب
في رحم الأرض يرفو خلايا هيولاه.
دعه ينمو في كل ساق تمشي،
أو تتسامق
في بهو المزن.
دع مضغته
خارج الماء
ينخرها الوقت اللولبي.









بين بدء البدء،
وبين انشطار الخلايا،
وبين انتشار الغنباز
في كل زاوية سكرى
قبو
للموت
وللظلمة البرقاء.

أحتاج الآن
إلى صهد
يُلغي ذُعري
كي أحكيَ أسطورة الفيضانْ.
آتٍ هذا الفيضانْ
هذا المنفى
النافي لغد
يتقدّم نحو مساء الأمس القصيّ
ليحييَ طلعته الباهتهْ.
في ذاك الغد الأبلق
يُطوى قلبُ الأقحوان الفتيّ
في جوف الإسمنت الأخرسْ
أو في قلب الأرض العطشى
أو في تيه المنفى.
اشتعل سيد الأزهارْ
في كل متاهْ.
وجه الأقحوان البهيّ
يفتّته الضوء.
زغب الأقحوان
يصافح كل الرياحْ.
من عتمة هذا الغموض
أشم أزيز اليبابْ.














انتهى الوقت
إنْ تستأخري ساعةً
أو تستقدمي ساعةً
لن يحرّك زُنْبُرُك الساعه
ساكنا.
لن يسيل لعاب فرائصه تحت عينيك
نامي
امرأة من رخام،
أو من ألوان
لا يستهوي بعضُها بعضَها الآخر.















انتهى الوقت.
يتنهد زنبرك الساعهْ،
يدحو بعد لأْي
منقار عقربه المرتخي
كي تفر الهنيهة من أختها.
يستحم الوقت بماء الحياة
ويلهو
كما كان يلهو بكل الحقول
يعلو صدأ الموت
زنبرك الساعهْ.
























سأعض الوقت بأضراسي
فأذا ما ارتخى حنَكي
سَمّوا الشارع الخلفيَ
بأسماء من ظعنواْ.
سمواْ ركنه الهاري
باسمي.
رب طفل حافٍ يمر
أقلام الحبر البخْس تحُفّ جلالته،
يتهجى
بجهد أطياف الموتى
ورفات الحروف.

مديح الظل المنكسر

إلى محمود درويش في بهوه الزمردي
شفتاكَ من ورقٍ
يفتّته ندى الموج المقامر بالأيادي والحصى.
ها دمعك الأنقى يسيل في لحظة حرّى
تئنّ كبيرق متهدّلٍ
سحجته ميدوزا بعينيها الرماديتينْ.
من فرط غصته ينوء بجرحه،
لا يشتهي نزق الرياح.
لكنه
من فرط حُرقته يثورْ
يهتزّ باسمكَ في المدى اللا منتهي
كي يحتفي بالأرض من حيفا إلى رفحٍ
إلى البيت الجليلْ
شق التراب،
ستختلي عما قريبْ
بقصيدةٍ
لا تنتهي
في ليلة
لا تنتهي
ترفو صوائتُها خيوط يباب ذاك القوس
في الأفق البعيد.
وجه تورد وانتفخْ.
قلب تورم وارتخى.
جسد تسامق وانكسرْ.
في ظله المسفوك غوَر
وانتثرْ.
رأس فلسْطَنَ شَِعره
فابيضّ من كمدٍ
ومن فرحٍ
ومن جريان ريق
مشبع بدم يشق الليل
نحو مدارج الوله العظيمْ.
يا صاحبي
ابتلعتك أرصفة المنافي الموحِلهْ
لا سقفَ يأوي أضلعكْ
لا ماء يروي غُلة القلب الموزّع
بين أيدٍ
لا تملّ من الهتاف
وبين أحديةٍ
تقيئ بُرازها المعدنيّ
تُردي أصابعك الرقيقةَ
كلما كتبت تقولْ:
" نامي قليلا يا ابنتي، نامي قليلا
الطائرات تعضني وتعض ما في القلب من عسل
فنامي في طريق النحل نامي
قبل أن أصحو قتيلا " (1)
ياصاحبي انتظرتك قهوة أمي طويلا
فمتى ستحسو اللمسة المسكرهْ؟
تِه في المتاه الأعورِ
أو غص في رمال الملح،
في زبد الأفولْ.
بيروت حين اغروْرقَتْ عيناك
ما احتضنت صداكْ
باريس حاضنة اللغات الهاربهْ
آوتك أسقُفُها،
وما اكترثت بريق حروفك السكرى
بماء قصيدة غجرية
تهوى التشكل في البطاح المترَعَهْ،
تبكي ظعون الأهل والأمكنهْ.
كم كان يستهويك
يامستنقع الأحزان
مدح الذاكرهْ؟
ألأنها انتشرت رمادا في الهواء؟
ألأنها الطيف المشتّت
بين كل الأزمنهْ؟
" أمريكا الطاعون
والطاعون أمريكا "
وتعطلت لغة الكلامْ
انتابك الطاعون
حين غمزتها
واستسلَمَتْ
رقطاء مقبلةً
رقطاء مدبرةً
رقطاء حين تمدَّدت لك في السرير
وارتخيت
ها أنتذا
بين الغياب والغياب
تبحر خلف قصيدة تنجر
خلف سياطها لتجلدكْ
ها قلبك المندسّ في أقماطه
حذرَ الصقيعْ
ينسلّ من أصفاده
ليفرّ نحو مغارة المتعبينْ.
ها رأسُك المحشوّ
بالحجر المقاتل
ينحني لجلالة الموت العظيمْ.
كيف انحنيتْ؟
ألأن كُوة قلبك المغموس في الكبربت والبازَلت
هدّت كبرياءكَ
فانتنيتْ. . . ؟
كيف انحنيتْ؟
. . . ولأن هلوستي رست
في مرفإ الأشلاء
والأشباح
والأجداث
والشظايا
دعني أنام هنيهة.
وإذا عزمت على الرحيل
قبيل فجر غد،
فدع عبق الخطى
يدمي المكان.
لا تنس أن تنسى
قصيدتك الأخيرة
خلف آخر خطوة لك في الندى،
فلربما أصحو
فلا أجد الهواء.

