الحوار المتمدن - موبايل



الباحث عبد الغني الملاح يبحر في اوقيانوس المظان...هل استرد الملاح والد المتنبي حقاً؟

شكيب كاظم

2018 / 2 / 17
الادب والفن


حقاً إن المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس، فهذه المقولة التي أطلقها أبن رشيق القيرواني، منذ ما يقرب من ألف عام، مازالت تحمل حدتها وديمومتها، فقد شغل الناس بجزالة شعره وكبريائه، ورفضه تقبيل الأرض بين يدي الكبراء، ورفضه أن ينشد شعره وهو واقف – مما لم يكن مألوفاً في ذلك الوقت – فكثر الحساد والشانئون وظهر من يؤلف كتاباً باسم : (الإبانة عن سرقات المتنبي)


ولم يكن الدافع سوى الحقد والحسد والشنآن، وتمضي العقود ومازلنا منشغلين به، نبحث في جوانب شاعريته وحياته القصيرة، إذا ما قيست بالسنين، والمديدة إذا ما قيست بالامتلاء الذي عيشت به، أما نسبه فقد شغل الناس، فمن قائل إنه ابن غير شرعي، ثم ما لبث أن تراجع عن قولته تلك، وهو المرحوم طه حسين، ومن قائل إنه من أشراف العلويين، وأول من قال بذلك الأستاذ محمود محمد شاكر، يؤيده في ذلك الأديب البحريني إبراهيم العريض، وجاء الأستاذ عبد الغني الملاح، ليقول إنه ابن الإمام الثاني عشر، محمد المهدي بن الحسن العسكري، وحتى قبره قد شغل الناس أيضاً، فلله درك يا أبا الطيب، فما زلت أذكر ان لجنة برئاسة المرحوم مصطفى جواد، كانت قد قامت بزيارة للموقع الذي يعتقد بأنه قبر المتنبي، ولم تتوصل اللجنة التي كان من أعضائها مجموعة من المتخصصين – منهم الدكتور حسين أمين – إلى موقع محدد يمكن أن يُعدّ قبره... كان ذلك في ربيع عام 1967.
الأستاذ عبد الغني الملاح أصدر كتاباً يدور حول مسألة نسب المتنبي، وهو في كتابه درس الأقوال والروايات، في ضوء المعطيات العلمية المعاصرة، ويستخدم علم النفس للوصول إلى تفسيرات جديدة، لم تكن مألوفة عند الأقدمين، ولعل ما يعزز آراء المؤلف ذلك الإباء الذي كان يتصف به المتنبي، الذي يكاد لا يضارعه في أنفته وإبائه أي شاعر عربي آخر على مدى العصور، مما يؤكد أنه من سلالة شريفة، ولقد كان في مواضع عدة يفخر بنفسه، ويترك الممدوح، ولقد سار على هذا المنوال في مواطن قليلة الشريف الرضي، إضافة إلى وجود الوفرة، كما جاء تفسيرها في (المعجم الوسيط) الذي أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة..”الشعر المجتمع على الرأس أو جاوز شحمة الأذن – ج وقار”الجزء الثاني من 1958 مما يؤكد أنه قد ورثها عن أبيه محمد المهدي، الذي جاء في وصفه:”إنه كان ناصع اللون واضح الجبين برأسه وفرة سمحاء تطالع شحمة أذنيه”يراجع الهامش رقم 19 صفحة 74 من كتاب (المتنبي يسترد أباه) للأستاذ عبد الغني الملاح. والأمر الثالث الذي يؤكد آراء الأستاذ عبد الغني، هو إدخال الصبي (أحمد) في المدارس الخاصة بالعلويين في مدينة الكوفة، ومن الواضح أن هذه المدارس لا يدخلها أبناء العامة، مما يدحض تلك الصنعة التي ألصقها به المرجفون، كونه أبن سقاء يبيعُ الماء في الكوفة – وليس من عيب في ذلك إن كان صدقاً – فإذا كان أبن سقاء صدفاً فكيف يسمح له بدخول هذه المدارس الخاصة؟
