الحوار المتمدن - موبايل



حكاية ثورة: ليس على سبيل التأريخ ولا التحليل... (2) الشباب... ماركيوز يكمن في الثورة

حسين محمود التلاوي

2018 / 2 / 22
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


انطلقت الدعوات للاحتشاد في يوم الثلاثاء 25 يناير 2011 من مصدر أساسي، وهو التنظيمات الشبابية وعلى رأسها جماعة 6 أبريل وغيرها من الجماعات. ودعمت تلك الدعوات بعض الجماعات السياسية الأخرى علنًا مثل حركة كفاية الرافضة لتوريث السلطة لجمال مبارك نجل الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، إلى جانب جماعات أخرى أعلنت دعمها بصورة غير مباشرة مثل جماعة الإخوان المسلمين؛ حيث نفت الجماعة أية صلة لها بالمظاهرات، ثم عادت لتقول إن شبابها كان موجودًا في الميدان من اليوم الأول للمظاهرات.
إذن كان الشباب هو العنصر الأساسي في تلك المظاهرات، وقد خرج للمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية بشكل أساسي إلى جانب ما تطورت إليه المطالب بعد ذلك من تحسين الأحوال المعيشية وصولا إلى الإطاحة بالنظام القائم في أعقاب الهجوم بالخيول والجمال على المعتصمين في ميدان التحرير فيما عُرِفَ بـ"موقعة الجمل".

