الحوار المتمدن - موبايل



خبرات شخصية بشأن ديمقراطية العملية التعليمية فى الجامعة

محمد رؤوف حامد

2018 / 3 / 2
التربية والتعليم والبحث العلمي


خبرات شخصية بشأن ديمقراطية العملية التعليمية فى الجامعة

[يتضمن هذا المقال محاضرة للمؤلف بعنوان "العملية التعليمية كموازنة بين الحرية والمسؤلية عند طلاب وأساتذة الجامعة" كان قد القاها فى مؤتمر القدرة التنافسية للجامعات العربية فى مجتمع المعرفة (جامعة عين شمس/ القاهرة/ 10-12 فبراير 2018) وقد نشر عنها مقتطف فى كتاب ملخصات بحوث المؤتمر]
تمهيد:
"الباحث", وهو الإسم الذى سيتكرر ذكره, كإشارة الى المؤلف Author , على مدى هذه الورقة, لم يكن فى حسبانه قط أن الظروف التى أدت به الى العمل بالتدريس الجامعى فى بلد عربى شقيق, فى نهاية السبعينات من القرن الماضى, كانت تقوده أيضا الى الإضطلاع بمهمة, قُدر له أن يفرضها هو على نفسه.
إنها مهمة تختص بالمساهمة فى تطوير العملية التعليمية فى إطار سياقات وأهداف لم يكن على دراية بها من قبل.
جرت وقائع هذه التجربة فى كلية الصيدلة بجامعة الفاتح فى ليبيا, وذلك على وجه الخصوص فى الفترة مابين أواخر 1978 وأوائل 1983, بعد أن كان الباحث قد حصل على الدكتوراة فى علم الأدوية عام 1977.
فى وقت لاحق, وتحديدا مابين نهايات 2008 وحتى نهايات 2014, عمل الباحث أستاذا لعلم الأدوية فى جامعة العلوم الصحية بأسمرة (إريتريا), حيث مارس قدر من التطوير فى العملية التعليمية, كإمتداد وتطبيق لبعض الخبرات التى كانت قد نمت لديه أثناء فترة عمله فى جامعة الفاتح بليبيا.
قبل وبعد هاتين الفترتين يقوم الباحث بمهام بحثية رئيسية كأستاذ بالهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية, وذلك فيما عدا مساهمات سابقة فى التدريس لطلاب الدراسات العليا بإحدى الجامعات المصرية الحكومية.
هذا, تتضمن الورقة ستة أجزاء كالتالى:
- نقطة الإنطلاق فى التغيير الذى جرى.
- الأسس المعرفية للتحول.
- المتطلبات العملية لممارسة التحول.
- أنواع ومعالم التغييرات التى مورست فى العملية التعليمية.
- التداعيات الرئيسية لما جرى من مبادرات تغييرية فى العملية التعليمية.
- إستنتاجات.

أولا – نقطة الإنطلاق فى التغيير الذى جرى:
فى خريف 1978 , بعد أن كان الباحث قد حصل على الدكتوراة فى العلوم الصيدلية (1977), تطلبت ظروف خاصة بالباحث أن يتجه الى العمل فى بلد عربى.
إختيارات الباحث, إضافة الى سياقات الفترة الزمنية المذكورة, أدت الى أن يكون العمل فى كلية الصيدلة / جامعة الفاتح بليبيا.
وقتها كانت هذه الكلية حديثة النشأة, إذ كانت الدفعة الأولى فيها (والتى تخرجت عام 1980) على وشك بدء العام الدراسى الثالث لهم.
كانت خطة الباحث أن يمارس العمل فى ليبيا فقط لعام واحد لا أكثر, غير أن التجربة التطويرية التى مر بها مع طلابه أدت به الى مواصلة التدريس الجامعى فى كلية الصيدلة بجامعة الفاتح حتى صيف 1983.
عاملين رئيسيين أديا معا الى إدخال الباحث فى مجال تطوير العملية التعليمية.
تمثل العامل الأول فيما كان قد تكون لديه فى زمن سابق من عدم رضا عن العملية التعليمية بالشكل الذى مورست به عليه عندما كان طالبا بالجامعة (كلية الصيدلة/جامعة الإسكندرية) وحتى تخرجه (1970) .ذلك برغم حبه وتقديره لهذه الكلية ولأطقم هيئة التدريس بها, حيث كانت واحدة من الكليات الأحسن فى أوضاع وعلاقات العملية التعليمية على مستوى كافة جامعات مصر وقتها.
كان عدم رضا الباحث يتعلق بممارسة التلقين فى عديد من المحاضرات, إذ كان يقاطع تماما المحاضرات التى كان المحاضرون فيها يعتمدون فى القاءها على الإملاء, أو - بمعنى آخر- يدفعون الطلاب الى التلقين المباشر, ومن ثم الحفظ.
وهكذا كان الخيار الأساسى للباحث, وقت أن كان طالبا, هو أن يعمل بعد تخرجه كباحث. لقد إتخذ ترتيبات لمساره العملى فى الحياة على هذا الأساس, وبالفعل كان قد التحق بعد التخرج بالعمل كمساعد باحث فى قسم علم الأدوية بمركز الأبحاث والرقابة الدوائية بالقاهرة.
تمثل العامل الأول إذن فيما كان قد تكون لدى الباحث من رفض للتلقين كطريقة للتدريس, وبالتالى عندما إقتضت الظروف أن يقوم بالتدريس فى ليبيا إختار أن يتجنب – كمحاضر – أن يكون ملقنا. لقد كان مصمما عل أن لايكررما كان يستاء منه كممارسات تلقينية من جانب بعض أساتذته, وبالتالى كان قراره أن لايعتمد فى محاضراته على التلقين.
أما عن العامل الثانى فى إدخال الباحث فى مجال تطوير العملية التعليمية فكان يتمركز فيما تعرضت له محاضرته الأولى من فشل تام, وكانت على طلاب السنة الثانية فى أول درس لهم فى مجال علم الأدوية (نوفمبر 1978), وهى الدفعة التى تخرجت 1981.
السؤال الآن, كيف جاء الفشل فى المحاضرة الأولى, وكيف أدى هذا الفشل الى قوة دفع لتطوير العملية التعليمية ؟
لأن الباحث لم يكن يملك أية خبرات تدريسية فقد لجأ الى كبار الأساتذة من زملاءه, ليستعلم منهم عن الطريقة (أو الطرق) الفعالة فى التدريس. كان من بين كبار الأساتذة هؤلاء من كان بمثابة أستاذ له, أو ممتحن خارجى, وقت أن كان طالبا.
أكبر هؤلاء الأساتذة خبرة وإسما وذيوعا للصيت كان أحد أساتذة الطب, والذى كان ممتحنا خارجيا للباحث وقت أن كان تلميذا بالصف الأول فى كلية الصيدلة.