ثم هناك أمر آخر، ذلك أننا لم نعثر على شاعر يطلب من ممدوحه ضيعة أو ولاية، وهو الذي طلب من كافور الإخشيدي ذلك، حيث قال:
أبا المسك هل في الكأس فضل أناله
فإني أغني منذ حين ونشرب
إذا لم تُنط في ضيعة أو ولاية فجودك بكوني وشغلك يسلب
مما يؤكد أصاله نسبه وكرم مًحْتِده، مما جعله يطالب حاكم مصر الإخشيدي بالولاية، لا بل كان يرى نفسه أكبر من ممدوحه، لهذا رأينا الشكوى المرة من الزمان وصروفه مدة إقامته في مصر، واختفاء هذه الشكوى وخفوتها إبان وجوده في كنف الأمير العربي سيف الدولة الحمداني، ومن أسباب خفوت صوت الشكوى، أن سيف الدولة صاحب نسب رفيع بحيث لا يجد غضاضة في مدحه.
إلى جانب ذلك فإني أقف موقف المتسائل، من بعض الآراء التي سبقت أثناء البحث، من ذلك ما هو السبب الذي دفع بأبي الطيب بأن يتوجه نحو بلاد الشام ويطالب بحقه العلوي؟ أما كان الأجدر أن يعلن ذلك في الأماكن القريبة منه؟ وهل يجوز لمبشر بأمر أو مطالب بحق، أن يتجاوز الأهل والأقارب، ويتجه نحو الأباعد؟ لأن ذلك لا يتفق وطبائع الحياة والأشياء ولعل الأستاذ عبد الغني يجيب، بكونه محارب من قبل شيوخ العلوية في الكوفة، غير أني لا أجد من مسوغ لهذا الجحود والتنكر، اللذين كان يقابل بهما، إن صدق ذلك، فلا يعقل ولا يجوز لأفراد أن يتنكروا لابن كبيرهم الذي ترك أمانة عندهم.
ثم لماذا لم يلتق الأب بابنه طيلة حياته ولو مرة واحدة؟ ولم يرد أنه التقى به عن أي من المؤرخين المتقدمين أو المتأخرين، وهل يعقل أن أباً لا يتشوق لرؤية ابنه على امتداد رحلة العمر؟ هذا ما عجزت عن أن أقبله أو استسيغه.
إن سرية الدعوة لا تمنع من أن يلتقي المرء بزوجته، والأب بابنه ويخبره بأصله ونسبه، ثم إن كانت جدته الصالحة قد أخبرته بحقيقة نسبه، لم يقم أي من أولئك الأربعة بإخبار الصبي (أحمد) بنسبه، وهو الذي عاش مدة غير قليلة في الكوفة، ودرس في المدارس الخاصة بالعلويين؟
إن التعلل بكونه قد يثور أو يتهور إذا أُخْبِرَ بنسبه من قبل أحد الوكلاء أو كبار الرجال أمر يكاد لا يتقبل.
شيء آخر، هو أن الأستاذ المؤلف يحمّل الروايات والأقوال فوق ما تحتمل، في محاولة منه لإيجاد تفسيرات، تتفق مع ما يورد من آراء وأفكار، من ذلك قوله في الصفحة 126:”في ختام هذه المدة (أي مدة وجوده في الشام) يجمع الرواة بأن كتاباً وصله من جدته لأمه تشكو شوقها إليه، وطول غيبته عنها فتوجه نحو العراق، ولم يمكنه وصول الكوفة على حالته تلك فانحدر إلى بغداد، وكانت جدته قد يئست منه، فكتب إليها كتاباً يسألها المسير إليه، فقّبلت كتابه وحمت لوقتها سروراً به وغلب على قلبها فقتلها..”!!!
