الحوار المتمدن - موبايل



في دولة تجمع مواصفات وصفات البتريركية ، الباتريمونيالية ، الكمبرادورية ، الاوليغارشية ، يستحيل الحديث والحكم على شيء

سعيد الوجاني

2018 / 2 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


في دولة تجمع مواصفات البتريركية ، الباتريمونيالية ، الكمبرادورية ، الاوليغارشية ، يستحيل الحديث والحكم على شيء غير موجود اصلا يسمونه " نموذج تنموي " . والملك الذي حكم بإفلاس " نموذجه " حين يدعو الى مشاركة الجميع والمساهمة في " نموذج تنموي " بديل ، فهو يتصرف خارج النص والواقع ، لان فاقد الشيء لا يعطيه . في هكذا دولة تكثر البطالة ، وينتشر الفقر ، ويعم التهميش ، ويسود الظلم ، ويبقى أصل الدّاء الذي هو الفساد وانعدام الديمقراطية . فلنواصل المعالجة والتحليل ......
( 8 )
تعتبر البطالة والتهميش اللذين يعاني منهما الشباب المغربي عائقا أساسيا في انعدام تبلور وبروز وعي طبقي / اجتماعي بالمجتمع المغربي . فإذا كانت سنوات الستينات والسبعينات قد عرفت انفراجا لصالح حاملي الشهادات ، ولصالح ذوي التكوين المتوسط فما دونه ، بسبب قلة الأطر ، وقلة البشر الذي تحتاجه الإدارة ، فان سنوات الثمانينات والتسعينات والى اليوم ، عُرِفت بانقلاب المعادلة الى صالح بطالة وتهميش خرجي الجامعات والمدارس العليا .
فأكيد ان العديد من الكليات أضحى خريجوها عالة على عالم الشغل ، مثل كليات العلوم وكليات الآداب . كما أنّ العديد من الشعب بالمدرسة المحمدية للمهندسين ومدارس أخرى مماثلة ، اصحب أصحابها عالة على الشغل ، ومعرضون للبطالة ، ناهيك عن كلية الطب في بلد لا يزال المرضى محرومين من ولوج المستشفيات ، ومن التّداوِي ، ووصل الأمر ان أصبح المرضى يرفضون بمستشفيات الدولة ويموتون تمام بوابها .
لقد عبر الملك مؤخرا عن إفلاس النموذج ( التنموي ) ، لكنه لم يتساءل عن سبب الفشل ، هذا إذا كان هناك حقا نموذج تنموي حتى نقول بفشله . فخلافا للفكرة الشائعة والتي أكدها الخطاب الملكي ، نعتبر ان هذه الظواهر الاجتماعية المعبرة عن إفلاس سياسة الطبقة السائدة ، و " فساد " المجتمع ، اي طبقاته السائدة ، الذي لا يضمن العمل والقوت اليومي لأبنائه ، ليس من شأنها ان تساعد على بروز الوعي الطبقي / الاجتماعي لدا هذه الفئات ، و بالأحرى ان يُحوّل فقرها / الحرمان إلى فئات ثورية كما يدعي البعض . لماذا ؟
لأن هذه الفئات العاطلة وألْمُهمّشة " مطرودة " من مسلسل الإنتاج الاجتماعي ، ولا تدمج فيه إلاّ جزئيا وبشكل مؤقت ، وهي بالتالي لا تحتل موقعا موحدا على صعيد قسمة العمل الاجتماعية ، الأمر الذي يجعلها غير منسجمة من حيث تكوينها . ومما يزيد الطين بلّة ، ويعمق عدم انسجامها هذا ، انعدام ممارسات اجتماعية / طبقية مشتركة تُلْحم صفوفها وتُوحّد مكوناتها .
ولذلك فان هذه الفئات التي تعاني من ويلات الفقر / البؤس والتشرد ، تعيش التشتت والعزلة بين مختلف مكوناتها ، ويؤدي كل هذا إلى إذكاء روح التنافس / الصراع من اجل لقمة العيش بين أفراد هذه الفئات ، والى التقليص من مظاهر التضامن / التعاضد فيما بينها .
ان اضطرار هذه الفئات الاجتماعية إلى الركض طوال اليوم وراء لقمة العيش التي أضحت اليوم مستحيلة وغير مضمونة ، وعيشها في ظروف غير إنسانية مكدسة في الأكواخ القصديرية ، والبيوت الضيقة بالمناطق الفقيرة .... ، يُفقدها حتى الإمكانيات / الوسائل الأولية لأدراك الأسباب الحقيقية المولدة لوضعها التعيس والمزري ، ويعمق من يأسها الذي لا يلغي التمرد العنيف ، في نفس الوقت الذي يشكل مرتعا خصبا للإيديولوجية الغيبية ، والقيم الانهزامية القدرية ، أمام المجتمع / الطبقة السائدة .