أطياف الجرح النازف و جحافل الجثت المغيرة

" لأكبلن دماءكم بدم شريد "
سليم بركات
ديوان "الجمهرات"






للجرح النازف
رائحة الشّهد البري.
من أنفاسه الدافئهْ
يتنطَّط وخْز
يُغير بعسكره
يسري ساخنا في المسامّ
وفي أوصال الحلوق.








للجرح النازف
أطياف تأتي ليلا،
تسرق الحلوى من موائدنا
وتطيرْ
تستحم بماء المزن
وتعزف موسيقى الرهبوتْ
تقشعر شقوق الرعد
وتعزف موسيقى الرّهَبوتْ
يقشعر مَريء السحاب
ويعزف موسيقى الرهبوتْ
أجواقٌ تثير النقع
تُهيّج صلصال الفيضانْ.
لي أن أتفتّت أو أتزوبع
أو أتحلّل في الحمإ الحامي.








للجرح النازف
وديان من دم نيئٍ
تستحيي الأرض العطشى
من ضوئه الأرجوانيّْ
تستعطف أهدابه الجذلى
كي يرسو في مجرى الودَجين
أين أطراف الجسد العاري؟
أين متكأ الروح الولهى؟
جسد يتوهج في عنفوان اللّهبْ
يتريّث حتى يسِحّ الجمر لُعاب الرماد
ليصحوَ من سِنة
كي يرفرف فوق قباب السحابْ
أيُّ لون لنوء شتائك يا هذا الوجه الرملي؟
لي أن أتسلّق حبل الهواء البنيّ
أو أتدحرج في حلق الحتف الأكمه.



للجرح النازف
شِلو يتلو شلوا تتلوه أشلاء
أحدج الأشلاءْ
تتراقص في ناظريّ البروق
أف لدم لا يحنّ لمجراه
أف لدم يترقرق في سفح الظل
ينسى قطرة
هرولت عجلى
في منعرج الصمت
في ليل ضرير يهجع كي لا يرى
نعلا يجتاح تلال الزعتر والأقحوانْ
لن ألوم النخيلْ
حين تشتد أوراكه الخشنهْ
يزهو
يستهزئ بالأنواء.
سألوم يدي
عندما سقطت تحت الإسمنت المنفوش
لم تلتقط أختها الهاربه.
سألوم اندلاق الأحشاء
حين هفت خرجت عجلى
من جوفي لم تنتفض.
لن ألوم الرتيلى
حين استوت
بين جِدعيْ صبّارة
قالت :
" يحتاج الأمر إلى وقت
كي أصطاد ما تشتهي النفس،
أحتاج إلى وقت كي أعنكب ما حولي،
وإلى صنَج كي أدوّخ من حولي
وإلى لغو كي أؤَمِّن ما حولي ".
لن ألوم الغُرَيرْ
دعه ينهشْ
دعه يمرّ.
سألوم شقوقيَ لمَا سهت
فتحت فمها للريحْ.
آه كيف أدير الآن عقارب هذي
الحرب وقد تاخمت غُبشةَ الفجر؟












