الحوار المتمدن - موبايل



فشل سياسة البلكونة الإسرائيلية

يعقوب بن افرات

2018 / 2 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


سقوط طائرة ال F16 الإسرائيلية كان إنجازًا تاريخيًا لجيشٍ وجّه كل جهوده وكبريائه العسكري في السنوات الأخيرة لقتل المواطن السوري وتدمير المدن السورية حيث لم يُبق من البلد سوى الخراب. وقد استخدم النظام السوري إسقاط الطائرة الإسرائيلية لرفع معنوياته ونظّم إحتفالات في شوارع دمشق لتغطية جرائمه وإفلاسه.
الجيش الإسرائيلي من جانبه تلقى خبر سقوط الطائرة بصدمة لدرجة أنه لأول مرة يضطر قائد الفيلق الجوي أن يظهر على الشاشات وأن يوضح من خلال شبكات التواصل الاجتماعي بأن سلاح الجو الإسرائيلي بخير وأن الغارات على سوريا ستستمر كالمعتاد.
هذه أول مرّة تعترف إسرائيل بقيامها بعمليات حربية على الأرض السورية، وكان إسقاط الطائرة المسيرة الإيرانية داخل الأراضي الإسرائيلية فرصة انتظرتها إسرائيل منذ زمن لكشف وفضح الوجود الإيراني العدواني في سورية وإثبات قدرة إسرائيل على التحري، التنصت، وضرب كل هدف إيراني على الأرض السورية متى وكيف تشاء. غير أن إسقاط ال F16 قد أحبط الإنجاز وورط إسرائيل بحادث لم يكن في حسبانها.
منذ 6 سنوات تحوم إسرائيل في الأجواء السورية، بالتنسيق الكامل مع الروس، دون أن تتعرض لأي مشكلة، وطالما حافظت على الصمت كان من الممكن أن تستمر بذلك وهي المستفيدة مرتين، مرة بإشهار تفوقها العسكري المطلق ومرة أخرى بإذلال النظام السوري الفاقد للشرعية. الا أنه كان على إسرائيل هذه المرّة أن تعيد الاعتبار لنفسها وقبل أن تفكر كثيرًا قامت بقصفٍ انتقامي شمل 12 موقعًا عسكريًا سوريًا وإيرانيًا وقضت على نصف الدفاعات الجوية السورية. وبعد ذلك جاء وقت التفكير، كيف يمكن لجم الأمور واحتواء الأزمة كي لا تتدهور إلى حرب شاملة لا إسرائيل تريدها ولا إيران.
إن السلاح الأهم على الساحة السورية هو الهاتف، فقد اجتمع نتانياهو، ليبرمان ورئيس الأركان في تل ابيب وأمامهم عدد من الهواتف من كل الألوان حسب الخط: خط مع البيت الأبيض، خط مع الكرملين وخطوط فرعية مع مصر، تركيا، الأردن وكل من له صلة في القضية السورية، وهم كثر. يصعب التمييز على الساحة السورية بين عدو وحليف: فروسيا وأمريكا خصوم في سورية ولكن كلاهما حليف لإسرائيل، أما روسيا فحليفة للنظام الذي يقاتل الأتراك وهي في الوقت نفسه حليفة تركيا التي تقاتل الأكراد الذين يتحالفون مع الأمريكان وفي نفس الوقت يستندون على النظام السوري في عفرين لصد الهجوم التركي. أما إسرائيل فعدوة للنظام ولإيران وهما حلفاء مع موسكو. وبنفس الوقت الأمريكان والروس حلفاء مع تركيا التي تعادي إسرائيل.
نريد أن نذّكر القارئ، بأن داعش قد اختفى عن المشهد بعد أن سقطت مدينة الرّقة بيد الأمريكان ومعها دير الزور ولم يبق من الدولة الإسلامية سوى ذكرى غابرة عن جسم غريب تم استئصاله بالنجاح ومع ذلك ما زال السرطان ينتشر على طول وعرض الجسم السوري. فاختفاء داعش أبقى فراغًا امتلأ بأمريكان، روس، إيرانيين، ميليشيات شيعية من كل الأجناس، أكراد، أتراك، أردنيين، مليشيات سورية من شتى الأنواع تعمل لصالح من يموّلها، وانضمت إلى هذه الفوضى اسرائيل التي استمتعت من حمام الدم السوري وهي تشرف من البلكونة وتتمنى أن لا ينتهي. إنسانيتها اختصرت على فتح ممر في الجولان السوري لنقل المصابين السوريين إلى مستشفياتها وتوفير الإمدادات للميليشيات المعارضة للنظام مقابل حفاظها على أمن الحدود الإسرائيلية السورية.
اليوم، وبعد أن أعلن بوتين انتصاره من مطار حميميم السوري، وترمب تباهى بانتصاره على داعش، وإيران احتفلت باستكمال الهلال الشيعي، والأسد يحلم في استعادة سيطرته الكاملة، تذكرت إسرائيل بانها تريد حصتها من الكعكة والأهم من ذلك تريد من إيران أن تتنازل عن حصتها. وكان الرد من كل الأطراف مجتمعين، "تأخرت كثيرا" والأمور لن تعود إلى الوراء. فقد أوضح بوتين أن إيران حليفًا استراتيجيًا في سوريا ولا وجود للأسد دون حضورها العسكري، أما الأمريكان فليسوا مستعدين للمخاطرة بجنودهم من أجل حليفهم المدلل مما يضع إسرائيل أمام خيارات صعبة بل ومعقدة للغاية.