وعلى نفس المنوال ، تشجع هذه الأوضاع البهيمية ، بالإضافة إلى الدعاية المكثفة للإيديولوجية / الثقافة السائدة ، سِيما ان هذه الفئات منبوذة من طرف كل الطبقات / الفئات الأخرى ... ، البحث عن الحلول الفردية ، والركض وراء سراب الغنى والثراء الفردي بكل الوسائل .
ان تفشي كل العاهات الاجتماعية / الانحرافات السلوكية والمفاهيمية في نظر المجتمع الرسمي " المحترم " ، وفي صفوف هذه الفئات لا يمكنه ان يساعدها على وعي ذاتها كطبقة / فئة اجتماعية ، فبالأحرى أن يؤدي الى وعيها لمصالحها . وإنّ كون هذه الفئات عاجزة عن بلورة إيديولوجية خاصة ومنسجمة ، يبقيها تحت الهيمنة الإيديولوجية للطبقة السائدة ، مع كل ما يعنيه ذلك على مستوى وعيها الطبقي / الاجتماعي .
وإذا كان الخنوع / الخضوع من السمات البارزة لهذه الفئات ، فان ذلك يمتزج مع إحساس عميق بالظلم / الاضطهاد الذي تعكسه موجات الرفض / التمرد الذي يكتسي طباعا عنيفا في الغالب . ان خوف هذه الفئات من النظام والسلطة ، واحترامها له ،يصاحبه دوما حقد وكراهية دفينة لهذه النظام .
وفضلا عن كل هذا ، فان دور البنيات التقليدية ألْما قبل – طبقية ، يكتسي أهمية خاصة بالنسبة لهذه الفئات التي ليست مندمجة في البنيات الاجتماعية – الاقتصادية " العصرية " ، وذلك لأن هذه البنيات تشكل ملجئاً بالنسبة لهذه الفئات التي تسعى الى حل مشاكلها ، من خلال وفي إطار هذه البنيات ، الأمر الذي يفرض عليها سلوكا وممارسات تتنافى مع مصالحها ، مثلا مساندة مرشح رجعي في الانتخابات نظرا لعلاقاته مع النظام ... الخ
ولا ينحصر " مفعول " البطالة والتشرد على الفئات الاجتماعية التي تعاني من ويلاتها ، بل تشكل " شبحا " مخيفا يخيم على فئات واسعة من الجماهير الشعبية ، ويتهددها في كل وقت وحين في غياب تضامنها وتكتلها . وهذا الاحتمال الرهيب يؤدي إلى بذل كل الجهود والمساعي لتلافي السقوط في مهاوي البطالة / التشرد ، وعيش الغربة في الوطن " السعيد " . وليس من الغريب ان العامل ، والموظف البسيط ، يقبل بكل أنواع الإهانات ، وامتهان الكرامة ( الخصم من الأجر لفائدة صندوق التقاعد ، في حين ان السارق معروف ) خوفا من الطرد او فقدان الوظيفة ( تم ضربها بتعويضها بالتعاقد ) ، مبررا ذلك قائلا كعيّاشْ " خُبزْ لوليدات " ، الذي لا يتردد في ترديدها بمرارة . كما ان إغراق الموظفين بمختلف الديون والاقتراضات المختلفة ، خاصة تلك المتعلقة بالسكن ، جعلتهم يطأطئون الرأس ، وحولتهم إلى وضع خَدمٍ بدون حقوق عند الرؤساء الكبار الذين لا يترددون في إهانتهم ، والتقليل من شأنهم ، وخاصة عندما يكون الرئيس خاوي الوفاض .
ولئن كانت هذه الممارسات تتنافى مع بروز وتبلور وعي طبقي / اجتماعي لدى الطبقات / الفئات المسودة ، فان الطبقات السائدة لا تكف عن تشجيعها ، وتعميق الإحساس بعدم الاستقرار والخوف من المستقبل في صفوف هذه الطبقات لضبطها والتحكم فيها .
لقد حكم الملك على " نموذجه " التنموي بالفشل ، ولنا أن نتساءل عن " النموذج " ، هل هو نموذج الملك الذي فشل ، آم نموذج الأحزاب المشتركة في الحكومة وليس في الحكم هو من فشل ؟
منذ بداية الستينات ، وعند تنظيم الانتخابات التشريعية ، فان كل الأحزاب تخوضها بناء على برامج حزبية تتقدم بها الى جمهور الناخبين . وعند انتهاء العملية الانتخابية ، يتشكل البرلمان ، وتتكون من أعضائه الحكومة ، رغم ان أكثرية الوزراء لا ينتمون الى الأحزاب ، وهم محسوبين على القصر .
عند تشكيل الحكومة التي يلعب القصر من خلال مستشاريه دورا أساسيا في اختيار وزرائها الذين يثق فيهم ويرضى عليهم ، حتى تختفي بالكامل برامج الأحزاب التي على أساسها دخلت الانتخابات ، لفائدة برنامج الملك ، ومن ثم تصبح الحكومة المشكلة ، رغم انبثاقها من البرلمان الذي صوت على أعضائه الناخبون ، حكومة جلالة الملك ، لا حكومة الشعب . هكذا سنجد ان التنافس بين الأحزاب في الانتخابات ، لم يكن بسبب التنافس في البرنامج الانتخابي ، بل كان تنافس بمن يحض بشرف السبق لتطبيق برنامج الملك ، لا برنامج الأحزاب التي تختفي مباشرة بعد انتهاء الانتخابات .