بالفعل لجأ الباحث الى هذا الأستاذ, والذى كان غاية فى المودة والحمية فى المساعدة وتقديم الخبرة.
قام الباحث بإعداد محاضرته الأولى بالطريقة التى أوصاه بها الأستاذ الكبير ذائع الصيت. تدرب الباحث أكثر من مرة على القاء المحاضرة. إنها محاضرته الأولى على طلاب جامعيين فى مرحلة البكالوريوس. هى تجربة جديدة فى حياته يدخلها لأول مرة.
ولأن الباحث بعد تخرجه بعام كان قد إستوعب جيدا المنهج العلمى فى التفكير (والعمل به), على أيدى أستاذ ورئيس قسم علم الأدوية فى جامعة دبلن وقتها Prof Cedric W.M.Wilson , فإنه لم ينسى أن يلاحظ بعض المعايير الموضوعية بشأن تقبل الطلاب للمحاضرة, وحتى يستطيع أن يقيم أداءه, ويقومه.
من أهم هذه المعايير كان عدد الطلاب الباقين فى قاعة المحاضرات فى نهاية المحاضرة, مقارنة بعددهم فى بدايتها.
وبينما كان عدد الطلاب فى بداية المحاضرة أربعين, فقد فوجىء الباحث بأن الباقين منهم فى نهايتها لايتجاوز عشرين طالبا.
أدرك الباحث أنه لم يكن موفقا فى القاء المحاضرة.
وهكذا, فى نهاية اليوم, وعلى منضدة العشاء داخل المطعم الجامعى, التقى الباحث بالأستاذ الكبير, والذى كان شغوفا بالإطمئنان على النتيجة. لقد بادر الأستاذ الكبير بالإستفسار, حيث دار بينهما الحوار التالى:
الأستاذ الكبير: إن شاء الله تكون المحاضرة قد نجحت بالشكل الذى تتمناه.
الباحث: لاأظن أستاذى...
الأستاذ الكبير: كيف ذلك, .. إحكى لى بالضبط ماذا حدث.
الباحث: لقد إتبعت بالتمام كافة نصائح حضرتك, أى كذا .. وكذا .. وكذا.. الخ.
الأستاذ الكبير: ولكن قل لى,.. هل أخذت ال Attendance (أى الغياب) فى بداية المحاضرة؟
الباحث: لا لم آخذ الغياب.
الأستاذ الكبير: هذا هو الخطأ الذى وقعت فيه.., لو أنك كنت قد أخذت الغياب لكانوا جميعا, الأربعون طالبا وطالبة, قد بقوا فى أماكنهم حتى نهاية المحاضرة.
. . . . . . . . .
هنا إتضح الأمر بشكل جلى للباحث. ذلك أن الأستاذ الكبير يؤكد على ضرورة اللجوء الى اللائحة الداخلية فى الجامعة لتكبيل الطلاب فى أماكنهم داخل قاعة الدرس طوال "الحصة", وذلك بعصى الغياب Attendance.
كانت آراء باقى الأساتذة تتوافق مع رؤية الأستاذ الكبير, الأمر الذى دفع الباحث, طبقا للمنهج العلمى فى التفكير, الى إدراك أن هناك خطأ أو أخطاء, تقع خارج نطاق المعرفة السائدة عند الأساتذة بخصوص القاء المحاضرات. ذلك حيث أن الباحث كان يرى أن بقاء الطلاب فى المحاضرة يجب أن يكون بسبب إستمتاعهم بها, وليس تخوفا من العقاب.
وهكذا, كان قرار الباحث هو "اللجوء الى المعارف التربوية بخصوص العملية التعليمية", وذلك من خلال الإطلاع على مختلف الكتب ذات الصلة فى مكتبة كلية التربية فى جامعة الفاتح فى ليبيا.
لقد وجد الباحث فى هذه الكتب مجالا معرفيا جديدا وخصبا بالنسبة له, وانتقى منها حوالى 18 كتاب, وتمكن من إستعارتهم جميعا من خلال تفاهم جميل مع إدارة المكتبة. ومع هذه الكتب, وعلى مدى أسبوعين, مارس الباحث حملة دراسية ذاتية مكثفة, من أجل التعرف على (والسباحة فى) المعارف والتقانات التربوية الأكاديمية المتنوعة بشأن عناصر وأبعاد العملية التعليمية, من حيث تخطيطها وإدارتها وتفعيلها, وما يتطلبه كل ذلك من مفاهيم وسياقات.
كانت الكتب باللغتين الإنجليزية والعربية, ومنها تعرف الباحث على أسماء مصرية وعربية كبرى فى هذه المجالات, والتى كان من أبرزها إسم "القوصى".
لقد أدت هذه الحملة الدراسية الذاتية المكثفة بالباحث الى إدراكين رئيسيين. الإدراك الأول هو أن الأوضاع التعليمية الجامعية القائمة, والتى نما هو فى أحضانها أثناء دراسته الجامعية, لاتقوم على دعائم تربوية راسخة. وأما الإدراك الثانى, فهو أن عليه أن يجتهد (نظريا وعمليا) فى وضع تصور للتغيير المفترض, وفى ممارسة هذا التغيير.
ثانيا- الأسس المعرفية للتحول:
بالتفاعل الذهنى من جانب "الباحث", مع المعارف التربوية المكتسبة لديه (بالإطلاع), وبالأخذ فى الإعتبار لكل من الواقع الجامعى المتسيد وقتها (نهاية السبعينات), وكذلك لقدر المسافة المطلوب الإنتقال عبرها من الواقع الى المأمول, كان أن توصل الباحث الى الأسس المعرفية التالية, كلازمة للتحول الى ماينبغى أن يكون بشأن مساهمة الأستاذ فى العملية التعليمية:
1- يُعد الطالب فى الجامعة شريكا أصيلا للأستاذ فى العملية التعليمية (وليس تابعا).
2- وجود فارق جسيم بين مفهومى "التعليم" و "التعلم".
3- مهمة كبرى للعملية التعليمية تتمركز فى تجسيم و تنشيط التعلم عند الطلاب.



ثالثا- المتطلبات العملية لممارسة التحول:
كانت الأسس المعرفية للتحول فى العملية التعليمية, كما أدركها الباحث, تعنى الحاجة الى مايلى من متطلبات يمكن إعتبارها أهدافا جزئية:
(1) إبتكار (ودعم) السياقات والعوامل التى تدفع الطالب الى التعلم, وتحببه فيه, وتعمق قدراته على ممارسته, وتهيئه للإستمتاع به وبمخرجاته.
(2) تخلى الأستاذ عن "الأستذة الشكلية", والتى فيها يجرى التعامل مع الطلاب من علٍ, ويتجنب الأستاذ ظهور نقاط ضعفه أمامهم ...الخ.