لي أن أتخثّر
أو أتقيّح
أو أتحلّل في جوف هذا الغبارِ
وهذا الحجرْ
لي أن أرطم الهاويهْ
في رمشة عينْ
كي أَحْلِق ذقن التجلّي
أو كي أحلق حلق الحتوفْ.












نصل النصل من يده
والوقت بقايا حذاء.
هل لي أن أهتف للعصف المأكول؟
هل لي أن أخطف من بيدري الخاوي
بذرة البدء؟











شدّي عضُدي
يَتُها اللحظة الحرجهْ
قد يأتي طيف
يجر جحافل من جثتي
تتموّج
تهدر
تنفر
لا تبقي قنفذا
أو صدى قنفذ
أو بقايا أثر.


مقاطع داكنة










البحر:
يتمزق البحر العتيد
يرخي خيوط لسانه
خلف الصخور الهاربهْ
يرغي بلا موج
ولا زبدٍ
ويبكي مثل شيخ
هدّ صدره السعال.










الصمت:
هذا المساء
اغرورقت عينا السماء
اسودّ وجه الأفْق
وانتحب القمر
راودت صمتي
علَّه يخلي المكان لنشوتي الزرقاء.
لكنه اختار البقاء.
ولأنني في حاجة إلى رشاش الموج
غادرت المكانْ
متأفّفا
متأبّطا كير الرماد.










الزوبعة:
زوبعة
تموء خلف قطة
يهزّها قرن المخاض
في ليلة ظلماء لا تنتهي.
زوبعة
تٌغير مثل موجة
هزّت حبالها الرياح.
هذا الغبار الملتحي
لا ينحني
إلا لكي يجتث أجداث
الذين احترفواْ
قيلولة الوقت العتيقْ.








الموت:
ليس للموت لون
في الخريف
يتقمص لون الهواء الجريح.
في الشتاء
يرتدي جلباب غراب
يصول وحيدا
يهدد أشجار اللوز بالفيضان.
ليس للموت لون
للموت صدى أعمى
يسرق الأصوات المدلاة
في قاع البحر
ويرددها
ريحا
وحصى
وغبارْ.












الوقت:
ترفل الأقحوانة
في بهوها البنيّ
تتمطى بقامتها الهيفاء.
حول أهدابها
تتبسّم ريح الصبا.
في المساء
يختفي البنيّ
ترتخي الشفة السفلى.











الفوضى:
لم لا تبتلعك حناجر زوبعة
تأبى وقف خلخلة الأشياءْ
تشتهي الفوضى
واختلاط الأصداء
واختطاف اللحيظات السكرى .
لا باب يصفق
حين تمر
لا باب يَصِر
لم لا تنتحر خفية
خلف حائط مقبرة مقفلهْ؟












الطوطم:
كلهم خرجواْ للهتاف
كلهم لبسوا الأقنعهْ
كلهم عابواْ عزلتكْ
طوطمواْ جسدا
نفخوا فيه ماء الحياه ْ
حين قالواْ له:
ـ كن
قال لهم:
كونواْ فضلاء،
واقتفواْ أثري.









الغدر:
عندما ألفيتكَ
طفلا في يومك الثاني
تبكي عاريا
ملقىً
جنبَ الوادي
أخفيتك في معطفي،
أطعمتك من لبن المعزة الجعفاء
. . . وارتويتْ
صرت أقوى من حائط حجريّ،
أمسيت فتى
يغوي جالاتيا الحمقاء.
أف لجلاتيا
ولك.













الطوفان:
سآوي
إلى بهو برج قصيّ،
سيعصمني
من زئير المياهْ.
خذوا حذركم
من رنين الهوى
سآوي إلى فرن نار،
سأسلق نخوة تلك المياهْ











الصدى:
أبعث الصوت في كل ناحية
أترقب غيثا حزينا
من جهة واحدهْ.
لا رياح
تجيء
لا ماء
يرش الروح
لا صدى.
البياض
ينوء بكلكله القاسي.
صوتي
قاب قوسين أو أدنى
من صوتي
صوتي
صدى
صوتي.
وصدى صوتي
ريح تذرو ريحا
يذروها الصدى.









