الحوار المتمدن - موبايل



ثورة العشرين بمواجهة الثورتين الفرنسية والروسية(1/2)

عبدالامير الركابي

2018 / 2 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


ثورة العشرين بمواجهة الثورتين الفرنسية والروسية(1/2)
عبدالاميرالركابي

عرفت انتقالة الغرب الأوربي الى الراسمالية، ثورتين كبريين، الأولى الفرنسية، ووقعت في مكان كلاسيكي من حيث مستوى نضج تطوره، وفي مجتمع دينامي راديكالي، شهد حدثا بمنتهى الجذرية والعنف ( ذهب ضحية الثورة 800 الف من اصل 27 مليون نسمة تعداد سكان فرنسا وقتها) أي مايقارب 1 من كل 28 من السكان، واثمرت اعلى صيغ وخلاصات مفاهيم الثورة البرجوازية (حرية ـ اخاء ـ مساواة )، وثورة ثانية أخيرة في القرن العشرين، وقعت في الطرف نصف الاسيوي من اوربا، حيث البرجوازية الواقعة عند اخر سلم التطور، في مجتمع دينامي هو الاخر، يمازج بين الاستبدادية الاسيوية، والراسمالية المتاخرة، واتخذت طابع الاختزال بفعل تأخر البنى، والواجهة "الاشتراكية" التي كانت ظهرت في اوربا الغربية في القرن التاسع عشر، عرفت بثورة أكتوبر 1917.
وهذان هما الحدثان الدالان على اقصى الزخم المجتمعي التغييري الانقلابي، المحايث والمواكب للانقلاب الصناعي والبرجوازي، وهما قمته ونهايته كمشروع، انتهى ايديلوجيا مغلقا، ومعدوم الأفق على صعيد حركة التاريخ الابعد، او ماوراءه، اذا قصدنا الاستمرارية، بعد تحكم الايديلوجيات، ونزعات الاختزال المجتمعي المدمرة، والحروب الكونية في القرن العشرين، ماافضى لمقتل مايقرب من 70 مليون انسان، مع انهيار فعالية وحيوية اوربا، وتوقف دينامياتها، الحقت بعدد مقارب من سكان أمريكا الأصليين، ابيدوا على يد المستعمرين الاستيطانيين الغربيين للقارة الامريكية الشمالية.
في مكان من العالم يحسب على معسكر القوى "المستعمرة" بفتح الراء، وقوى ماقبل الراسمالية، المستعمرة، في الشرق المتوسطي، قامت على وقع الاحتلال الإنكليزي للبلد المذكور عام 1920 ثورة تنتمي لعالم اخر، هي على وشك ان تبدا بالتعبير عن ذاتها وطبيعتها المطموسه، بينما هي تشارف على بلوغ القرن من عمرها، ولا شيء يدل على انها ستحظى بالاهتمام الذي تلقاه ولقيته ثورة روسيا طيلة العام المنصرم، والى الان، باعتبار بلوغها سن القرن الزمني، واهم ماينبغي ان يلاحظ على الثورة العراقية، انها عاشت عمرها كله وهي في حالة مصادرة واستلاب مفهومي، دون ان تتوفر لها مقومات وأسباب الإفصاح عن ذاتها، وكينونتها. الأهم من ذلك، كونها ظلت منذ الثلاثينات مزاحة كليا، تحت وطاة المنظور الغربي الايديلوجي الحزبي القاهر، والمشوه لحقيقتها، وطبيعة ماتنتسب اليه من مفاهيم وقيم، واحتمالات تاريخية.
