الحوار المتمدن - موبايل



قراءة مغايرة لعالم إحسان عبد القدوس: «أصابع بلا يد» ومهاجرون بلا جذور

شكيب كاظم

2018 / 2 / 24
الادب والفن


ظل موقفي إزاء الأديب المصري إحسان عبد القدوس (1919 ــ 1990) سلبياً، بسبب تأثيرات اليسار العربي، الذي كان لا يترك مناسبة، إلا ويطفف كيله ويتهمه بتهم شتى، فضلاً عن الاتجاه الديني الذي كان يتهمه بدغدغة مشاعر المراهقين، ومحاولة إفساد الناشئة. وظللت أحيا تحت وطأة هذين الرأيين، وبقيت بعيداً عن الاطلاع على ما كتب، على الرغم من كثرته، وتحول العديد من أعماله إلى أفلام استقطبت جمهوراً واسعاً من المشاهدين، وحتى هذا الإقبال، كنت أفسره، بالآراء ذاتها التي كان يذيعها اليساريون والمتدينون.
بعد سنوات، وفي عام 1990، قرأت روايته «ونسيت أني امرأة» لأجد طرحاً مغايراً أسلوباً وكتابة وتوجهاً، مع إنها توجه انتقاداً خفياً للعهد الناصري في مصر (1952 ـ 1970) من خلال نائبة في مجلس الشعب، توافق على كل ما يطرح، وتصفق بحرارة مع المصفقين، بل إنها تحاول أن تجلب انتباه الموالين للسلطة، عند الموافقة والتصفيق، ناظرة إليهم بحبور، كي تزيل عن نفسها، كل الارتياب لتوجهاتها، مؤكدة بذلك أنها مع توجهات رأس السلطة.

عناوينه الجاذبة للانتباه

وقرأت في سنوات تلت روايته «في بيتنا رجل» التي تحولت إلى فيلم سينمائي، عرض في دور السينما عندنا، وعرضه التلفاز، لم أشاهده لموقفي الرافض لأدب إحسان عبد القدوس، فضلاً عن فيلم «الوسادة الخالية». قد يكون لاختياره عناوين صادمة، تذهب بك بعيداً عن حقائق الرواية وحوادثها، سببٌ في ذلك، فرواية «في بيتنا رجل» توحي بأنها رواية عاطفية رومانسية تقترب من أدب الكاتب اللبناني وفيق العلايلي، أو الكاتب المصري كامل مهدي أو حازم مراد في العراق، المدغدغة لأحاسيس المراهقين، لكن إذ نقرأ رواية «في بيتنا رجل» أو نشاهدها شريطاً سينمائياً، نجد أن هذا الرجل سياسي ومناضل، تطارده الشرطة كي تلقي القبض عليه، فيلجأ للاختباء في هذا البيت، حتى ينجلي الموقف فيغادره، فليس هناك عشق أو غرام أو اعتداء على حرمات البيوت. ولعل إحسان عبد القدوس، كان يختار هذه العناوين، كي يجلب الانتباه ويزيد الإقبال على كتبه. ومرة ثالثة أطلع على مجموعته القصصية «فوق الحلال والحرام»، وهي قصص رومانسية قصيرة، ليس فيها سخف أو انفلات أو تهتك، مما يسميه بعضهم (جرأة).
تقرأ هذه القصص ومن قبلها قصص «سفينة حنان إلى القمر» ـ على سبيل المثال ـ للأديبة والصحافية اللبنانية ليلى البعلبكي، المعتزلة لعالم الصحافة والكتابة بسبب الضجة التي أثيرت ضدها، وتقديمها للمحاكمة بتهمة الإخلال بالآداب العامة. نقرأ فنجد البون واسعاً وشاسعاً، بين هؤلاء وأولئك، حتى إن إحسان عبد القدوس، يذكر صدر المرأة، ويعني ثديها، كما أنه يومئ ويشير وهو يكني ولا يصرح، بعكس من يمعن في الوصف، وكأنه يخرج شريطاً سينمائياً إباحياً فاسقاً.

«أصابع بلا يد»

