الحوار المتمدن - موبايل



ليبيا وديموقراطية الذئاب‬

سعود سالم

2018 / 2 / 14
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


‫عندما ثار محمد البوعزيزي يوم الجمعة 17 ديسمبر2010 احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية لعربتة التي كان يبيع عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه، وقرر إضرام النار في جسده أمام مقر ولاية سيدي بوزيد، فإنه بهذا العمل أكد بما لا يدع مجالا للشك وبطريقة مفجعة على حريته المطلقة وعلى كونه غير قابل للإستعباد أو الإهانة والإحتقار‬ أو المساومة‫ من قبل السلطة، وهو أقصى ما يمكن أن تصل إليه الحرية الفردية لتحقيق ذاتها وتأكيدها أمام شراسة السلطة في نفي الفرد وسلبه مقومات وجوده الأساسية. غير أن هذا الحدث يظل عملا فرديا يائسا ليس بالأول ولا بالأخير‬، ‫لولا الظروف الموضوعية التي جعلته يصبح رمزا ومنبعا لغضب شعبي وإجتماعي شامل أدى إلى إشعال انتفاضة شعبية وثورة دامت قرابة الشهر أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي، ثم انتقلت الثورة إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين. وكانت مطالب الشعب الغاضب، في البداية هي نفسها مطالب البوعزيزي: الخبز والعدالة والحق في الحياة الكريمة. غير أنه في ظرف أسابيع قليلة، جاء الإسلاميون والليبراليون والرأسماليون وغيرهم من محترفي الكلام السياسي ولحقوا بقطار الثورة، ورغم أنهم ركبوا العربة الأخيرة، إلا أنهم كانوا مزودين بالأبواق القطرية والسعودية وأجهزة الإعلام الغربية، وسرعان ما تمكنوا من إزالة المطالب الشعبية الحقيقية من قاموس الثورة واستبدالها بمفاهيم هلامية فضفاضة مثل: الحرية الديموقراطية وتغيير‬ النواب والشيوخ والإطاحة بالبرلمان‫ أو إسقاط النظام. فالبوعزيزي لم يطالب بالحرية، لأنه كان حرا حتى النخاع،‬ ‫ولم يكن بحاجة إلى تصريح لممارسة هذه الحرية، والشعب الثائر لم يكن يطالب بالحرية، لأنه كان يمارس حريته حتى الموت في الخروج إلى الشارع تحت رصاص السلطة ومدرعاتها، ولم يكن يحتاج إلى تصريح أو مرسوم ملكي أو جمهوري أو إلهي ليشرع حقه في التظاهر أوعدمه، الحرية ممارسة وليست حقا دستوريا قابلا للإستفتاء عليه. مطالب الشعب المسروقة كانت بسيطة وقابلة للتحقيق فورا، الخبز والعدالة والمساواة والحياة الكريمة، مطالب يمكن قياس درجة تطبيقها علميا وفي كل لحظة، مطالب إجتماعية تهم الشعب بأكمله بدون إستثناء. بينما مطالب الحرية والديموقراطية، هي مطالب سياسية تتعلق بممارسة السلطة وتوزيع الأدوار بين قبائل النخبة الحاكمة المعزولة عن الشعب بطبقة كثيفة من الذهب والدولارات والسيارات الفارهة والحسابات المصرفية في سويسرا وأوربا، الذين لم يعرفوا يوما ولن يعرفوا مطلقا معنى أن يحرق شاب نفسه من أجل عربة خضار.‬