إذن . هل اعتراف الملك بفشل ( النموذج التنموي الاقتصادي الاجتماعي ) ، هو فشل لبرامج الأحزاب التي لم تطبق أبداً ، ام هو فشل ل ( نموذج ) الملك باعتراف الملك نفسه ؟ وهنا ، فان من حرر الرسالة الملكية ، يكون قد ورّط الملك ، او دفع به الى الاعتراف ، الى جانب فشل " نموذجه التنموي " ، بان السمة البارزة للنظام السياسي الملكي هي الدكتاتورية . فإذا كانت الدكتاتورية المصيبة هي من يقف وراء فشل جميع الملفات ، وعلى رأسها ملف الصحراء الذي انتهى باعتراف النظام بالجمهورية الصحراوية ، وفشل تحرك النظام داخل الاتحاد الإفريقي الذي يتشبث بالجمهورية ، ويريد ان ينصب نفسه احد أطراف المشكلة ، وفشل شيء غير موجود اسمه " النموذج التنموي " ، أفلا تشكل الديمقراطية الحقيقية المناقضة للدكتاتورية ، البديل الوحيد لتحضير النماذج الاقتصادية الاجتماعية التي سترتبط في جميع فصولها بالمحاسبة ؟ الملك اعترف بفشل شيء غير موجود اسمه " النموذج " ، لكن من سيحاسب الملك على هذا " الفشل " الذي اعترف به ؟
إذن من المسئول الأول عن الفشل ؟
للإجابة ، علينا ان نحلل ما إذا كانت رسالة الملك التي اعترف بها ب " فشل " " نموذجه الاقتصادي والاجتماعي " ، قد حصلت ضمن الدولة الدستورية ، أم أنها حصلت ضمن الدولة السلطانية ؟
فإذا كانت الرسالة قد صدرت باسم الدولة الدستورية ، فالمسئول الأول والأخير عن " الفشل " يبقى هو الملك لعدة أسباب منها :
1 ) بالرجوع الى الدستور المعدل في سنة 2011 ، والذي هو امتداد واستمرارية لجميع الدساتير السابقة ، سنجد ان الملك هو محور ، ورأس ، ورئيس كل السلطات المكونة للدولة . ففي هذا الخصوص حين يدعو الملك ( الشعب ) ، من خلال المكونات السياسية والنقابية ، بالاشتراك في تبني نموذج لتعويض ( النموذج ) الذي اعترف بفشله ، فكيف لمن لا يملك سلطة ولا يقرر ، ولا يمثل في شيء ( الشعب ) بخلاف الملك الممثل الأسمى للأمة ، ان يبتكر ويقترح نموذج تنموي يُعوّض شيئا غير موجود يسمى ب " النموذج التنموي الاقتصادي والاجتماعي " الملكي ؟ ان فاقد الشيء لا يعطيه ، لان سلطة الاقتراحات والخلق والإبداع ، تتطلب الديمقراطية لترتيب المسؤوليات ، لا الأنظمة المركزية المغلقة التي تستأثر لوحدها بالشأن العام ، وتُغيّب الكفاءات والأطر المقتدرة القادرة على العطاء .
2 ) هل الفشل الذي اعترف به الملك هو وليد اليوم ؟ ومن ثم يكون اعترافا بفشل تجربة ابتدأت منذ 1999 ؟ .
ان من يعتقد ذلك سيكون مخطئاً ، لان هنا ، لا يجب ان ننسى خطاب الملك الراحل الحسن الثاني عن " السكتة القلبية " . فعوض الإصلاح لتدارك المثبطات ، يأتي الملك محمد السادس ليعترف بشيء غير موجود ويحكم بفشله " نموذجه التنموي " ، والحال انه لم يكن هناك نموذج تنموي على الإطلاق حتى يمكن الحكم عليه بالنجاح او الفشل . فما كان هو ترقيع من هنا الى هناك ، وعوض بناء اقتصاد قوي مهيكل ، استمر الوضع لصالح اقتصاد الريع الذي يستعمل في شراء الذمم ، وإفساد الأخلاق ، وخلق التنافس / الصراع بين الفئات / القبائل وبين سكان الأرض / ( المواطنون ) .
أما إذا كانت الرسالة التي يعترف فيها الملك ب " الفشل " ، قد جاءت ضمن الدولة السلطانية ، دولة أمير المؤمنين ، الإمام ، والراعي ، فان الاعتراف ب " فشل " شيء غير موجود ، هو لعب للأشواط الإضافية ، ولعب على الوقت ، لتفادي الصدمة الكبرى التي لا ريب فيها وهي قادمة . أي تعطيل الانفجار والسخط الذي يتراكم يوما عن آخر ، الى درجة أصبح فيها المغرب طنْجرة ضغط هوائية كبيرة ، قد تنفجر في أية لحظة ، وستخلف مآسي جروح لن تنسى ولن تندمل ، وأياً كانت نتيجتها .