(3) تخصيص المحاضرات الأولى فى أى مقرر لتقديم المقرر ككل, ولتنشيط مناقشات واستفسارات الطلاب بشأنه, وذلك - مثلا – من حيث أهمية المقرر, وأهمية مكوناته, والترتيب الأمثل لهذه المكونات, وكذلك علاقة المقرر بالمقررات الأخرى. الغرض الرئيسى هنا دعم قدرة الطالب على الحس بأبعاد المقرر وعلى إدراك فلسفته.
(4) جعل العملية التعليمية أداة لإنجاز مايلى:
أ‌- دعم الشخصية التعلُمية The Learning Personality عند الطالب.
ب‌- تنشيط التفاعلات الذهنية والإجتماعية بين الطالب وكل من الأستاذ, وبقية الطلاب, والجامعة كمؤسسة.
ت‌- إعطاء الطالب مايمكن إعتباره المنهج العلمى فى التفكير (أو المفتاح) بشأن المقرر المعنى (أى مقرر يُدرس له).
ث‌- الدمج بين العملية التعليمية والعملية البحثية. بمعنى آخر, ترقية التعلم من خلال التمكين من العملية البحثية, وترقية الحس البحثى من خلال تصويب عملية التعلم.

رابعا- أنواع ومعالم التغييرات التى مورست فى العملية التعليمية:
إتخذت هذه التغييرات أشكالا عدة, والتى اشتملت على تقنيات معروفة أكاديميا, وأخرى جرى إبداعها بناء على الظروف والأحوال المجتمعية المحلية. كذلك إعتمدت الممارسات التطويرية على الإجتهاد فى تغيير المفاهيم والتوجهات (وربما أيضا العلاقات), بطرق مباشرة و/أو غير مباشرة, سواء فيما يتعلق بشخصية الأستاذ, أو بشخصية الطالب, أو بالعلاقة بين الأستاذ والطالب, أو بين الطلاب وبعضهم, ... الخ. ذلك إضافة الى علاقة كل من الأستاذ والطالب بالسياقات الإدارية التقليدية التى كانت سائدة فى المنظومة التعليمية دون حيثيات مقبولة بشكل مفهوم.
هذا, وفيما يلى أهم أنواع التغييرات التى جرت:
1- عدم أخذ (أو تسجيل) الغياب فى المحاضرات النظرية:
ذلك بمعنى أن حضور أو عدم حضور الطالب للمحاضرات لايؤثر مطلقا على تقييمه, وإنما يعتمد التقييم فقط على قدر فهمه وإستيعابه للموضوع العلمى المقرر عليه.
من أجل منع الحرج عند الطلاب, وبغرض تحرير تصرفاتهم من الخضوع والتبعية تخوفا من الأذى, كان الباحث يؤكد لهم باستمرار أنه يحترم جدا من يحرز نتائج طيبة, سواء حضر أم لم يحضر المحاضرات, بل كان يؤكد لهم أن التقدير يكون واجب أكثر لمن يحرز نتائج طيبة جدا برغم عدم حضوره للمحاضرات.
لقد أدى هذا التوجه الى إرتفاع نسبة الحضور بشكل لم يتحقق فى المحاضرات الأخرى, حيث كان الحضور كاملا فى معظم الأحيان (40/40).
2- عرض جميع وحدات المقرر فى المحاضرات الأولى:
كان ذلك يستهدف إجراء مناقشة مع الطلاب بخصوص أهمية المقرر ومخرجاته, وكذلك خصوصيات وتكاملية الوحدات المختلفة التى يتكون منها المقرر. كانت المناقشات تتضمن الإتفاق بشأن أحسن ترتيب ممكن لتتالى وحدات المقرر.
الغرض هنا كان إكساب الطالب دراية بما سيكون, وبأبعاد المقرر, وإشراكه فى إتخاذ القرار بشكل فعال فى مسار المحاضرات.
3- تغييرات بشأن شخصية الأستاذ:
فى الأساس, إستهدفت هذه التغييرات تنازل الأستاذ عن الشكل المفتعل للأستاذية, أوعن الصورة الذهنية التقليدية للأستاذية عند الأستاذ نفسه, أو عند الآخرين (من طلاب وغيرهم).
جرى ذلك من خلال التوضيح لما يلى:
- أن الأساس فى المعرفة ليس مالدى الأستاذ من معارف, وليس مايقوله فى المحاضرات, وإنما هو النظريات العلمية والمعارف الموثقة (فى أوراق علمية وكتب...الخ), وهى جميعا ( أى النظريات العلمية والمعارف الموثقة) تخضع للتطور والتغيير مع الزمن.
- أن مايزيد عند الأستاذ عن الطالب هو خبرة بحكم التخصص والفارق العمرى, إضافة الى دراية بالخصوصيات المنهجية فى العلم الذى يقوم بتدريسه.
- أن من الطلاب من ستكون له فى المستقبل مساهماته فى تطوير وتغيير المعرفة القائمة.
- أن الأستاذ يقبل (ويخضع ل) النقد من الطالب, ويرحب به, ويشجعه, وذلك حتى يرتقيا معا, الطالب والأستاذ, مما يؤدى بالعملية التعليمية الى أعلى إرتقاء ممكن.
- أن الأستاذ إنسان, أى من البشر, وبالتالى من الممكن أن تكون له نقاط ضعف, كالنسيان مثلا.
هنا تجدر الإشارة الى مثالين تطبيقيين حدثا بالفعل مع الباحث:
المثال الأول صنعه الأستاذ (أو الباحث) بنفسه, وكان أن تظاهر فى إحدى المحاضرات بأنه قد قام بواجبه تماما فى تحضير المحاضرة, غير أنه لسبب ما قد نسى أوراق المحاضرة فى المنزل. فى نفس الوقت لاتسعفه ذاكرته لإلقاء المحاضرة لأنه لايحفظها. وكان أن إتفق مع الطلبة على تخصيص وقت هذه المحاضرة فى مراجعة ماسبق من خلال نقاشات الطلاب وأسألتهم.
أما عن المثال الثانى فهو مذكور بالتفصيل فى كتاب للباحث (التفكير العلمى – دار المعارف – القاهرة – 2007 – ص 22 الى 24). خلاصة هذا المثال أنه كان على الباحث, طبقا لطلب من العميد, أن يحاضر لطلاب السنة الأولى فى أحد مجالات العلوم الإنسانية, وذلك فى مقرر قصير جدا مدته ساعتين. لم يكن الباحث قد تعامل مع هؤلاء الطلاب من قبل, حيث مقررات علم الأدوية تبدأ فى السنة الثانية. لقد إختار الباحث أن يحاضرهم فى موضوع المنهج العلمى فى التفكير. فى نهاية ساعتى المحاضرة وقبل مغادرته المنصة هرولت اليه إحدى الطالبات, وناولته ورقة مطالبة إياه بقراءتها فورا.
وقد قرأها الباحث بالفعل, بينما عيون الطالبة, وزميلة لها وقفت بالقرب منها, كانت مسلطتة على وجه الباحث تتأمله.