هسيس الغياب








1 ـ هسيس الغياب يقض مضاجع هذا الحضورْ.
أئن وأعرف أن أنينيَ ناي حزينٌ يسليكْ
فدعني أَمرّ سحابا جريحا يسيل هواء سموما، وماء حميما، ونارا تفوح قذى.
أئن كمن لا دواء له غير هذا الهسيسْ.





2 ـ اللام هبوب حُبيبات الضوء والماءْ
الواو انكسارْ
بين اللام والواو سرب نساء يحملن أرغفة تتخطفها أيدي العابرينْ.
اللام اشتهاءْ،
انفتاح على ضحكات الصباحْ.
الواو انكدارْ،
انكفاء على نقطة القبل
أو على نقطة البعد
أو على نقطة الصفر.
بين اللام والواو شعب سحيق
ولا منطاد يهز الروح العليلة
نحو السحاب النديّ.
كل الطرق المنذورة للبحر مغلقةٌ
كل الأصوات خبتْ
خطفت صمتها من حسيس الضباب الوديعْ
. . . واختفتْ










3 ـ كلهم غمسواْ الروح في الماء الحامي،
وطارواْ في الهواء .
كلهم عبرواْ كوّة القلب
وانصرفواْ.
ليتهم لبثواْ في السويداء ردْحا من الوقتْ
ليتهم باتوا مرحينْ،
واقتاتوا معي ما تبقى من السكر المنتشي بابتهاج الروحِ
المدلاة في جب الوقت الأثريّ
ليت متسعا من وقت المساء تبقى لي ولهم.






4 ـ لكل كتاب دواة تحيض مرارا
مداد دواتك سُمٌّ يُريق دم العين.
فاقرأ ترَ الأفْق بهوا لخط عتيق
يفوح برائحة المحو والقيء.
كبّل يديك بقفل
وغص في أتون الذهولْ.
أمامك شاهد قبر عريض
الجبينْ
يحبّر للصمت سِفْر الغبار
وطرس الطلول.
كأن الحروف تنِزّ بماء السحاب.
كان الحروف حُبيبات ضوء تنطُ،
ترشّ أزيز المسامّ
تبلّ شقوق الحلوقْ.







5 ـ مكانك يا مالك الوقت
بالأمس كان هنا بين موج
وموج.
مكانك يا بائع الأقحوان الحزين
يزلزله الوقتْ
أراه بعيدا هناك،
يقيل بباب الصمت وحيدا
يكلم بُكما يراهم سكارى
وراء الحدود.
فدعني أنام قليلا
سأصحو
وأُلفي
حدودا وراء الحدود
تقود إلى قلعة
من شواظ
يصد رياح الشمال
ويشوي العظام.





6 ـ بيني وبين الحرف النسيان
والكتابهْ
مسافة مائلة
حيرى يرشّها
طيف الذهولْ.
ها أنذا
أدفن حرفي بيدي
في لوحك الصنوبري،
فاحتفظي بخفقتي المستنفره ْ
هناك
في برزخكِ المنحوت من ضوء
ومن ريح، ومن ماء حزينْ.
وإذ يرشّكِ السحاب المنحني
يرشّني دم يهبّ
حاميا كالعويلْ
يقذف بي في باحة الذبح
وفي منعرج الارتطامْ.





7 ـ آه لو ينحني الوقت لي
لحظة كي أميل إلى ركن
يزورّ قليلا عن الكارثهْ
دعني يا صدى الانهيار
أحصي أنياب الموت؛
لكي أتمكن من شحذ أنيابي.
دعني أذبح الموت
علّي أصير سرابا
يفر من الماء
نحو الصهد
يرنو نحو الأبد المستعار
دعني أسهو
يا صدى الانهيارْ.









لهيب الماء








1 ـ سبو:
لسبو مجراه الشجي
ينساب حزينا مثل عجوز هشّم أضراسها قرن ثور خصي.
لسبو أن يرتق أشلاء رايته الرمداء، أن يخلع أسماله
أو أن ينساه الماء.



















2 ـ الفيلسوف:
ضع عينيك الحمراوين في رف المكتبه
ضع ممحاتك الوقحه، وانصرف أيها الفيلسوف الشقي.
سفسطت بما يكفي.
دع عنك الجدل،
ليس منا من يشتهي معنى الأشياء
دعك سكرانَ صحبة أهل الكهف.
رُبّ جرعةِ سمٍّ أشهى من وجع الأسئله.




















