الحوار المتمدن - موبايل



قراءة في العلمانية – 7 – عن الطبيعة البشرية، و تشابكها مع المقدَّس.

نضال الربضي

2018 / 2 / 14
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



قراءة في العلمانية – 7 – عن الطبيعة البشرية، و تشابكها مع المقدَّس.


عند الحديث عن العلمانية كنظام يتيح تطوير الحلول الواقعية لمشاكل المجتمعات البشرية، انطلاقا ً من مبدئها القائم على الفهم الصحيح للواقع بحسب المعطيات التفاعلية بين الإنسان و البيئة، كثيرا ً ما نصطدمُ بطروحات ٍ ضحلة ِ الفهم ِ الصحيح لطبيعة الحلول القادرة على تحويل المجتمعات إلى المنظومة الفكرية الإنسانية البديلة، باعتبار رؤية أصحابها للواقع كمجال حيوي سحري النزعة، يكفي انتزاع جوهره الديني لكي يتحول إلى الشكل المنشود، بدون تحقيق استحقاقات اعتناق المنظومة الجديدة.

إن َّ مردَّ الضحالة ِ و سوء َ الفهم في طروحاتِ الحلول التي يتبنَّاها علمانيِّون يصرِّحون بعلمانيتهم أو يُحسبون عليها، هو عجزُهم عن إدراك ِ العلاقة المُتشعِّبة بين الطبيعة البشرية و احتياجاتها و بين القنوات التي تعملُ من خلالها لتحقيق نفسها و بلوغ تلك الاحتياجات، و التي تبرزُ في منطقة الشرق الأوسط بشكل ٍ خاص ٍ أكثر َ من غيره من بقاع العالم على شكل ِ تشابُك ٍ شامل بين الفرد و منظومته الدينية، و الذي ينطبعُ في وُجدانِ المُراقب غيرِ المؤهَّلِ للتشخيص كـ "فعل ٍ في ذاتِه"، مُستقلٍّ، غيرِ ناتج ٍ عن مُسبِّب سوى الأدلجة الدينية التي ترغبُ في تعزيزِ ذاتها، بدلا ً من أن يراهُ كقناة ِ تحقيق ناتجة عن تموضِعِ الدين كركيزة ثقافية في حياة الفرد، أي كأداة مُتاحة تلقائية لا تتوفر بدائلٌ أخرى إلى جانبها. و بسبب هذا الجهل في التشخيص تتمركزُ الحلول دوما ً حول: إلغاء الأديان، أو تجريمها، و هو الطرح الساذجُ غيرُ القابل ِ للتحقيق من جهة الإمكان، و المُناقضُ بالضرورة للطبيعة البشرية التي تطلب ُ في جوهرها: حُرِّية الوصول إلى النتائج، و الاختلاف، و التناقض، و ثنائية المعقول مع غير المعقول، و الارتكان إلى الحدس و التخمين و القناعة اللواتي يتواجدن بانسجام ٍ غريب مع المنطق و التداعي العقلي المُحكم، و الجدلية الديناميكية بين الإرادة و الغريزة و الأدلجة و التعويد اللواتي تنتجُ عنهنَّ جميع أفعال البشر،،،،

،،، و الذي يتجاهلُ التفاوتَ الكبير في: المستويات العقلية للبشر و بالتالي لقدرتهم على الفهم و تكوين القناعات و الرؤى ثم التصرف، و الظروف الاقتصادية التي تحكمُ خياراتهم على كافة المستويات، و البيئات المناخية و الجغرافية التي تؤثر على المزاج و حُرِّية الحركة و اندفاع الإرادة و توفُّر مُتاحات المعرفة و تصوغُ الثقافة المعيشية.

دعونا بعد هذا التأطير ِ ننظرُ سوياً إلى وجهين من وجوه العلاقة المتشعبة بين الطبيعة البشرية و احتياجاتها و بين القنوات التي تعملُ من خلالها لتحقيق نفسها و بلوغ تلك الاحتياجات، كما قدَّمتُ لها في الأعلى:

1 - الشخوص الدينية كرموز.
-------------------------
إن الثابتَ بحسب المُعطى العلمي لعلوم النفس و الاجتماع و الأنسنة على اختلاف ِ تفرُّعاتِها أن َّ الشخوص َ الدينية تشكِّل المقدَّس الأعظم َ للكائن البشري المُتديِّن، و بالتالي يتمثَّلُ التعاطي معها كحقيقة تحملُ شحنة ً شديدة التركيز و عظيمة َ القدر، مفتوحة ً على الفعل الحسَّاس العنيف باتجاه الكيان ِ الذي يُعتقدُ أنَّه يتهدَّدها.