تتناول رواية «أصابع بلا يد» الموضوع الأثير في الرواية العربية، وأعني، الصدام الحضاري بين الشرق والغرب، التي تسرد علينا وقائع هجرة أسرة مصرية نحو كندا، والروائي يسرد علينا روايته من نهايتها، إذ تعود الأسرة إلى القاهرة، بعد أن غادر الزوج (محمود) إلى نيجيريا بعد أن حصل على عقد عمل فيها، والأم (نجوى) مع ابنتيها (نوال) الهادئة، لكنّ تحت هذا الهدوء الظاهر دواهي ومأسي وانفلاتا مبرقعا، و(نيفين) العابثة المنفلتة، التي تحيا الحياة الكندية بكل معابثتها وانفلاتها، وإحسان يستخدم تيار الوعي، وانثيال الأفكار في سرد حوادث روايته هذه، فالأم (نجوى) وهي على مقعدها في الطائرة المتجهة نحو مطار القاهرة، والرحلة تستغرق ساعات طويلة، تستذكر أيامها في القاهرة، وزواجها ورحلتها نحو كندا، وحياتها فيها، ومن ثم قرارهم بالعودة إلى مصر، هذا القرار الذي ما لقي صدى في نفس البنتين اللتين تعيشان انفصاماً حياتياً، بين الحياة في كندا، وما يرينه، تزمتاً حياتياً في القاهرة، وتعلنان دائماً، إنهما تعانيان غربة روحية ومكانية في بلد الأبوين، فليس ثمة ما يربطهما فيه، وحتى الأهل والأقرباء، لا تشعران بالمودة إزاءهما لأنهما ما عاشا معاً، وتعارفا ونمت المودة والعلاقة منذ الصغر والعيش المشترك. فـ(نجوى) المعتادة على الحياة الاجتماعية في القاهرة، والروابط الأسرية المتينة في الوطن العربي والشرق، هما ما افتقدتهما في الحياة الميكانيكية الخالية من الروح في ذلك البلد النائي، بل إن الزوج الوصولي، الذي انسلخ تدريجياً من مفاهيم الشرف، لا يمانع في حصول لقاءات مع مدير زوجته في العمل، حتى إذا ترفض الزوجة مثل هذه اللقاءات غير البريئة، وما ينتج عنها، يستغرب زوجها (محمود) قائلاً لها:
ـ إنه مديرك، وقد ينفعك في زيادة الراتب والترقية الوظيفية.
وإذ تقترح زوجته (نجوى) ـ وقد اقترب موعد ولادتها لطفلتها البكر ـ السفر للقاهرة، كي تنعم بمساعدة أمها في الولادة، يرفض زوجها ذلك مقرراً: أبدا أريد أن تلدي هنا. إن كل شيء هنا أرقى وأحسن وأريد لابني أن يولد في كندا، حتى يكون كندياً بمجرد أن يفتح عينيه. وتكتشف الأم أن ابنتها الهادئة (نوال) تكتشف في وقت تالٍ، إنها فقدت عذريتها، في حين تهرب الثانية (نيفين) من دارهم، كي تحيا انفلاتها، والأب لا يستطيع إعادة ابنته لدارهم، حسب القوانين الكندية، التي تمنح الفرد حريته للعيش في المكان الذي يشاء، وإذ تحاول الأم إفهام البنتين شيئاً من أصولهما وديانتهما، تجابه هذه الرغبة بالرفض من لدن البنتين، فضلاً عن المجتمع الكندي، الذي يرفض أي توجيهات، تاركاً الأمر للفرد ذاته لاختيار طريق حياته.. «إنهم يتجاهلون في المدارس، حيث يتعلم الأطفال، يتجاهلون حتى ذكر الله، والمجتمع الكندي يفترض أن العلاقة بين الإنسان والله هي علاقة شخصية خاصة… فليس من حق المجتمع أن يفرض إيماناً وتعاليم محددة على كل البشر.. إن من حق المجتمع أن يفرض القوانين التي تنظم التعامل وتكفل الحماية والاطمئنان لكل الأفراد، ولكن القوانين شيء آخر غير الأديان». كذلك مسألة الجنس في مجتمع ينظر إليه بوصفه حاجة طبيعية يجب أن تلبى مثل الأكل والشرب، هذا ما لا تستطيع الأم استساغته، على الرغم من أنها عاشت نزوات غرامية، أيام شبابها الأول وقبل زواجها يوم كانت تحيا في القاهرة. البنتان اللتان لا تربطهما بمصر أي رابطة ـ وقد قرر الأب العودة إلى بلدهم ـ تستغربان هذا الحبور الذي ران على أمهما وهي تنزل من درج الطائرة التي حطت في مطار القاهرة وإنهما لا تحسان بشيء وتتطلعان حولهما كأنهما تسيران في فوج سياحي، وإنهما ليستا مصريتين بل كنديتان. لكن ما يصدم الأم أولاً إن كل شي تغير في مصر، وكل أمر بحاجة إلى واسطة، وأن الأمور لا تجري بشكل طبيعي كما تركتها يوم غادرت نحو كندا.

هو الوطن

إزاء هذا الإحباط وعظم المسؤولية الملقاة على الزوجة مع غياب الزوج للعمل في نيجيريا، يبدأ الشعور بالتبلور لدى الزوجة، مع إلحاح البنتين على العودة إلى كندا، لا بل ان البنتين تهددان بالرحيل إن لم توافقهما أمهما. ويأتي قرار الأب، بعد ان حصل على إجازة من عمله في نيجيريا، وقد لمس رغبة الأم وبنتيها في العودة إلى هناك «لقد فكرت طويلاً، وانتهيت إلى قرار… أني سأعود إلى عملي في نيجيريا بعد عشرة أيام، سأبقى هناك عاماً كاملاً، وقد قررت أن تعدن إلى كندا.. لقد تعودتن على الحياة هناك، وبعد ان ينتهي العام سنقرر من جديد أين نقيم»..
إن إحسان عبد القدوس بروايته الرائعة هذه «أصابع بلا يد» يحض على عدم مغادرة الأوطان، لأن معناها القطيعة والخسران، فلقد تحول الزوج إلى ديوث همه المال والأطيان، كما خسر ابنتيه اللتين انسلختا عن جذورهما، ونسيتا لغة الوطن، كما خسر الزوجة، التي عادت لنزواتها مع عشيق الشباب، على الرغم من ربع قرن من الزمان.







اخر الافلام

.. فنانون سوريون يحولون -أنفاق الموت- في جوبر إلى أعمال فنية


.. ثقافة العيب تمنع إحصاء مرضى الزهايمر في فلسطين


.. مزاد في لندن لتذكارات مأخوذة من أهم الأفلام في السنوات الأرب




.. المغرب: موسيقى -العيطة- مع إيقاعات غربية في مهرجان الجاز بال


.. مهرجان الجونة السينمائي بمشاركة نجوم عالميين