وإذا صحّ أن إسرائيل لا تريد من سوريا الكثير غير الحفاظ على الجولان المحتل منذ 1967 في يدها، إلّا أن وجود إيران في دمشق يسبب بنظرها خطرًا استراتيجيًا مباشرًا عليها. ويردد الإسرائيليون في كل مناسبة بأن مصير النظام السوري في يدهم وإن هم أرادوا لن يصمد يومًا واحدًا، الأمر الذي سيُسقط من الإيرانيين والروس الغطاء الشرعي لوجودهم في سورية.
إلّا أن البديل للوجود الإيراني والروسي هو الفوضى ومن هنا يبقى النظام السوري أهون الشرّين بالنسبة لإسرائيل. هكذا كان أيام الأب حافظ ولا يزال كذلك في أيام وريثه بشار. وبالمجمل لا مصلحة لإسرائيل بالحرب، لا في سورية، لا في لبنان ولا حتى في غزة. إن كل الساحات تعيش وضعًا من الإنهيار على كل المستويات وبعد تجارب طويلة وفاشلة تعلمت إسرائيل درسًا مفاده بأن الحرب لا تحل المشكلة بل تعقّدها أكثر.
أما إيران لا تريد الحرب مع إسرائيل أيضًا، المظاهرات ضد النظام قد انتهت ولكن حركة الاحتجاج مستمرة، إما من خلال خلع الحجاب عن رأس النساء، أو تجمعات ليلية صغيرة على امتداد البلاد التي تنادي بإسقاط النظام ووقف إهدار الأموال بالحروب الخارجية وتحديدًا في سورية. نعم إيران ضعيفة لكي تواجه إسرائيل، الأسد قد فقد أغلبية جيشه والروس يحسبون لإسرائيل ألف حساب ولكن لا أحد يقيم حسابًا للشعب السوري نفسه. ربما تجنبت إسرائيل وإيران الحرب بينهما بفضل الهاتف ولكن الحرب على الشعب السوري الأعزل مستمرة دون هوادة وليس للشعب السوري هاتفًا ليستنجد بأحد.
إن الروس، وإيران والنظام يُسقطون كل ما في أيديهم على المواطنين في إدلب وغوطة دمشق انتقاما على فشل مؤتمر سوتشي قبل اسبوعين، وصور الأطفال، الآباء والأمهات يموتون تحت الأنقاض لا تعني كل هؤلاء الذي يتحاربون في سوريا بلا أن يحملو ذرة إنسانية داخلهم.
إن كل طرف يدّعي الحق، فمن حق أمريكا أن تدافع عن أمنها القومي وتحارب داعش، ومن حق الأكراد أن يقيمو حكمًا ذاتيًا في "روج آفا"، وتركيا لها الحق بأن تحمي حدودها من الإرهابيين الأكراد حتى وهم يتمتعون بحماية أمريكية، ومن حق الروس أن يتدخلو بإيعاز من النظام، وأن تحمي إيران حليفها الاستراتيجي، وأن تحمي إسرائيل نفسها من التهديد الإيراني وأن يجتمعو كلّهم في محاربة الإرهاب. ولكن ليس لكل هؤلاء الحق بأن يدمرو سورية، ولا أن يذبحو نصف مليون إنسان، ولا أن يشردو 10 ملايين لاجئ، ولا أن يعتقلو 200000 ناشط سوري من المطالبين بالحرية والديمقراطية.
ففي الواقع لا أحد على حق، كلهم دون استثناء متورطين بدرجة أو أخرى بجرائم الحرب التي يقترفها النظام السوري يوميًا ضد شعبه إما من خلال الصمت أو القتل المتعمد. إن الضمير، العقل، الحس الإنساني لا يمكن أن يتحمل المشهد الرهيب الذي يخرج من سوريا. هذا هو الموضوع الرئيسي الذي لا يتكلم عنه أحد، وما دامت المذبحة مستمرة، والأسد باقيًا في قصره، كل المجرمون، من الكبير إلى الصغير سيواصلون تورطهم في سوريا ومصير كل واحد منهم دون استثناء سيكون مثل مصير بشار الأسد، فهم كلهم دون استثناء شركاء في جريمة القرن.
ألف طائرة F16 لا تساوي حياة طفل سوري في الغوطة الشرقية، وألف انتصار وهمي على إسرائيل لن يغفر ما قام به النظام السوري وحلفاءه بحق الشعب السوري.







اخر الافلام

.. إيران.. ورغبة واشنطن بإطاحة النظام


.. اليمن.. حماية الملاحة الدولية من خطر ميليشيات الحوثيين


.. أجواء مدينة القدس في رمضان




.. محمد هنيدي يخص تفاعلكم بحوار عن أرض النفاق والحبة التي يتمنى


.. سلاح المقاطعة: -خليه يريب- المغرب نموذجًا | السلطة الخامسة