3 ـ المساء:
باهت لون هذا المساء
واجهات البنايات مطلية بطلاء غبي
فتيات يعربدن مثل طلول مهترئه
عبس الأعشى، صار حطابا ينتشي كلما سقطت شجره.
شاحب لون هذا المساء.


























4 ـ الحزن:
إثمد أعمى يجتاز حدود الجفون،
يجتاح حدود الحدود
عضدي عضُد الحزن الملتوي حول أحشائك النافره
يَتُها الدِّفلى الذابله.
















5 ـ الفَنَك:
أنت لا ترعوي، زوبعت فناجيننا كي نراك
أيها الفنك المتباهي بشاربه البهلواني.
نرجسي هواك، مثل خاتمك المرشوش بقيح البعوض وماء الصدأ.
ها أنتذا في ذروة الانتشاءْ، تزهو وحولك القبور تطرق أبواب السحاب، علّ السماء
تروي جذور سدرة المنتهى
ها أنت تستظل تحت سدرة المنتهى
فاهنأ قليلا أو كثيرا
واختبئ في كمّ رعبك الدفيء . . . كلّما حل المساء.












6 ـ الشهيد:
قتلوك أخي!
ليت أسواطهم أشفقت لحظة كي تشهق أنفاسُك الحرّى
شهقة تخرِج الروح من ضنك الوقت القاسي
مرة واحده.
ليت أصواتهم هدأت لحظة كي تغادرهم بهدوء وسيم
نحو برزخك المروي بماء يهمي دما في أوراق الأقحوان.
ليتهم ـ حين هاجمهم بغثة دمك النافرـ ارتعشواْ!
صم عمي قاتلوك، لم يروا ضوءك القزحيّ يلألئُ كل مساء حزين.
ليتهم صُعقواْ حين اقتحفوا قحفك المقفول على القمقم السحري!
ماذا وجدواْ حين خشحش قحفك وامتخ منتثراً فوق أزرارهم؟
ليتهم بُهتواْ!
كيف اختطفوا وجهك المتوهج في برزخ الوقت الأزلي؟
ليت فرحتهم بلسمت رعبهم، وهوت بمناديلهم في غور الجنون!
يا أخي،
حين امتخ قحفك منتثراً هربواْ.
ألفيتك وحدك
يا . . .
يا أخي
مرفوسا في دمك اللزج العاري، في ركن قان قصيٍّ، تئن من الوخزِ
أين ألفيك الآن
يا . . .
يا أخي
يا حبيِّب نفسي وقد خنتني حين أسريت في جوف الليل ممتطيا هودجا
يتهادى فوق بساط السحاب، تاركا حلقي المتقيِّحَ
تهرب منه حبيبات الريقِ
يهرب منه رسيس الهواءْ.














7 ـ الرائحه:
تواتر النباح هذا المساء
كأن موعد الوليمة ابتدأ
فلتنفر الكواسر المزمجره
ولتنفر الكلابُ قبل أن تتيه الرائحهْ
كم من ضباع ستجيء ؟
كم ثعلب سينتشي ؟
لولا النباح ما نتنت أصداء هذا المساء.













8 ـ اللهاث:
لاهثا خلف المعنى ألوي عنق المتداركِ
علّيَ أغفو كي يأتي ضوء لا يفضي إلاّ إلى عتمة تأوي شرر الماءْ.
فاعلن
فا. . فا
فاعلن
لي أن أستل خيوط اليباب، سأسرطن ما أبقاه الوقت الغبيّ
من هنيهات صفراء تموء مواء المساء الطريدْ.
جئت من كبوة لم تثر شرراً، لم تثر عاصفه
أين بدء انبثاق الضوء؟
أين بدء الحضورْ
في ذاك الفضاء النديَ، الشجيّ، المهندس للرغبات؟
















9 ـ السَّموم:
الآن فقط، أستطيع استنشاق ريح سَموم
تهب من الأطلسي، تشوي أعضائي، تعدو بي شرقا صوب قرطاج.
أصفع الباب خلفي وأعدو في كل ناحيةٍ. هل أحط رحالي في عدنٍ؟
هل تسري سَمومي بي وبصهدي إلى بور سعيد؟
كلاّ، ليس لي بدء كي أُتمّ الطواف
أنا لحظة الاحتراقْ
أزفتْ
كل هذا الحطام الممتد شرقا وغربا في قبضتي
انفثي شرركْ يا رياح السمومْ
في قفا كل ماء أجاج يقول: " أنا فالق القش والنار، فاقئ كل نوىً يتهيأ للانبثاقْ "