يقف الأستاذ عبد الغني الملاح إزاء كلمة:”على حالته تلك”فيعطيها أكثر من ما تستحق ويحملها اكثر من ما تحتمل، حيث يقول في الصفحة 129:”إذ اننا لا نجد أي معنى لكلمة (حالته تلك) ما لم تكن ذات علاقة بموضوع سياسي أو مذهبي أو سلالي وخصوصاً نحن نعلم أنه تمكن من دخول الكوفة قبل هذا التاريخ ببضع سنوات، أما الآن وجدت الجدة نفسها وحيدة، وقد توفي أكثر أو جميع من يعرفون زواج أبنتها ويعلمون حقيقة الزوج، ويعلمون أن المتنبي هو الثمرة الشرعية لذلك الزواج ولم يبق لها من سند يحميها من المتعصبين الذين يرفضون أن يكون للإمام ولد، كما ان المتنبي نفسه يحس منه أدرك ذلك فلم يتمكن من الوصول إلى الكوفة، وهو بتلك الحالة، فكتب لها أن توافيه إلى بغداد، ولكن كتابه وصلها متأخراً، إذ كانت عليلة محمومة فلم تقدر أن تقاوم الحمى والسرور وقد شاخت وهرمت فتوفيت..”
وما دمنا بصدد الحديث عن نسب شاعرنا، فبودي أن أشير المرأي الذي ساقه الدكتور عادل الكري بخصوص قبر شاعرنا العظيم، وكما قلت في بداية هذا الحديث، فإن الباحثين لم يتمكنوا من معرفته بشكل ثابت، ويطل الدكتور عادل سبب الإهمال الذي أصاب القبر، كون صاحبه ليس من الأئمة أو الأولياء الصالحين.
يقول الدكتور عادل البكري:”إن هذا القبر الذي تعارف أهل منطقة النعمانية، منذ اجيال بعيدة، على أنه قبر أبي الطيب المتنبي، وهو الذي كان يثار حوله السؤال عن صحة تسميته بقبر المتنبي من قبل الجهات العلمية والرسمية، ولم يعرف عن صاحب القبر أنه من الأئمة أو الأولياء أو الصالحين، لذلك بقي مهملاً من عامة الناس، غير أنه في الوقت نفسه متمتع بمحبة أهل المنطقة وحمايتهم له، أما الأعراب والفلاحون المجاورون له فيطلقون عليه قبر أبو سورة، وهم لا يعلمون أصل التسمية من أين أتت”تراجع جريدة (الجمهورية) صفحة (أفاق) الثلاثاء 2 كانون الأول 1975.
لقد كنت اتوقع ان يترك كتاب : (المتنبي يسترد أباه) أصداء واسعة في دنيا الفكر والأدب، لكن يبدو أن الناس ابتعدت عن الدراسات التي تحمل سمات الجد والمثابرة وإعمال العقل، وتاقت نفوسها إلى الكتابات السهلة، وحتى الذي تناوله، فقد جاء حديثه أقرب إلى المجاملة، ولم يرق إلى مستوى هذا البحث القيم والفتح الجديد في عالم الدراسات الأدبية، ومن ذلك مقالة الكاتب المصري محمد عبد الغني حسن في مجلة (الأديب) اللبنانية، عدد حزيران 1974، وكذلك مقالة الأديب المصري عامر محمد بحيري، في مجلة (الأديب) كذلك عدد أيلول 1975 عن الكتاب المذكور.







اخر الافلام

.. إنطلاق مهرجان الجونة السينمائي بدورته الثانية بحضور المئات م


.. هذا الصباح- فنان أردني يبدع في صنع آلة الناي


.. إنطلاق مهرجان الجونة السينمائي بدورته الثانية بحضور المئات م




.. «ملخص الجونة السينمائي»..أزياء الفنانات كلمة السر..شاهد أبرز


.. مايا دياب تخطف الأضواء.. وأمينة خليل في إطلالة مميزة في مهرج