لماذا الشباب؟!
كانت الاحتجاجات التي نشبت في يناير2011، ثم تطورت فيما بعد إلى ما عُرِفَ باسم "ثورة يناير"، نموذجا على فكر "ماركيوز" فيما يتعلق بالاحتجاجات. من ماركيوز؟! هو الفيلسوف الألماني هربرت ماركيوز الذي نشأ في ألمانيا ليصبح فيما بعد أحد كبار الفلاسفة الناقدين للمجتمعات الغربية الرأسمالية والشرقية الشيوعية على حد سواء، وإن كان اللقب الأكثر تعبيرًا عن توجهه الفكري يمكن أن يكون "الفيلسوف الاستخباري" نظرًا إلى أن علاقته بالمخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) لم تكن خافية على أحد.
لم يكن "ماركيوز" من المفكرين الخلاقين فيما يتعلق بفكر الثورة، ولكن يمكن استخدام تعبير المفكر والفيلسوف "فؤاد زكريا" عندما وصفه بأنه كان يتلو الأحداث، ولا يسبقها. فعندما ظهرت الحركات الثورية الشبابية في الستينات من القرن العشرين، جاء "ماركيوز" ليخاطب الشباب باعتبارهم القوة التي سوف تحمل عبء التغيير في العالم. ولكن هذا الحديث له نقطتان سلبيتان؛ الأولى أن الفيلسوف الألماني المخضرم لم يكن قد تكلم عن الشباب طيلة مسيرته الفلسفية؛ مما جعل البعض ينظر إلى رأيه هذا باعتباره "مغازلة" للشباب حول العالم ربما تأتي لدواعٍ استخبارية. النقطة السلبية الثانية هي أن المشروع الثوري — إن جاز التعبير — لـ"ماركيوز" لم يحمل أي رؤية مستقبلية للفعل الثوري. لقد اكتفى بالدعوة إلى تغيير الأوضاع دون أن يقدم أية بدائل.
أين "ماركيوز" في الثورة المصرية (إن كان لنا أن نطلق عليها ثورة)؟! ربما يُفهم من كلامي التالي أنني أرمي الثورة المصرية بأنها صنيعة الخارج، ولم تكن عفوية ولا تلقائية. لا مشكلة لدي في مثل هذا الفهم؛ فهو احتمال قائم له على أرض الواقع ما يبرره، وله أيضًا ما ينفيه.
من المفترض أن تكون الفئات التي تحمل عبء الثورة في مصر هي الفئات الأقل دخلًا والمهمشة والمعدمة. ولكن الشباب فاجأ الجميع لينطلق في التمرد والثورة على الأوضاع القائمة. ولهذه الثورة ما يبررها؛ فالشباب لم يجد ما وُعِدَ به، بل إنه لم يجد ما وُعِدَ به جيل الآباء؛ ومن ثم انطلق في ثورته. ولكن المشكلة الكبرى هي أن الشباب الذي انطلق في تلك الثورة لم يكن في غالبيته من الشباب الذين ضاقت بهم السبل، بل كانت الغالبية من الشباب أصحاب الوعي السياسي الذين انطلقوا للمطالبة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
حسنَا... إنها الطليعة التي يتعين أن تقود الجماهير. النخبة المثقفة التي يفترض أن تحمل عبء التحركات الثورية والتنويرية في المجتمع. ولكن هذا كان غريبًا... لماذا؟! لأن من المفترض في مجتمع مثل المجتمع المصري أن تكون المطالبات بتحسين الأحوال الاجتماعية لا بتحسين الممارسة السياسية؛ فهذا الأمر يتفق مع الفطرة الإنسانية التي تريد ضمان لقمة العيش قبل ضمان الممارسة السياسية وهو الوتر الذي عزف عليه النظام السياسي المصري كثيرًا بخاصة في مرحلة الانفتاح في السبعينات من القرن العشرين.
لكن الشباب المصري خرج للمطالبة بالإصلاحات السياسية قبل الإصلاحات المعيشية. ويشار هنا إلى أن المطالبة بإسقاط النظام لم تكن الأولوية التي خرج من أجلها الشباب، ولكنها كانت المطالبة بإصلاحات اقتصرت في البداية على إطلاق الممارسة السياسية وإقالة الحكومة.
هذه النقطة من بين السلبيات التي أُخِذَتْ على تفكير "ماركيوز" عندما رأى أن الشباب في دول العالم الثالث يجب أن يخرج في ثورته لكي يطالب بالحرية السياسية والفكرية. فهل الشباب الجائع لديه ترف المطالبة بالحريات السياسية دون أن يملك لقمة العيش؟!
وجه الشبه الآخر بين ما جرى في مصر وما قال "ماركيوز" هو أن الثورة المصرية لم تخرج بسيناريو لمرحلة ما بعد الإطاحة بالرئيس المخلوع "محمد حسني مبارك". كذلك لم يذكر "ماركيوز" أي مشروع. فهل كان هذا مقصودًا؟! هل كانت تجربة وتُرِكَتْ لكي تتفاعل بحيث يمكن التعرف على طريقة استجابة المجتمعات العربية المختلفة من حيث التركيبة والمستوى المعيشي لمثل تلك النظرية؟!
ليست هذه محاولة للتشكيك في عفوية التحركات التي شهدتها مصر في أعقاب 25 يناير بخاصة في يوم 28 يناير الذي عرف باسم "جمعة الغضب"، ولكنها محاولة للنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة قليلًا تتوسط بين دعاوى التخوين وصيحات العفوية.
هل دُفِعَ الشباب المصري إلى أن يطبق بالحرف نظرية "ماركيوز" في الثورة الشبابية؟! هل أصبح العالم العربي حقل تجارب لنظريات الفكر السياسي والاجتماعي الغربي؟! ليس هذا ببعيد؛ فإدارة الرئيس الأمريكي الأسبق "جورج بوش الابن" أعلنتها صريحة بأنها تطبق سياسة "الفوضى الخلاقة" في الشرق الأوسط. كما أن الاستراتيجية التي طُبِّقَتْ في حرب الخليج الثالثة التي أطاحت بنظام الرئيس العراقي "صدام حسين" كانت نظرية "الصدمة والرعب". فليس بغريب من الأمريكيين تطبيق نظريات الفكر السياسي والاجتماعي في العالم العربي.
هذا الحديث ليس توجيه اتهامات، ولكنه إلقاء لتساؤلات مشروعة لوجود قرائن على أرض الواقع تقول بها.







اخر الافلام

.. حزب العمال البريطاني يدعو إلى تصويت لسحب الثقة من ماي


.. أنقرة: مقتل 7 من حزب العمال شمالي العراق


.. العلاج المناعي ثورة خامدة في بلاد الفقراء




.. فيديو لمنسوب أمن سوداني يهدد المتظاهرين بالقتل يثير ضجة #


.. فرنسا: حين تدخل التيارات اليسارية على خط احتجاجات -السترات ا