10 ـ تونس:
هنيئا لصوت صحا، ولحى وقته العذبَ، دحاه بعيدا
وراء الصدى . . . واحترقْ.
مريئا لذرّات ذاك الرفاتِ المسجّى بجمر اللبانِ وماء السحابْ.
لذرّات ذاك الرفات المفتّتِ أن تتجول في كل وادٍ،
وأن توقد النار في كل دارٍ وفي كل حاره.
وسهلا
بنار تفوح شظايا، تغلّي مياه إله المياه
يهز إله المياهِ جناحيه في الماءْ، تفور البراكين
بحرا
وجوا
وأرضا
تشق طريق البشاره.
فمرحى بماء يكر إلى النارِصوب إله المياهْ.
وبرحى
بماءٍ
يلوذ
بماءٍ
يلوذ
بغارٍ
يلوذ
بصمتٍ
ينام وحيدا بلا صوت ريحٍ يبث شهيقا، يجرّ زفيرا، يدير عقارب وقتٍ تدير حياة الفصولْ.
حين انتفض الماء الفائر قالت الأم للماء:
ـ أطفئ النار
قال الماء:
ـ أنا لا أطفئ النار "
فار التنّور وفاض الماء، قيل للأرض:
ـ ابتلعي الماء
قالت الأرض الخاثره:
ـ أنا لا أبتلع الماء
قيل للنار:
ـ اسلقي الماء
قالت النار الثائره:
ـ عندما يأذن الماء
صار الماء فورة كل السيول، صارت النار زوبعةً تطّاير خلف الغمام
" قال الأب للعصا:
ـ اضربي الولد
قالت العصا:
ـ أنا لا أضرب الولد "
عصت العصا أمر الخطاب الملتحي بدم الهتافْ
وتوقف الوقت المزمجر برهةً. طويَ الكتابْ
فلترحلنّ الآن يا " صاحبي "
لا يسلمنْ منا أحدْ
منا يسيل دم الهتافِ مهرهرا يسقي الحقول
Go out
لا يسلمنْ منا أحدْ
منّا تهيج بداية الأبدية المتوهّجهْ
ارحل
لا يسلَمَنْ منا أحدْ
لا يسلَمَنْ منا أحدْ





11 ـ وبعد،
لم أغسل ثيابي بعد، هل أسافر ليلاً إليكِ وقد سامني صوتك العذبُ سوء الأذى؟
هل تغَشّي حُبيبات هذا الليل الكفيف لواحظ أعدائي كي أمرّ، كي أهجر وقتي وأسعى إليك؟
ليت الوقت أنصفني مرة واحدهْ
كي أرمم أشيائي وأسافرَ في غيبة عنك، عني، عن كل شيءْ
ليت الوقت أنصفني مرة واحدهْ
لا يسلمنْ منا أحدْ
لا يسلمنْ منا أحدْ.
















الفهرس

مغارة الهباء المهترئ ..........................................................................................1
جغرافية اليباب .....................................................................................................7
بين وهج الصوت وانكسار الصدى .................................................................12
شسع الحذاء الأرجواني ..............................................................................19
هيولى الليل وتكون التفاصيل 26..............................................................................
انشطار المرايا وتصدع الوجه والمكان 41...................................................................
انفطار الروح في الليل الضاحك 58...................................................................
توطئة لحالة الطوارئ 68.........................................................................................
81................................................................................................قادم من صفير الرياح
98..........................................................................................هلوسات في متاهة البياض
101......................................................................................................رفات الحروف
109............................................................................................... .مديح الظل المنكسر
113.................................................................. أطياف الجرح النازف و جحافل الجثت المغير
121........................................................................................................ مقاطع داكنة
131 .....................................................................................................هسيس الغياب
138.........................................................................................................لهيب الماء







اخر الافلام

.. عام على الأزمة الخليجية.. ماذا تبقى من المسرحية؟


.. المشاء- الموسيقى العُمانية.. مفتاح السلطنة


.. بعد مرور أكثر من 30 سنة.. الفنان الكبير مقدام عبد الرضا يج




.. رحيل الأديب الأمريكي فيليب روث


.. الشاعر محمد احمد بهجت : حذاء رجالى وراء قصة حب وزواج أبى وأم