في الدولة الثيوقراطية الاثوقراطية ، رئيس الدولة يسمى أميرا ، ويسمى إماماً وراعيا . أما سكان الأرض فهم ليسوا بمواطنين ، بل هم وفق المنطق الديني ، رعايا ، و مأمومون ، و مأمورون . أي أنهم ملك خاص للأمير ، وللإمام ، وللراعي الذي يستمد سلطاته من الله ، ومن القرآن ، ومن الإسلام .
السؤال الآن : كيف لمن هو مأموم للإمام ، ورعية عند الراعي ، ومأمور عن الأمير ، ان يبتكر ويخترع ، والحال انه نكرة في الدولة الاثقراطية الثيوقراطية ؟
ان الجواب عن كل هذه التساؤلات والأسئلة الحارقة ، هو أن الدولة الثيوقراطية الاثوقراطية ، هي معادية للديمقراطية ، وهي المسئول عن ما أسماه الإمام ، الراعي ، والأمير ب " فشل نموذجه التنموي الاقتصادي والاجتماعي " .
انه في الدولة البتريركية الأبوية ، والباتريمونيالية ، والكمبرادورية ، والاوليغارشية ، يستحيل الحديث والحكم عن شيء غير موجود أصلا باسم " النموذج التنموي " . ان الدولة البتريريكة ، الباتريمونيالية ، الكمبرادورية ، والاوليغرشية ، هي نقيض للديمقراطية ونقيض للعصرنة .

وبدون الديمقراطية الحقيقية التي ترتب المسؤولية بالمحاسبة وفصل السلط وتحديد الاختصاصات والسلطات ، فان دار لقمان سوف لن تبقى على حالها ، بل ستنفجر في وجهها طنجرة الضغط الهوائي التي سيكون انفجارها حارقا جدا .
فللخروج من القهر ، والتخلف ، والتشرد والفقر ، والأمراض المختلفة ، والفساد ، والظلم المستشري بشكل واضح ، لا مناص من الديمقراطية الحقيقية ، ومن دونها يجب انتظار أي شيء إلاّ الاستقرار .







اخر الافلام

.. شاهد: ضواحي روما الشرقية تغرق


.. الجمعيات المدنية غطاء لنشاطات ميليشيات حزب الله


.. القدس.. هاجس إسرائيل في الخطة الأميركية




.. الحكومة العراقية.. آمال عريضة وواقع صعب


.. بولتون في موسكو.. ملفات شائكة