واهم من كل عناصر الرؤية الغربية الغالبية، تبدو التحقيبية التاريخية للزمنية الإنسانية، الأخطر في إضفاء المواصفات وتعيين الاحكام، كمثل تكريس الاعتبار الاني للقيمة التاريخية، بحيث يحكم مثلا على حدث ما، بضوء انيته، وبناء على جملة الاشتراطات المحيطة به والمواكبة له خلال اللحظة، وهذا ملمح تكريسي يريد فرض أحادية نموذج الغرب وابديته المطلقة، بالضد من اية احتمالية يمكن ان تخترقه، او تفتح النظر على ماوراءه من ممكنات، مايجعل اعتيادا من غير الجائز، بناء على الشائع، وبالمطلق، تصوّر انتماء حدث صغير مثل الثورة العراقية لاليات "مابعد غرب"، وكل من يجازف ويطلق تقديرا كهذا، يعلم بان عليه لكي يثبت وجهة نظره، تقديم منظومة شاملة من الرؤى للتاريخ والعالم، والاحتمالات الكبرى.
وفي حالة العراق يستحق مثل هذا التناول لابل يوجب، الوفاء بكل مقتضيات اثبات الرؤية المضادة للمنظور الغربي، على أساس وقاعدة، الرفعة البنيوية للكيانية العراقية، باعتبار العراق كيانا "مزدوجا"، نشأ في التاريخ على تلك الشاكلة، من "مجتمع لادولة" و"مجتمع دولة تمايزية قاهرة"، متساكنين في بقعة جغرافية واحدة، متناقضين متصارعين ومتشابكين، وهذا النمط من المجتمعات، اعلى من سواه من اشكال المجتمعية المعروفة في العالم، والتي هي على العموم "أحادية"، اما كمجتمعات دولة، واقدم وابرز نماذجها الحالة المصرية، وارفعها تركيبا وأكثرها دينامية، المجتمع الأحادي الأوربي "الطبقي". يقابلها جمع من مجتمعات "اللادولة" الأحادية، كما الحال في أمريكيا وأستراليا، وامريكا اللاتينية، وبعض افريقيا واسيا.
ولن يقبل بالطبع من يظنون ان الحقائق قابله للتوقف عند نقطة بعينها مهما تكن، ان يتصوروا بان الوعي الإنساني بالمجتمعية، قد بلغ منتهاه في القرن التاسع عشر، مع ظهور علم المجتمعات والماركسية، او ان البشرية وقتها قد بلغت نهاية الشوط في تحرياتها، وممكنات اكتشافها على صعيد "العلم الجديد"، او احدث العلوم، بعد ان ظل الانسان لالاف السنين عاجزا عقليا عن ربط العملية المجتمعية بالاسباب، او القوانين، ومن ذلك على سبيل المثال إمكانية بلوغ العقل البشري ذروة أخرى، تصل حد ادراك طبيعة نمط "الازدواج المجتمعي" الذي ظل الى اليوم، وبعد سبعة الاف عام "مما لايمكن افتكاره".
ولسنا بصدد الترويج للحكمة الغامضة، المضمرة في التاريخ والمجتمعية،الا اننا لن نقبل التعبد السائر منذ وقت غير قصير، خصوصا بين أنماط من الوعي العالم ثالثي المحدود لاسباب موضوعية، وتحديدا في النظر للغرب، مما يولد مايمكن تسميته "الاستسلام الطوعي للغرب"، علما بان ركامات من الأدلة، تشير الى عقم التجربة الغربية، ونهايتها، واستحالات خروجها من مازقها الراهن، او ان تكون قوة "تقدم" بالمطلق، او مما لايمكن تصور، او توقع بديل عنه، لاشك ان نهضة الغرب وحداثته الراهنة، قد اضافت لقوى التاريخ ولالياته، ومسارات حياة الإنسانية، وسائل دفع هائلة على المستويات كافة، الا ان هذا لايعني ان تلك المنجزات هي غربية بحته من جهة، او لاسابق لها، ولم تستند الى مقابلها من فعل جبار انساني، كما انها لاتعني، ولايجب ان تعني انها تعطي الغرب حق مصادرة التاريخ واحتمالاته، او توقع انقلابه القيمي والمفهومي والمادي.