كانت الورقة تحتوى على عبارة تقول فيها الطالبة: " يادكتور .. أنت تكلمنا عن المنهج العلمى, وأنت لاتعرف المنهج العلمى, ونحن لم نفهم منك أى شىء".
لقد أجابها الباحث مباشرة: أشكرك .. وأود أن تكونى على حق فى رأيك أو فى جزء منه, وسأكون سعيدا لوذكرتى لى تفاصيل وأمثلة لشرح هذا الرأى المهم. ثم تابع الباحث قائلا: بإمكانك أن تزورينى فى مكتبى وتشرحى لى رأيك وبالتأكيد سأستفيد منه.
كانت المفاجئة أن إنهمرت الدموع من عينى الطالبة وأخذت فى البكاء بينما هى تقول:
دكتور .. دكتور .. أرجو أن تعذرنى.., أنا لم أقصد مطلقا ما كتبت.., لقد أردت أن أثبت لنفسى شيئا لكننى كنت مخطأة.
وبإيجاز شديد (فى المقام الحالى لهذه الورقة) نشير الى أن الطالبة كانت قد سمعت من زملائها فى السنوات الدراسية الأعلى عن إنسجام الطلبة مع عمليات تطوير العملية التعليمية التى يقوم بها الباحث مع الطلاب, غير أنها كانت لاتتفق معهم فى رؤاهم. هى كانت تعتقد أن الباحث (أو هذا الأستاذ) لايختلف عن بقية الأساتذة, وأن الطلاب مخدوعين فيه, حيث فى رأيها كل الأساتذة سواء, هم لا يطبقون ما يقولون.
كانت هذه الطالبة النجيبة تهدف الى أن تكشف للطلبة كيف أن الباحث يتحدث عن المنهج العلمى لكنه لايعمل به عندما يناقش أمرا حرجا يخصه.
وبإيجاز أيضا, ماحدث مع الطالبة هو أن الباحث هنأها بإعتبارها بما فعلت تكون قد أجرت تجربة علمية تختبر من خلالها فرضا نظريا (أى Hypothesis) كانت قد وضعته.
(ملحوظة: هناك أمثلة لممارسات أخرى تختص بشخصية الأستاذ ستجرى الإشارة اليها فى مكان لاحق بهذه الورقة).
4- تغييرات بخصوص "الإمتحان":
إستهدفت هذه التغييرات تحرير الإمتحان (وبالتوازى أيضا تحرير الطلاب) من الشكل التقليدى المتعارف عليه عند الكثيرين بأن وظيفة الإمتحان هى قياس قدرة الطالب على إستظهار ماجرى تلقينه اليه.
بمعنى آخر, كان القصد - الى حد كبير- خروج الطالب من حالة الإتباعية لما يتلقى من معلومات منتظمة من خلال المحاضرات, وبالتالى إستخدام الإمتحان كمناسبة للتفاعل المعرفى الواسع (على أسس منهجية) مع المعرفة الخاصة بموضوع المقرر الذى يجرى بشأنه الإمتحان.
فى كافة أنواع الإمتحانات غير التقليدية التى إتُبعت كان تفهم الطلاب ,من خلال مناقشة مع أستاذهم (أى الباحث), وقبولهم لطريقة الإمتحان, أمرا أساسيا, ذلك ماعدا المرة الأولى التى إتُبع فيها الإمتحان المنزلى Take home-exam.
• إمتحان الكتاب المفتوح Open book-exam.
وفيه كان مسموحا للطالب أن يصحب معه فى الإمتحان كراس المحاضرات الخاصة به, إضافة الى أحد الكتب المرجعية.
• امتحان تعتمد فيه الدرجة التى يحصل عليها الطالب على كل من جهده الفردى بالإضافة الى الجهد الجماعى, أى جهده مع زملاء له. لقد أطلقنا على هذه الطريقة مسمى " Group-dependent marking " أى التصحيح المعتمد على الجهد الجماعى Team work.
بإيجاز,فى هذه الطريقة يقسم الطلاب الى مجموعات. يراعى فى المجموعات أن تكون متكافئة بأعلى إمكانية ممكنة, وذلك من حيث عناصر مثل نسبة الجنسين (من الطلبة والطالبات), والمهارات الذهنية, والخصائص الإجتماعية للأفراد (كالضحك والتهريج و الإنطواء و القدرة على الحوار وإمكانيات القيادة), وتنوع الهوايات ...الخ.
هذا, وتدعى المجموعات للقاء فى موعد معين, لفترة فى حدود ساعتين, بحيث تجلس كل مجموعة على حدى.
فى هذا اللقاء توزع على الطلاب قائمة بأسئلة (تدريبية) فى المقرر المفترض أن سيجرى الإمتحان فيه (وهى قائمة يكون الباحث قد أعدها خصيصا لهذا اللقاء). وكذلك يخصص لكل مجموعة كتاب مرجعى يمكن أن يُرجع اليه عند الحاجة.
وهكذا, يتعاون طلاب المجموعة فى حل الأسئلة وتبادل النقاش بشأن صحة الحل, ويمكنهم أن يرجعوا للإستفسار من الأستاذ (أى الباحث), ولكن بعد أن يكونوا قد حاولوا الإستعانة بالكتاب. ولكل مجموعة, حسب ظروفها وتوافقها, أن تلتقى فى أوقات أخرى لتستأنف التحضير للإمتحان.
فى الإمتحان تكون الدرجة النهائية من مائة درجة كالعادة, ولكن مجموع درجات ورقة الأسئلة يكون أقل من مائة. مثلا, يكون الحد الأقصى لمجموع درجات ورقة الأسئلة 80 درجة.
عند التصحيح ورصد الدرجات تكون درجة كل طالب على حدى (من 80 كحد أقصى) هى الدرجة المعتمدة على جهده الفردى.
بعدها, يجرى حساب مجموع الدرجات الفردية لكل مجموعة. هذا, وترتب المجموعات طبقا لحاصل مجموع الدرجات الفردية لأعضائها. هذا الترتيب هو الذى يحسم كم من الدرجات العشرين الباقية من المائة درجة يضاف الى الدرجة الفردية للطالب (والتى هى بحد أقصى 80 درجة).
هنا, المجموعة التى يكون حاصل مجموع درجاتها الفردية هو الأعلى بين المجموعات الأربعة يضاف الى الدرجات الفردية لكل طالب فيها 20 درجة, فمثلا إذا كانت أحسن درجة فردية فيها هى 76, فإن صاحب هذه الدرجة يحصل على 76 +20 (أى 96/100).
أما بالنسبة لثانى أحسن مجموعة فى حاصل جمع درجات أفرادها, فإن الدرجة التى تضاف الى الدرجات الفردية لكل طالب فيها هى فقط 15 درجة.
وبالنسبة لثالث أحسن مجموعة يضاف للدرجة الفردية لأعضاءها 10 درجات. وبخصوص المجموعة الرابعة, والتى هى الأقل فى حاصل مجموع الدرجات الفردية, فإن الدرجة التى تضاف الى الدرجات الفردية لأعضاءها هى فقط 5.
