الحوار المتمدن - موبايل



مصر 2018

السيد نصر الدين السيد

2018 / 2 / 14
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


"سيناء 2018" هو الاسم الذي أطلقته القوات المسلحة المصرية على العملية التي تشترك فيها كافة افرعها الرئيسية (القوات البرية والجوية والبحرية) وتهدف الى القضاء على البؤر الإرهابية، أو أماكن تجمع الجهاديين، في كافة انحاء بر مصر وبالذات في شمال ووسط سيناء. وهي عملية غير مسبوقة في اتساع نطاق تنفيذها.
وبالطبع فإن استخدام القوة فقط لاستئصال بؤر الإرهاب هو امر ضروري لمواجهة من يستخدم العنف المادي كأداة لإجبار الآخرين على اعتناق ما يؤمن بصحته من أفكار، ولكنه بالقطع ليس كافيا للقضاء على هذه الظاهرة قضاء مبرم. فقطف الثمار الفاسدة لن يمنع الشجرة التي أنتجتها من انتاج غيرها طالما تُركت تضرب بجذورها في عمق الأرض. فممارسو العنف باسم الدين أيا كان موقعهم ليسوا الا نتاج منظومة فكرية تقوم على أربع مرتكزات هي: المؤامرة الغربية، مرجعية النص، الماضوية، الانغلاق.
أول المرتكزات هو فكرة " المؤامرة الغربية" ومضمونها هو ان كل ما يحدث للدول الإسلامية من كوارث هو من تدبير بعض من دول أوروبا الغربية (بريطانيا وفرنسا في المقام الأول) والولايات المتحدة وذلك خوفا عودة الإسلام كعنصر فاعل على الصعيد الدولي كما كان. وكانت بداية هذه الفكرة (او الأسطورة) في 3 مارس 1924. ففي هذا التاريخ كان اعلان نهاية الإمبراطورية العثمانية عن عمر بلغ 625 عام وتفككها الى دول مستقلة. ومع نهاية الإمبراطورية كانت نهاية الخلافة الإسلامية التي آلت لسلاطين بني عثمان بعد غزو السلطان سليم لمصر سنة 1517 ودامت معهم لمدة 407 سنة.
وثاني المرتكزات هو مبدأ "مرجعية النص" فالنص الشرعي هو المرجع وهو الحاكم في حياة المسلمين والعقل مصدر تابع له. او بعبارة أخرى أن تكون مرجعية التشريع الوحيدة في الدستور والقوانين هي الشريعة الإسلامية بما تحمله من مصادر أصلية وفرعية وتعني أن الحكم والتشريع هو حق خالص للخالق، فأي إضافة مساوية أو إباحة للأخذ من مرجعية أخرى بجانب الشريعة الإسلامية فهذا شرك وكفر بالله الخالق (مبدأ الحاكمية).
وثالث المرتكزات هو "الماضوية"، او نظرتهم للتاريخ ذات التوجه الماضوي Past-Oriented التي تعني في المقام الاول بالحفاظ على التقاليد والتمسك بالمألوف. والماضي في عرف هذه المنظومة، سواء كان حقيقي او متخيل، هو المصدر الرئيسي لكل ما يتعلق بإدارة شئون الحاضر وللنماذج التي يجب ان تحتذى. منظومة تقدس فكر الاسلاف وتنظر الى المستقبل بوصفه إعادة لإنتاج الماضي، فهي لا تتقبل المخاطرة ولا تجرؤ على التجديد. نظرة يصوغها الامام مالك (711-795م) صياغة بليغة في قوله "وَلَا يُصْلِحُ آخرَ هذه الأمة إلا ما أصْلَحَ أَوَّلَهَا". وبالطبع ما أصلح أول الامة هو النصوص المقدسة وما فهمه السلف الصالح منها وتفسيراتهم لها. وهكذا يتغاضى أصحاب هذه النظرة عما انتجته البشرية من معارف وما اكتسبته من خبرات في الـ 14 قرن الأخيرة. انها باختصار النظرة المقلوبة لتاريخ الانسان باعتباره مسيرة تدهور وانحطاط لا مسيرة تقدم وارتقاء.