ولدى البشرية اليوم مالايحصى من الأسباب، من الطبيعي ان تدفعها بدل التذمر والمطالبة باحقاق الحقوق، واتباع سياسات متفقه مع مصلحة الكوكب، الى البدء بالتيقن من ان الغرب الحالي ببنيته، من اللزوم تجاوزه كطور ومرحله تاريخية، الامر الذي يشمل مجمل تجاربة ودلالاته الرئيسية بما فيها المعروفة ب " الاشتراكية"/ هذا لايعني توقف هذا الأفق بظهور احتمالات أخرى تفضي اليه/ وثمة ماقد يتلائم بهذا الصدد، حتى مع العقلانية التحليلية التاريخية الغربية نفسها، بخصوص أداء الغرب لمهمة او دور، والدفع بطاقات وقوى الإنتاج الى مايتجاوز ويتعدى ولايتلائم مع بنيتها، ومن ذلك اليوم لحظة الانتقال من الإنتاج الالي والمعمل، الى التكنولوجيا والإنتاج العقلي المعرفي، الامر الذي لانعرف الى الان، اذا كان الغرب قادرا على التلاؤم معه،او مواصلة نفس دوره المتقدم عالميا، مع ترسخه وتحوله التدريجي لقوة رئيسية غالبة ومقررة.
ان نمط " مجتمع اللادولة" براينا هو الصيغة المطابقة، التي تؤمن للإنسانية بحسب راينا، وعلى اكمل صيغة ممكنة، عملية الانتقال الكبير المنتظرة من الان فصاعدا، والازمة المستمرة الخانقة التي يتخبط فيها الغرب اليوم، والتي تعود أصولها الى القرن المنصرم،وحتى ماقبله، لن تنتهي باستعادة الغرب المبادرة، لان المطلوب يتعدى الممكنات البنيوية لمجتمع الطبقية الأحادي الغربي الأوربي، على وجه التحديد، وهو يحتاج الى انقلاب وثورة في القارة الامريكية بالذات تخلصها من ارث الغرب، الذي حملته معها اضطرارا وكبديل عن متعذر، ولن يحدث هذا من دون تحفيز يأتي من بؤرة تكون متطابقة من المقتضيات المستجدة انتاجيا ومجتمعيا.
لقد تسببت تجربة الغرب، بما لايمكن تخيله من الالام والمخاطر والجرائم الوحشية، والبؤس الإنساني، وتسليع الكائن البشري، وفرض استهلاكيته، والدين الوحيد الذي ظل يحكم هذا العالم، هو الجشع،والربحية الأقصى، على حساب كل القيم، فلم يسبق لقوة ان أوصلت البشرية لحافة الفناء، واستشراء المرض، مع عمل ماكنة الطب المخططة، والتمايز القاهر بين الأمم والشعوب، وانغلاق الأفق باسم التقدم، واستغلال اشكال الثورة العلمية والتقنية، كما فعل الغرب الحديث، وحداثته العقلانية القاتلة للعقل والوجود، والاهم من كل هذا، هو التركيب الذي يقوم، ويصمم عليه أداء الالة المجتمعية السلطوية الغربية الراسمالية، المقفلة والممنوع فيها ومن داخلها، أي احتمال تغيير ممكن، من شانه تحويل الثورة الحديثة، الى مكسب انساني على الصعد المختلفة.
ـ يتبع ـ







اخر الافلام

.. سيجارة إلكترونية تحترق في حقيبة مسافر ... خطير


.. ببغاء ذكي يقود دراجة هوائية باحترافية!


.. Al Aan Live Arabic TV Stream HD - البث الحي المباشر لتلفزيون




.. شاهد : ممثل يتنكر بشخصية ترامب ويقلده ببراعة في متحف في برلي


.. محكمة تركية تطلق سراح جنديين يونانيين متهمين بالتجسس