وعليه, بالنسبة للمجموعة الأولى أضيف 20 درجة لكل فرد فيها بإعتبار أنهم الأحسن فى الجهد الجماعى, والعكس بالنسبة للمجموعة الرابعة.
معنى ذلك أنه, مثلا إذا حصل أحسن طالب فى المجموعة الأولى على 76, فإن درجته النهائية تكون 96/100. وأما إذا حصل أحسن طالب فى المجموعة الرابعة (والتى هى الأخيرة / أو الأقل فى الجهد الجماعى) على ,80 والتى هى أعلى من 76, فإن درجته النهائية تكون فقط 85/100.
وهكذا, يمكن لهذا الإمتحان أن يعضد فكرة الجماعية, وأن يساعد الطلاب على ممارستها (أى الجماعية) كقيمة وكطريقة.

• الإمتحان المنزلى Take home-exam
فى المرة الأولى لعقد هذا الإمتحان بدأ الطلاب التعامل مع الإمتحان بإعتباره إمتحانا تقليديا لمدة ساعة واحده, لكن مع السماح بإصطحاب كراس المحاضرات..., وبعد منتصف الوقت بقليل سألهم الباحث ماإذا كانوا يريدون ساعة إضافية؟... على الفور طالب جميع الطلاب بذلك.
قرب نهاية الساعة الثانية سألهم الباحث ما إذا كانوا يودون أخذ الإمتحان معهم الى المنزل بحيث يُحضروا ورقة الإجابة قبل حلول الساعة التاسعة من صباح اليوم التالى.
أيضا هنا كانت الموافقة جماعية من الطلاب, وبالفعل التزموا جميعا بالموعد المحدد.
• إمتحان قاعة المكتبة Library exam :
فى هذا الإمتحان كان لكل طالب سؤال واحد خاص به ومختلف تماما عن الأسئلة الخاصة ببقية زملاءه (ملحوظة: عدد الطلاب 40). هذا, وكان السؤال يعطى للطالب محررا على قصاصة ورق صغيرة, على أن يجرى تسليم الإجابات فى وقت معين أثناء نفس اليوم.
كان هذا النوع من الإمتحانات يستهدف إعتبارين. أولا, دفع الطالب الى الإعتياد على التعامل مع المكتبة بخصوص إجابة الأسئلة وحل المشكلات. ثانيا, الأخذ فى الحسبان للفروق الفردية بين الطلاب من حيث إهتماماتهم وخصائصهم. ذلك حيث منهم من يتميز بالذكاء وسرعة البديهة, ومنهم من يكون بطيئا نوعا فى سرعة الفهم بينما يمتلك قدرة على الحس بالمنطق واستخدامه ...الخ.

ملاحظات بشأن الأنواع الأربعة (غير التقليدية) للإمتحانات, والمذكورة أعلاه:
بالإضافة الى تخليص الطالب من الإتباعية للنوع التقليدى للإمتحانات (والذى هو تلقينى الى حد كبير), فإن هذه الأنواع الأربعة كانت فى عمومها تقصد الى:
- تشجيع الطالب على التعامل مع الإجابه (أو الحل) من خلال المصادر المعلوماتية.
- إتاحة الفرصة للحوار بين الطلاب وبعضهم بخصوص موضوعات الأسئلة, وبالتالى توسيع وتعميق الإلمام المشترك, والتشجيع على تبادل المعلومات ووجهات النظر.
- دعم قدرة الطلاب على رؤية أنفسهم (وتطوير إمكاناتهم) بشأن إتخاذ القرار الخاص بالإجابة – وتقريبهم بذلك من الوضع التطبيقى فى حياتهم العملية بعد التخرج, أى التدرب على إصدار القرار بعد فحص الخلفيات المعلوماتية/المعرفية بخصوص السؤال أو المشكلة.
وربما يجدر هنا أن نشير الى ملاحظة تختص بالإمتحان المنزلى Take home exam, إذ تلاحظ أن بعض الطلاب الذين درجوا على الحصول على أعلى درجات فى الإمتحانات التقليدية قد حازوا على درجات منخفضة فى هذا الإمتحان, وأن حجم ما كتبوه كإجابة يفوق جدا الحجم الممكن للإجابة المفترضة. وفى المقابل فإن العكس قد حدث بالنسبة لبعض الطلاب الذين إعتادوا الحصول على درجات منخفضة. إنها مفارقة قد تتعلق بالقدرة على إتخاذ القرار والحسم.

أما الإمتحان الذى تعتمد درجة الطالب فيه على الجهدين معا, الفردى والجماعى, فقد كان يقصد منه (بالإضافة الى المقاصد التى جرى ذكرها أعلاه) أن يشجع الطلاب على التفكير معا, أى التفكير الجماعى أو تفكير الفريق Team´-or-collective thinking, الأمر الذى يساعدهم على اكتساب قابلية العمل كفريق Team work.
وهكذا, من الناحية العملية, قُصد من هذا الإمتحان أن يقوم الطلاب بالتدرُب الذاتى على الحوار Dialogue , وعلى ممارسة الإنتماء الى فريق, فى إطار إشكاليات تعليمية / علمية.
هذا, وقد جرى تصميم (أو إبتكار) هذا الإمتحان بواسطة الباحث بناء على الحاجة التى أحس بها لتصحيح و تحسين العلاقات العلمية للطلاب مع بعضهم, ولدعم إتجاه العمل الجماعى عندهم Team work attitude.
5- عن التغيير فى العلاقات البينية بين الطلاب وبعضهم والطلاب والأساتذة:
كان القدوم الى هذا النوع من التغييرات تلقائيا وتكامليا كأحد أبعاد العملية التعليمية, ثم كإمتداد للتغيير فى أنواع الإمتحانات.
هنا, كان القصد الرئيسى هو بناء وتعميق "الثقافة العلمية" للطلاب فى مجال علم الأدوية. ذلك إضافة الى التعود على العمل الجماعى, وبناء الثقة بشأن ممارسة التعلم, وأيضا ممارسة "التفكير من خارج الصندوق".
من أهم أنواع الممارسات التى جرت فى هذا الخصوص يمكن الإشارة الى مايلى:
• تدريب الطلاب على القيام مع بعضهم البعض بعمل حلقة نقاشية كبيرة (سيمينار).
لهذا الهدف, وكموضوع للسيمينار, جرى إختيار "الموصلات الكيميائية العصبية" Neurochemical transmitters.
كان الأساس فى الإختيار أن لايكون موضوع السيمينار جزءا من المقرر, لكن -فى نفس الوقت- يكون مهما كخلفية علمية للمقرر ولمقررات أخرى تالية, ذات صلة, فى السنوات الدراسية الأعلى. ذلك فضلا عن أن يكون من الموضوعات التى يكون البحث العلمى فيها على أشده فى أماكن مختلفة فى العالم.