إن التقديس الفائق للشخوص ينبعُ من الأساس الدماغي البيولوجي التي ينتجُ عنه العقل البشري بشقيه: الشعوري و اللاشعوري، و الذي يقومُ على الاقتران بين المؤثر الخارجي و بين الخبرة العقلية التي تصيرُ تمثيلاً له. فهناك في شبكة التلافيف الدماغية التي تعملُ بقوة ِ الكيمياء و كهرباء السيالات العصبية تتمُ المُزاوجة بين الشخص: كإسم و وجود تاريخي، و بين ما يمثِّلهُ من قيمة (أي من حُكم عقلي و رؤية و فهم للواقع، و موقف حياتي)، فيتحول الشخص إلى: رمز، بينما تختفي تدريجياً حقيقته التاريخية. هذان السببان بالضبط و تحديداً: التحول إلى رمز، و اختفاء الحقيقة التاريخية، هما المسؤولان عن الرفض الشديد من قبل معتنقي الأديان لأي محاولاتٍ تنويرية تستهدف شخوصها الدينية.

و نُحسن أن نقولَ أننا نضع أيدينا على أحد أهم أسباب فشل الجهود ِ التنويرية حينما نفهم أن نقد َ الشخوص الدينية يُدركُ تلقائيا ً من صاحب ِ الدين على أنه هجومٌ إما على المبدأ الأخلاقي أو على الحقيقة الكونية التي تُمثِّلها الشخوص التي استحالت رموزاً. إننا هنا نتعاملُ مع المبدأ و الحقيقة كما يراهما صاحب الدين في الوقت الذي نظنُّ أننا نتعامل مع الشخص الديني و تاريخه، و يتأتى الفشلُ عندها كنتيجة لجهلِ حقيقة ِ الموقف و تباينِ تمثيلهِ في وعيي المُنوِّر و المُتديِّن.


2 - الدين كبُنية تحتية للشبكة الاجتماعية
----------------------------------
لا شكَّ أن المُتديِّنَ يتوهَّمُ أنه يمتلك ُ الحقيقة َ المُطلقة، لكنَّ هذا الوهم على الرغم من كونِه قوَّة استدامة ٍ جبارة فائقة الزخم، إلا أنه ليس القوَّة الرئيسية وراء المقاومة العنيفة لجهود التنوير، بل دعونا أيها الأعزاء نُعيد صياغة الجملة ِ السابقة فنقول: إنه حقَّا ً القوة الرئيسية التي يُدركها الذهنُ على المستوى الشعوري، لكنَّه ُ يرتدُّ إلى المركز الثاني وراء السبب الأوَّل اللاشعوري الذي يحضُرُ غائباً عن المحسوس في وجدان الفرد، أي: كون الدين ذاتِه قد تحوَّل َ إلى شبكة طرق ٍ و تواصل للفعل الإنساني البيولوجي الغريزي بين أفراد المجتمع، و بالتالي يُصبحُ نقدُه مرادفا ً لتهديم شبكة التفاعلات نفسها، أي كتماهي مع عُزلة الفرد عن الأقران و المجموع العام.

إن َّ نقد المنظومة الدينية يعني إعادة صياغة الأساس الذي تقومُ عليه رؤية الأفراد لأنفسهم و لبعضهم، و بالتالي الاستغناء عن الثقافة الحالية و أشكال التفاعل الاجتماعي و طرق التواصل و الخبرات العاطفية المُرتبطة بها، لصالح منظومة أخرى تثير الفزع، تقومُ على مبدأ رؤية الواقع بحسب ما يفرضه التأويل العقلي للأحداث، و بالتالي لاستنباط قيم جديدة، و تشكيل ثقافة حديثة لها خبرات عاطفية مختلفة و أشكال تفاعلات أخرى و شبكة علاقات متطورة ملتصقة بالواقع.


علينا بنفس القدر من التركيز أن نُبرز هنا العامل الأهمَّ في فشل الجهود التنويرية الفردية، و هو قصور ُ الخطابُ عند من يتصدُّون لمهمَّة التنوير، و الذي يمكنُ تلخيصُ بعض ِ وجوهِهِ فيما يلي:

1 - الجهل في الأديان
---------------------
كثير ممن يتصدون للنقد الديني لا يمتلكون معلومات ٍ صحيحة أو كاملة عن المواضيع التي يتطرقون إليها، و بالتالي يصبح نقدهم مفتوحا ً على جدال ٍ حاد مُتشعِّب يكونون فيه عادة ً الحلقة الأضعف، و محط َّ ضربات المتمكنين من المعلومات، مما يُفقدهم المصداقية أمام من يتوسمون فيهم القدرة َ على تخليصهم من الأدلجة الموروثة للانعتاق نحو فضاء حرية العقل و كرامة الإنسان.