‫ تجربة الثورة الليبية، تبقى خير مثال لتوضيح هذه الهوة الفاصلة بين مطالب الشعب الحقيقية، وبين مطالب البرجوازية التي تصبوا للوصول إلى الحكم عن طريق وبواسطة أصوات المواطنين. ليبيا دولة كبيرة المساحة قليلة السكان وغنية بالبترول والغاز، استولى عليها ملازم في الجيش سنة 1969 بواسطة إنقلاب عسكري منسوخ عن إنقلاب عبد الناصر في مصر قبل ذلك بعشر سنوات. الملازم الصغير أصبح عقيدا وبدأ في تنفيذ مشروعه السياسي، والذي قدمه كخلاص للشعب الليبي من الحكم الملكي الذي وضعه الإستعمار الإنجليزي وصيا على الشعب وللمحافظة على مصالحه الإقتصادية والسياسية في البلاد في بداية الخمسينات. أغلبية الشعب الليبي تقبل بل ورحب بهذا التغيير المفاجيء وبلغة السلطة الجديدة وتوجهاتها الوطنية، قومية وإسلامية وتقدمية وضد الإمبريالية في نفس الوقت، الشريحة الأمازيغية ربما كانت الوحيدة التي قابلت هذا البرنامج بالشك في نواياه الوطنية. وبعد عدة سنوات من ممارسة السلطة، تخلص العقيد من زملاءه واحدا واحدا وبدأ فترة من الحكم الفردي المطلق، ثم أصبحت السلطة له ولقبيلته وعائلته وأولاده، وهو تطور طبيعي لحكم مطلق خلال أربعين عاما. أغلبية الشعب الليبي تعايشت مع النظام، القلة رفضت هذه السلطة بالقول والسلاح، فهاجر من هاجر، وقتل من قتل، شنقا أو رميا بالرصاص، والمئات وجدوا أنفسهم في غياهب السجون تحت التعذيب والإغتيال والإختفاء والإعدام، وقلة أخرى اختارت التعاون مع النظام واستغلاله لمصالحها الخاصة، أما أغلبية الشعب الليبي فقد تعايش مع النظام بطريقة أوتوماتيكية مثلما هو حال كل الأغلبيات الصامتة. أستمر الوضع هكذا أربعين عاما، حتى اليوم الذي قررت فيه هذه الأغلبية الصامتة بأن هدنة الصمت والصبر قد انتهت وبأنه قد حان الوقت للتغيير وزحزحة هذه المصيبة من فوق صدورهم، كما فعل من قبلهم الشعب في تونس ومصر. فخرج البعض في تظاهرات شعبية مسالمة، ونتيجة للقمع الشرس الذي مارسته قوى السلطة، أختار البعض الآخر حمل السلاح، بينما مئات الآلاف من المواطنين خرجوا لاجئين إلى مصر وتونس لحماية عائلاتهم وأطفالهم من همجية الحرب، ناهيك عن العمال ا‬لمهاجرين،‫ ما يقارب المليوني عامل من مصر وتونس وأفريقيا وآسيا‬،‫ اضطروا للهروب بجلودهم والرجوع إلى ‬بلدانهم‫ بعد أن فقدوا أعمالهم وممتلكاتهم نتيجة لتوقف الإقتصاد الليبي والذي ما زال متوقفا حتى الآن، ونتيجة للعنف والعنصرية الذي تعرضوا له في هذه المرحلة. فالثورة المسالمة سرعان ما تحولت إلى حرب مسلحة، ذلك أنه في نفس الوقت دخل في السيناريو عامل جديد هو "ثوار الفنادق"، معارضوا العقيد أصحاب الجنسيات والحسابات المصرفية المتعددة، والذين كانوا يمارسون الثورة من خلال شاشات التلفزيون القطرية والسعودية والفرنسية وغيرها، وطلبوا مساندة أمريكا وفرنسا وبريطانيا ثم حلف الناتو لمساعدتهم في التخلص من هذا الطاغية ليحلوا محله. وقد نجحوا في نهاية الأمر، بمساعدة طائرات الناتو وبمساندة السعودية وقطر من الوصول إلى السلطة والتحكم في المجلس الوطني والحكومة وفي مصير البلاد. وهي