من خلال المناقشة مع الطلاب تم الإتفاق على أن يشتمل السيمينار على عدد محدد من الموصلات , وأن يقسم الطلاب الى مجموعات, بحيث تختص كل مجموعة بعرض عدد من المحاضرات الصغيرة عن موصل كيميائى عصبى محدد A neurochemical transmitter على مدى جلسة.
تضمنت كل جلسة مناقشة عامة لما ورد فيها من عروض Presentations. هذا, وكانت رئاسة السيمينار وإدارة جلساته للطلاب أنفسهم, وقد حضر أساتذة الكلية هذا السيمينار كمراقبين.
• قيام الطلاب معا بإصدار مجلة ثقافية علمية فى مجال علم الأدوية, وقد أسموها "الدواء".
كان جميع أعضاء طاقم تحريرها من الطلاب, والذين كانت تعتمد مساهماتهم التحريرية على ما يتمتع به كل منهم من مواهب وهوايات. فى هذا الخصوص أذكر مثالين:
- طالبة كانت تتمتع بحس أدبى, كانت مساهمتها فى المجلة تتمثل فى قصة من تأليفها عن اكتشاف ومنافع أحد الأدوية شائعة الإستخدام فى علاج ضعف عضلة القلب.
- طالب كان يتميز بالفكاهة ابتكر نكاتا تجسم بعض المفاهيم الدوائية, بينما قامت زميلة له برسمها بطريقة الكاريكاتير.
• اتجه الطلاب بأنفسهم, وبعيدا تماما عن الباحث (أو الأستاذ) ودون علمه, الى التنافسية فى مجال علم الأدوية مع طلاب كلية الطب (من خلال تبادل التحدى بالأسئلة والألغاز ...الخ ), وذلك ضمن أعمال معسكر للجوالة ضمهما.
لقد مثل ذلك عند الأستاذ إنطلاقة ذاتية عند الطلاب تتوافق مع تطورات علاقاتهم بعلم الأدوية.
• قيام الطلاب وأستاذهم (أى الباحث) معا بتنظيم رحلة خاصة بالدفعة (والتى تخرجت عام 1981), دون أى ترتيب مع الكلية, لقضاء نهارا على شاطىء البحر بالقرب من طرابلس (فى منطقة تاجوراء).
وقد حفلت الرحلة بممارسات إجتماعية طيبة, كان من تأثيراتها تعميق إحساسات الزمالة والإحترام لبعضهم بعضا, طلبة وطالبات.
6- عن التفاعل مع بقية أعضاء هيئة التدريس فى الكلية:
بالإضافة الى دعوتهم لحضور سيمينار الطلاب, أقام الباحث بالتعاون مع زملائه بالقسم, وكذلك مع القسم المناظر فى كلية الطب, ورشة عمل من أجل تطوير ممارسات تعليم علم الأدوية فى ليبيا (وقتها لم تكن قد تخرجت بعد أية دفعات من كليتى الصيدلة والطب).
فى إطار أعمال هذه الورشة قدم الباحث عرضا للتطويرات التى أقدم عليها فى العملية التعليمية بالتشارك مع الطلاب, كما أشار الى تطويرات مستقبلية أخرى ممكنة.

7- موقف الأستاذ (أوالباحث) من الممارسات التى قد تبدو دوجماتيكية:

من المعروف, وقت قيام الباحث بالتدريس فى ليبيا (أى فترة نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضى), زيوع - وربما أيضا هيمنة - فكر الكتاب الأخضر, وكذلك وجود تنظيمات طلابية داخل كافة كليات الجامعة بمسمى "اللجان الثورية", والتى كان لها (فى كثير من الأحيان) قدر من التواجد والتأثير بالنسبة لأحداث وملابسات العمل فى الكليات.
فى هذا الخصوص, كان الباحث يحترم خصوصيات الحياة السياسية الليبية, بإعتبارها شأن سياسى محلى يختص بليبيا والليبيين, لكنه فى نفس الوقت كان يتصرف تلقائيا بقدر الإمكان, بالإعتماد على المنهج العلمى فى التفكير, فى أى متطلبات أو شؤن تختص (أو تتعلق) بالعملية التعليمية, دون توقف من جانبه لما كان يشاع وقتها عن متطلبات أوخصائص الشأن السياسى المحلى (اللجان الثورية - الكتاب الأخضر - ....الخ).
فى إطار هذا التوجه كان للباحث مع الطلاب جميعا (الطلاب بوجه عام ومن بينهم الطلاب النشطاء فى اللجان الثورية) إحترام ومودة متبادلين, بحيث أن كانت كافة أمور العملية التعليمية لاتتأثر إلا بما تمليه العملية التعليمية من متطلبات, وخاصة مقتضيات تطوير العملية التعليمية ذاتها.
لقد تجسم هذا السياق فى عديد من السلوكيات والنماذج المهمة, كما سيظهر فى الأمثلة الثلاثة التالية, وكذلك كما سيتضح فى بند آخر (كما سيأتى فى نهاية هذه الورقة).
مثال 1 :
فى يوم الإنتخابات الطلابية, والتى كان يطلق عليها "التصعيد", كان سير المحاضرات يتوقف بالكامل تلقائيا, غير أن الباحث إرتأى أن المحاضرات لاتتعارض مع سير العملية الإنتخابية. لذا, فقد حدث بالفعل أن إستمر فى محاضراته بشكل عادى, وكان حضورالطلاب أيضا عاديا.
ذلك بينما ما كان غير عاديا هو إستغراب بقية الزملاء أعضاء هيئة التدريس من إستجابة الطلاب بحضور محاضرات "الباحث", برغم إحجامهم عن حضور المحاضرات الأخرى بحجة "التصعيد".
مثال 2:
كان يحدث فجأة أن تقام مناسبة عامة (محاضرة سياسية مثلا) على مستوى الجامعة, وأن يدعى جميع طلاب الجامعة لحضورها.
كان ذلك يعنى ترك الطلاب للمحاضرات....., غير أن الباحث لم يكن متوافقا مع هذا التصرف.
على سبيل المثال, فى هذا الصدد, نذكر هنا أن قد حدث ذات مرة أن مسجل الكلية (السيد/ ج. ب.) كان يطرق أبواب جميع قاعات المحاضرات موجها كلامه للطلاب مباشرة بأن عليهم مغادرة القاعة والذهاب الى القاعة الكبرى بكلية التربية (قاعة الكتاب الأخضر) لحضور محاضرة عامة يلقيها مسؤل قيادى كبير(ذاكرا إسمه).
كان الطلاب فى جميع القاعات ينطلقون الى خارجها فورا (دون إستئذان من المحاضر).
بالنسبة للطلاب الذين كان الباحث يحاضرهم فى هذه اللحظة لم يتحركوا من أماكنهم, وإستمروا فى متابعة المحاضرة وكأن شيئا لم يكن. وبينما الباحث مستمرا فى متابعة القاء المحاضرة, إذ بمسجل الكلية (السيد/ ج. ب.) يعود الى قاعة المحاضرة مرة أخرى مستغربا, ومؤاخذا الطلاب لتأخرهم عن الذهاب الى قاعة الكتاب الأخضر.