وآخر المرتكزات هو "الانغلاق" (أو الانطواء على الذات). فـهذه المنظومة، من منظور نظرية المنظومات Systems Theory، هي بالضرورة منظومة "منغلقة" Closed على نفسها، ومكتفية بذاتها، وذلك بتمركزها حول النص المقدس وتفسيراته. والنص المقدس، بكلماته المحدودة قطعية الثبوت التي لا تخضع لزيادة أو نقصان، لا يسرى عليه ما يسرى على كيانات الواقع من قوانين "التطور" و"التكيف". ويأتي معتقد "الولاء والبراء"، الذي يعتبر ركن من أركان العقيدة وشرط من شروط الإيمان، ليحكم من عملية الانغلاق. و"الولاء" هو حُب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ونصرتهم. اما "البراء " فهو بُغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين، من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق. ومن صور موالاة الكفار أمور شتى ، منها : التشبه بهم في اللباس والكلام، الإقامة في بلادهم ، وعدم الانتقال منها إلا بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين، السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس، اتخاذهم بطانة ومستشارين ، التأريخ بتاريخهم خصوصًا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلاد ، التسمي بأسمائهم، مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها، مدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة، والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم دون النظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد ، الاستغفار لهم والترحم عليهم .
ويؤدي انغلاق "منظومة الفكر الديني" الى نتائج بعيدة الأثر على من يتبناهاـ فبداية زيادة عدد من يعتبرهم المتدين من الاعداء. فعلى سبيل المثال تأتينا كلمات الشيخ الباكستاني مسعود محمد أزهر، أحد الداعين الى الجهاد في كشمير واحد رؤساء مجموعة جيش المسلحة، معبرة عن هذا التوجه:
"ان الغرب يكن عداوة لا تهدأ لأسباب تتصل بالدين والقوة، فالمسلمين هم آخر فئة استطاعت أن تثبت أمام الهيمنة الغربية على العالم. فهؤلاء الكفرة الغربيون مصرون على اجتثاث الإسلام كقوة من خلال بسط هيمنتهم الغربية الشاملة. لقد وطنوا أنفسهم على أن "السلفية-الأصولية" هي عدو الهيمنة الغربية ونفوذها العالمي" (فوللر, 2012).
وتوجز كلمات صلاح سالم نتائج الانغلاق في الفقرة التالية:
"الانفصال الكامل عن تيار الحضارة الإنسانية ... وما يفرضه ذلك من تصور سلفي للتاريخ يعتقد أن عودة الجماعة المسلمة الى أصالة الماضي كفيلة وحدها، أو بشكل رئيسي، بإقالة الأمة من عثرتها دونما الحاجة إلى النقل عن الآخرين أو الاقتباس منهم. الأمر الذي يخلق انشغالا عبثيا بقضية الهوية بديلا عن الانفتاح على العالم، والنزعة العدوانية بديلا عن التعاطي الإيجابي معه، والرغبة في التعلم منه" (سالم, 2014).

كانت هذه ملامح المنظومة التي تهيئ شباب الامة للالتحاق ببؤر الإرهاب والتي تنتشر منافذها عبر ربوع المحروسة مشكلة شبكة من "حاضنات الإرهاب". ان نجاح العملية "سيناء 2018" واستدامة هذا النجاح مرهون بتنفيذ عملية اكثر صعوبة وهى عملية "مصر 2018" للسيطرة على حاضنات الارهاب .

المراجع
سالم, ص. 2014. الاساطير المؤسسة للإسلام السياسي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
فوللر, ج. 2012. مستقبل الاسلام السياسي. القاهرة: مركز جامعة القاهرة للغات والترجمة.







اخر الافلام

.. عبد العزيز الخميس: سقوط الحلم الاقتصادي التركي أدى إلى انهيا


.. مخاوف تنظيم الإخوان الإرهابي من تغير الأوضاع في تركيا


.. مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة في برنامج - بين سام وعما




.. شاهد: استمرار عملية ترميم الجامع الأموي الكبير في حلب


.. جائزة جميل للفن الاسلامي لأول مرة بفائزين