2 – التشنج و التعصب
----------------------
بعض ُ ممن يريدون إيصال الحقيقة يفتقرُ للموضوعية، فيتَّسمُ خطابه بتشنُّجٍ شديد، و تهويل ٍ مُعيب، و تعصُّب ٍ لفكره، مع تعرية ٍ لأصحاب الدين عن أيَّة ِ قيم ٍ إنسانية ٍ أو حقائق موضوعية ٍ يعتنقونها، بنفس ِ طريقة ِ الأصولين و المتطرفين و التكفيرين من بعض أصحاب الأديان.

3 – الاحتقار لأصحاب الأديان
-------------------------------
يمتلك بعض ُ الجهلة ممن يتصدون لمحاولات التنوير الفردية اعتدادا ً نرجسيا ً مرضيا ً بذواتهم، فيُعبِّرون بخيلاء غير موضوعية عن تميُّزهم و ارتقاء فكرهم، في ذات الوقت الذي يسمون فيه أصحاب الأديان و العقائد بالدونية و الانحطاط.


4 – الافتقار لاعتناق الإنسانية كمنهج حياة
----------------------------------------
التنوير هو منهج حياة، يُعبِّر عنه الفكر الإنساني الداعي له أي للمنهج، و هو الأساسُ في أي عملية تنوير، كونها يجب أن تصدر َ عن قناعة ٍ إنسانية بقيم العدالة و المساواة و الكرامة و الحقوق البشرية المشتركة بين الجميع، و بالتالي تطلبُ (أي عملية التنوير) لتحقيق نفسها الطُرق الإنسانية التي تتأسس على الشراكة و الاقتراب من الآخر و الرغبة في التحاور معه و العمل على التلاقي و الحرص على التعاون الإيجابي. و غنيٌّ عن الذكر - لولا أننا بتنا اليوم في دوَّامة عبثية تستدعي ذكره – أن نعترفَ بوجود من لا يعيشون هذا المنهج الإنساني بل و يُعلنون صراحة ً محاربته.


5 – الافتقار للحلول البديلة و الخطط
-----------------------------------
إن السبب الأعظم َ الذي يدفعنا نحو العلمانية هو قدرتها على تقديم ِ حلول ٍ لمشاكل الواقع، و اعترافها بحرِّية الفرد في تأويل ِ مُحيطه الخارجي و مجاله الشخصي الداخلي، و بالتالي فإنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال الاستغناء ُ بالأفراط في نقد الأديان عن تقديم المنظومة ِ العلمانية الشمولية البديلة، و التي فيها خططٌ واضحة، و آليات ُ عمل ٍ و استدامة، و مُخرجات قابلة للقياس و خاضعة لمعيار المنفعة و الفائدة، و مناهج مراقبة ٍ و تقيم و تصحيح.

عزوف ُ من يتصدى للتنوير عن تقديم المنظومة البديلة بشكل ٍ واضح ملموس يستطيع ُ الأفراد أن يُدركوا و لو بالفحص العقلي الفوائد المُترتبة عنها (أي عن المنظومة)، و التركيزُ المُبتذل على النقد خصوصا ً حينما تصبح سمته الأساسية التجريح و الاحتقار، سيؤدي إلى نتائج عكسية من تثبيت ٍ للمنظومة الدينية في عقول الأفراد، و تدمير ٍ للجهود ِ المحمودة لمستنيرين عاقلين قادرين على الوصول لوجدان الأفراد و الجماعات، يتبنون طروحا ً مفيدة قادرة على النهوض بالمجتمع بكافة أطيافه و على اختلاف و تنوُّع شرائحه الفكرية.


الخلاصة
----------
هدفُ الجهودِ التنويرية يجب أن ينصبَّ بشكل مُركَّزٍ و مدروس على تحقيق مُتطلَّبات الطبيعية البشرية كاملة ً بشقَّيها الحيواني (مأكل، مشرب، ملبس، انتماء إلى جماعة، أمان، الخ)، و الإنساني (كرامة، حرية، تحقيق ذات، تميز، إبداع، اختراع، تحقيق أعلى مستوى من الطاقات الكامنة، الخ)،،،

،،، و لا سبيل إلى تحقيق هذا الهدف الأسمى سوى بتبني منظومة علمانية تعترف بهذه الطبيعة البشرية، و بأداتها البيولوجية الأساسية و هي القدرة: على فهم الذات و المحيط، و على التعاون مع أعضاء النوع البشري، و بناء الخطط تأسيسا ً على هذه الحقائق، بحرص ٍ شديد على نبذ مغريات اعتناق أوهام التفوق، و الارتقاء فوق مخدِّر التعصب الذي يشحن الوجدان بالنوازع و الغرائز الحيوانية البدائية العدائية نحو الآخر.