هنا, وجه الباحث حديثه الى المسجل قائلا: يا سيد/ ج., لقد أبلغت الرسالة للطلاب, وهم سيتصرفون بما يرون,... شكرا لك.
إنصرف السيد/ج.ب. فى هدوء, وعندها تحدث الباحث الى الطلاب متسائلا: هل تودون إيقاف المحاضرة والذهاب الى المحاضرة السياسية التى أعلن عنها السيد/ مسجل الكلية؟
صمت الطلاب , ولم ينبث أى منهم بحرف (حيث الموقف قد يكون حرجا لهم إذا أجابوا بتفضيلهم إستكمال المحاضرة عن الذهاب الى مدرج الكتاب الأخضر).
وإستمر الباحث فى مناقشة المسألة معهم قائلا:
نحن فى جامعة.., وفى قاعة درس.., ومن المعروف أن هناك جدول للمحاضرات طبقا لمواقيت معينة...., ومن الناحية المنهجية هذا الجدول موضوع ومستمر وليس فيه أى مفاجئة متوقعة, أما المفاجئة فهى تلك المحاضرة السياسية , والتى لم يُراعا بشأنها التوافق مع المحاضرات القائمة بالفعل.
وواصل الباحث إستطراده قائلا: أظن أن مثل هذه المناسبات كان لابد وأن يعلن عنها فى وقت مبكر بفترة كافية تسمح للطلاب وأعضاء هيئة التدريس بتعديل مواعيد المحاضرات لإعطاء فرصة لإنعقاد المحاضرة السياسية العامة, وطالما أن ذلك لم يحدث فليس من المنطق أن نوقف مانحن فيه من محاضرة قائمة بالفعل من أجل محاضرة أخرى مفاجئة, ولم يعلن عنها من قبل.
وهكذا, إستمر الطلاب فى متابعة محاضرتهم مع الباحث, ولم يحدث أى شىء غير عادى كرد فعل على ذلك, لا تجاه الطلاب, ولا تجاه الباحث.
مثال 3:
كان الباحث فى بداية سلسلة محاضراته ينقل للطلاب وجهة نظره فى أن قاعة المحاضرات مكان مقدس, وأن علينا أن نتعامل معه بقدسية, على أن يترجم ذلك فى سلوكيات مثل:
- عدم دخول الطالب بعد بداية المحاضرة. هذا, وقد إعتاد الباحث أن لايبدأ محاضرته إلا بعد 5 دقائق من موعدها الرسمى.
- السماح بخروج الطالب من المحاضرة فى أى وقت, وبهدوء. وذلك لأى سبب يراه, ودون إستئذان.
- الهدوء التام أثناء المحاضرة, وذلك فيما عدا النقاش وتبادل وجهات النظر بين الطلاب والمحاضر.
ولكن, حدث فى بداية إحدى المحاضرات, وكانت على طلاب السنة النهائية (الدفعة التى تخرجت عام 1980), أن لاحظ المحاضر (أى الباحث) وجود لوحة (أى يافطة) كبيرة بعرض الحائط فى نهاية المدرج, أى فى مواجهة منصة المحاضر تماما.
كان من الواضح أن اللوحة كانت قد ثبتت مكانها حديثا.
ما إستوقف الباحث بشأن هذه اللوحة هو أن المقولة التى تنطق بها تحمل معنى غير ملائما إنسانيا وفكريا.
لقد توقف الباحث عن استرساله فى المحاضرة, واتجه فى حديثه الى الطلاب قائلا:
اللوحة المعلقة فى نهاية المدرج ترفع شعارا غير موضوعيا (وكان معنى هذا الشعار كما أتذكر أن "من ليس معنا فهو ضدنا"), وبالتالى لن أستمر فى المحاضرة حتى يقنعنى أحدكم بموضوعية هذا المعنى.
وهكذا, كان مطلب الباحث من الطلاب أن يتقدم أحدهم لشرح المعنى, وتوضيح مدى موضوعيته, وأن يتناقش مع الباحث فى ذلك.
((ملحوظة: كانت هذه الدفعة تضم عددا من كبار الطلاب النشطاء فى اللجنة الثورية بالكلية, وكان من المعروف أن البعض منهم كانوا يحظون بلقاءات مباشرة مع قائد ليبيا وقتها – العقيد معمر القذافى)).
غير أن اللحظات تمر دون أى تعقيب من الطلاب, وبعد حث الباحث لهم أكثر من مرة بأن يطرحوا وجهات نظرهم تقدم أحد الطلاب, وكان من أنشط قيادات اللجنة الثورية قائلا: باهى يادكتور,... حضرتك أعطنا رأيك ونعدك أننا سنفكر فيه لاحق.
وبالفعل إستجاب الباحث لهذا الرأى, وأخبر الطلاب عن سبب عدم قناعته بالشعار المكتوب على اللوحة, ثم إستمر فى محاضرته.
فى المحاضرة التالية كانت لوحة هذا الشعار قد أزيلت من قاعة المحاضرات.
الحقيقة أن هذه المواقف, وغيرها مما لم نذكره هنا,توضح كيف كان إتباع المنهج العلمى فى التفكير وفى التعامل مع الطلاب حالة إيجابية, الأمر الذى لم تتعارض معه أية سياقات ذات صبغة سياسية داخل الكلية أو خارجها.
هذا الإعتبار سيتجسم كجوهر أكثر وأكثر عندما يطرأ صراع مع الباحث – بخصوص العملية التعليمية, مع زملاءه من الأساتذة الليبيين, كما سيظهر فى مكان آخر فى هذه الورقة.
8- ربط البحث العلمى بالعملية التعليمية:
قبيل الإقتراب من نهاية العام التدريسى الأول للباحث فى ليبيا حدث أن بعض الطلاب طرحوا عليه مقترحا بفكرة تحويل تدريبهم العملى الصيفى فى الصيدليات ليكون تدريبا على البحث العلمى معه.
كان هذا المقترح يعنى للباحث أن المسارات التطويرية للعملية التعليمية (بالتشارك مع الطلاب), والتى جرت معهم بأساليب متنوعة كما ذُكر أعلاه, قد أثمرت بالفعل فى إرتقاء فضولهم فى التعلم الى مستوى الفضول البحثى العلمى التجريبى.
لقد وافق الباحث على إقتراح الطلاب, وتباحث مع عميد الكلية (وكان د. سعد الدين المجراب), والذى أعطى موافقته, فضلا عن استجابته لاحقا على مطلب الطلاب بأن تخصص لهم الجامعة سيارة تقلهم من وسط المدينة الى الكلية فى الصباح الباكر وتعود بهم فى نهاية اليوم.