اليوم في صراع مفتوح مع الميليشيات الوهابية التي تتحكم عسكريا وأمنيا في قطاع واسع من البلاد وترفض تسليم أسلحتها بدون مقابل وبدون ضمانات للمشاركة في كعكة السلطة. خلافا للإنتفاضة التونسية والمصرية واليمنية، الشعب الليبي لم يكن "الخبز" همه الأول أو السبب الرئيسي لغضبه، رغم وجود طبقة فقيرة واسعة لم تصلها مليارات البترول، الهم الرئيسي لليبيين كان التخلص من النظام البوليسي القمعي الذي كان يمنعهم من التنفس، الشعب الليبي ثار ضد "الخوف" وسياسة التخويف التي كان يمارسها النظام على جميع المستويات، وأيضا ضد الفساد العام والرشوة ونهب ثروة البلاد والفوضى العامة في جميع قطاعات الحياة وغياب الخدمات الأساسية من الصحة والتعليم والثقافة والمواصلات .. إلخ. واليوم، وبعد سبعة أعوام من عمر الإنتفاضة الليبية، لا بد أن نتسائل ما الذي تحقق من مطالب الشعب الليبي؟ لا شيء .. لا شيء على الإطلاق من المطالب الأساسية، رغم تحقق ما يسمونه "الديموقراطية" والإنتخابات "النزيهة" ووجود مجلس وطني وبرلمان وحكومتين "شرعييتين"، متناسين أن الشرعية الوحيدة التي لا خلاف عليها لا تأتي إلا من تحقيق هذه المطالب ذاتها التي دفع ثمنها بالدماء آلاف الشباب والرجال والنساء. ولكن "الديموقراطية" كلمة سحرية يمكنها أن تغطي كل الأكاذيب والمشاريع المشبوهة، ويمكنها أن تحول الجحيم إلى جنة تجري من تحتها الأنهار. الإنسان الليبي تخلص اليوم من الكابوس الذي دام أربعين عاما، نهض على قدميه ونفض الغبار من على جسده ومسح الدماء وضمد جراحه، وتنفس عميقا هواء نقيا خاليا من الخوف، وأراد أن يستريح للحظة ويفكر ماذا سيفعل في الأيام القادمة، فهو ما يزال تحت تأثير الصدمة التاريخية، لا يعرف أين هو ولا يعرف بعد الشرق من الغرب ولا الشمال من الجنوب، غير أنه قبل أن يفيق من دهشته، ها هي قبائل الضباع والتماسيح والذئاب، تمسك بيده وتقوده وهو ما يزال يترنح إلى مسرحية جديدة.‬
‫في سنة ٢٠١٣، أي منذ خمسة سنوات كنا "نعتقد بأن الشعب الليبي لن يبقى متفرجا لفترة طويلة، ليس لأنه لا يحب المسرح، ولكن لسوء النص ورداءة الممثلين". للأسف الشديد، الشعب الليبي منذ خمسة سنوات بقي متفرجا على جثة بلاده تنهشها الكلاب والضباع، ورغم سوء النص ورداءة الممثلين، فالمسرحية مستمرة، فصول وحلقات جديدة لنفس المسلسل الممل، ونواصل التفرج على الفضيحة، التفرج على العمال يباعون با‬لمزاد‫ كالعبيد، ويموتون من العطش في الصحراء، او من التعذيب في السجون، أو غرقا، تلفظهم الأمواج على شواطيء المدن الموبوءة بالمال والبترول. ‬







اخر الافلام

.. حوار مهند دليقان مع إذاعة روزنا حول استقالة دي ميستورا


.. اندماج نداء تونس والاتحاد الوطني الحر: إرباك للمشهد السياسي


.. حياة المناضل ماهر جايان




.. بي_بي_سي_ترندينغ | حملة في #الاردن لجمع بقايا الطعام من الفن


.. تعقيب أ. غازي الصوراني على مداخلات الحضور .. عن القوى اليسار