إن المجتمع العلماني الذي نريد هو ذاك المنسجمُ معنا جميعا ً كبشر، قبل أن نقتل بصيرتنا المفتوحة ً على وحدتنا في الطبيعة البشرية، و نضع َ بديلا ً عنها كل التصنيفات ِ المُصطنعة التي اخترعناها لانفسنا و للآخرين، و التي تحوَّلت في النهاية إلى فقاعات ٍ بعيدة ٍ و ماضية ٍ في الابتعادِ باضطرادٍ عن بعضها، و التي تتوهَّم كل ُّ واحدة ٍ منها أنها فوق الأخريات، ناسية ً أنها: فقاعة مُصطنعة.

أشكركم لتفضلكم بالقراءة، و لنمضي معا ً نحو الإنسان، سوياً، دون أن يبقى أحد لوحده!







التعليقات


1 - الاخ نضال الربضي المحترم
وليد يوسف عطو ( 2018 / 2 / 15 - 10:36 )
استمتعت حقا بقراءة مقالكم التنويري ..

اتفق معكم في الكثير من محتوى المقال ..

مثال من العراق .. واقع التحالف بين التيار الصدري والحزب الشيوعي العراقي لايستند الى واقع انثروبولوجي بل الى مصالح شخصية لكن في العقل اللاواعي الشيعي فان الشيوعي الشيعي يرغب في التحالف مع الصدريين استنادا الى هويته الشيعية من داخل العقل اللاواعي وليس بسبب منظومته الفكرية الماركسية ..

نقطة اخرى المركزية الديمقراطية اي التمسك الشديد بتعليمات الحوب يشبه العقلية القبلية الاسلامية فالحزبي الشيوعي هو فرد ضمن القبيلة الكبيرة الشيوعية حيث لايمثل رايه اية قيمة مقابل راي الحزب الذي هو يتماهي مع راي القبيلة لذا تجد الشيوعيين المؤدلجين يرفضون الحوار مع الشيوعيين من الاحزاب الاخرى خوفا من ضياح ةقبيلتهم الشيوعية ولهذا خرجت باستنتاج مهم للغاية هو عدم ةرغبة الشيوعيين العراقيين في وحدة اليسار العراقي لان كل حزب منهم يمثل قبيلة الحزب وبهذا العقل الجمعي والدائري لايمكن ان يلتقي حزبان شيوعيان بل يمكن ان يندمج الحزب الشيوعي مع الحزب الشيعيولهذا من السهولة التحالف مع التيار الصدري رغم ضرره بالحزب الشيوعي العراقي .


2 - العزيز وليد يوسف عطو
نضال الربضي ( 2018 / 2 / 19 - 10:48 )
تحية طيبة لك أخي وليد في بداية هذا النهار،

جميع الأيديولوجيات تتشابه في نقطة التقوقع على الذات و إقصاء الآخر، و إنما تختلف فقط في درجة الإقصاء، و طريقة التعبير عن فكرة الإقصاء نفسها، و تبعات/استحقاقات الأقصاء (سواءً بالاكتفاء بإزواء المختلف جانبا ً أو باتخاذ إجراء ما يحمل ضررا ً من طبيعة ما).

لهذا فإننا بحاجة لمظلة شاملة للعنصر البشري و جماعاته، و هي: العلمانية، كونها:

- كافلة لحق المجموعات في التواجد،
- عامل استدامة لوحدة المجتمع الوطنية،
- مصدر للتشريعات و ما يترتب عنها من أنظمة و إجراءات تُعطي الحقوق و تنظم العلاقات و تحكم في النزاعات و تفض الاشتباكات.

تحت مظلة العلمانية لا تغدو طموحات الالتقاء الفكري مشكلة أو ضرورة، كون المشاركة الوطنية من كافة المجموعات تُحكم بقوانين على مستوى الجامع الوطني المشترك لا على مستوى أيديولوجية المجموعة الخاصة،،،

،،، بل يجب أن نقول أن العلمانية تضمن نمو كافة المجموعات بحسب إمكانياتها الكامنة، و طبعا ً دون تغوُّلها على حقوق المجموعات الأخرى.

دمت بود!

اخر الافلام

.. مفتى تونس: مؤتمر الإفتاء هذا العام يناقش قضايا الساعة


.. انطلاق أعمال مؤتمر دار الإفتاء برعاية الرئيس السيسي


.. الدوحة تتجسس على سوريين يعارضون تنظيم الإخوان الإرهابي




.. رئيس دينية النواب نجدد فى الفتوى ما فيه مصلحة المجتمعات


.. ما هي تداعيات الاعتراف باستقلالية كنيسة أوكرانيا عن الكنيسة