وهكذا, كانت النتيجة أن يقضى الباحث أجازته السنوية مع "فريق بحثى" من الطلاب فى إجراء بحوث كان من شأنها أن تفضى الى نتائج معرفية جديدة, راقية فى أصالتها, كما سيتبين لاحقا.
كانت حمية الطلاب وإستعداداتهم لممارسة البحث العلمى كبيرة, وكان من المهم الأخذ فى الإعتبار لبعض المتطلبات التطبيقية والنظرية بخصوص أنشطة البحث العلمى المناسبة لهم, وعلى وجه الخصوص مطلبين أساسيين.
المطلب الأول:
مساعدة الطلاب على إدراك أن البحث العلمى مسؤلية, وأن مسؤلية أساسية جدا فى مجال البحوث التجريبية التى تجرى على حيوانات التجارب أن يصل الباحث الى درجة عالية جدا من الإطمئنان بشأن صلاحية حيوانات التجارب, وذلك من حيث النظافة والغذاء والصحة ...الخ.
لقد تطلب ذلك أن يقوم الطلاب بحملة تنظيف هائلة لبيت الحيوان (الأقفاص والأرضية والحوائط ...الخ.), ثم رعاية الحيوانات من حيث متطلباتها المعيشية, وكذلك من حيث متابعة إجراء التجارب.
كان على الطلاب أن يستغنوا تماما عن عمال بيت الحيوان فيما يختص بضبط ومتابعة إعاشة الحيوانات داخله, ولقد فعلوا ذلك بكفائة تعلوا عن أية تواقعات للمراقبين, وحتى أعلى من توقعات الباحث نفسه.
المطلب الثانى:
أن يقوم الطلاب بممارسة البحث العلمى فى مجال علم الدواء من خلال إجراء بحوث فى إطار خط بحثى رئيسى A major research line تكون له أهمية لهم من الناحية المجتمعية, بحيث يصل ذلك الى إدراكاتهم بسهولة وبشكل مباشر.
فى هذا الخصوص توصل الباحث الى فكرة إنشاء خط بحثى جديد بخصوص المادة الفعالة فى الفلفل الحريف وهى "الكابسايسين".
سر هذا الإختيار, من جانب الباحث, هو التعرض الهائل والمستمر لليبيين لمادة الكابسايسين, وذلك بإعتبارها المادة الفعالة الرئيسية فى الفلفل الحريف, والذى هو المكون الرئيسى لمايعرف فى ليبيا ب "الهريسة", والتى يتناولها معظم الليبيين يوميا فى وجباتهم اليومية الثلاث.
الأهمية المعرفية لهذا الخط البحثى من منظور الباحث كانت تتمثل فيما يلى:
• شيوع تعرض الليبيين (وبالطبع غيرهم ممن يمارسون عادات غذائية مشابهة فى بلدان أخرى) للآثار البيولوجية لمادة الكابسايسين. ذلك بينما هذه المادة تقوم بتهييج الأغشية المخاطية, مما يكون من شأنه التداخل مع إمتصاص الأدوية (وتوزيعها فى الجسم), الأمر الذى لم تكن قد جرت دراسته من قبل فى أى مكان فى العالم.
• وجود فكر شائع Common sense يقول بأن الفلفل الحريف (أو الكابسايسين) يسبب قرحة فى المعدة, الأمر الذى لم يكن قد جرى إخضاعه للبحث العلمى فى أى مكان فى العالم.
• ذلك إضافة الى ضرورة النظر البحثى فى تأثيرات أخرى محتملة للكابسايسين لم تكن قد فُحصت من قبل, مثل الأثر على الأجنة, وعلى النفسية والسلوك.
وإختصارا يمكن هنا الإشارة بخصوص هذه البحوث الى مايلى:
أ‌- تم التوصل الى نتائج رئيسية غاية فى الأهمية لم يكن أحدا قد توصل (أو تطرق) اليها من قبل. من أهم هذه النتائج يمكن الإشارة الى:
• أن الكابسايسين يزيد إمتصاص الأدوية من تجويف الفم, وكذلك من القناة الهضمية. إضافة الى ذلك فإن درجة الإمتصاص تتوقف على ما إذا كان هناك سبق تعرض للهريسة ( فى تجارب أجريت على الإمتصاص من التجويف الفمى فى متطوعين أصحاء).
• أن الكابسايسين لا يسبب قرحة فى المعدة, وإنما هو يقى من إحداث قرحة فى المعدة.
ب‌- أن أهم مخرجات هذه الأبحاث قد عرضت تباعا فى ثلاث مؤتمرات علمية دولية (بأسماء الباحث والطلاب كمؤلفين Authors), وهى:
- المؤتمر الدولى الثامن للفارماكولوجى (طوكيو – اليابان- 1980).
- المؤتمر ال 41 للإتحاد الدولى للصيدلة (فينا – النمسا – 1981).
- المؤتمر ال43 للإتحاد الدولى للصيدلة (مونترو – سويسرا- 1983).
هذا, وقد نشرت هذه الأبحاث بالكامل فيما بعد فى دوريات علمية, وذلك فيما عدا البحث الخاص بالوقاية من قرحة المعدة, حيث كان السبب الرئيسى هو مخالفة نتائجه للفكر الشائع (!!).
ت‌- أن البحوث الخاصة بالتأثير على إمتصاص الأدوية قد جرت الإشارة اليها فيما بعد فى كتب دولية غربية.
ث‌- أن البحث الخاص بخاصية الكابسايسين فى الحماية من قرحة المعدة, والذى عُرض فى مؤتمر فينا عام 1981, كما هو مذكور أعلاه (مقتطف رقم 126 من كتاب مقتطفات بحوث المؤتمر), ظل دون إعتراف به أو إستحسان له حتى 2009. ذلك أنه قد حدث عام 2009 أن دعى الباحث لإلقاء محاضرة فى مؤتمر عقد فى مقر اليونسكو بباريس
(The World Congress of The International Association of The Intercultural Studies (IAIS) held on UNESCO-PREMESIS- March 2009).
كانت الدعوة للتحدث عن البحوث التى أجراها الباحث مع طلابه فى ليبيا منذ حوالى عقود ثلاث قبل ذلك.
لقد جاءت هذه الدعوة بعد أن كان المجتمع العلمى الغربى قد توصل فى النصف الثانى من التسعينات الى نفس النتائج بخصوص أثر الكابسايسين فى الوقاية من قرحة المعدة, والتى كان الباحث وتلامذته الليبين أول من توصلوا اليها فى العالم, منذ مايزيد على خمسة عشر عاما قبل ذلك.
ج‌- فى المؤتمر المذكور (والذى عقد فى مقر اليونسكو بباريس) كانت هناك محاضرة تعقيبية على محاضرة الباحث والتى كان قد تناول فيها أبحاثه التى أجراها على الكابسايسين مع طلابه فى ليبيا.
كانت المحاضرة التعقيبية من أحد كبار الأساتذة الغربيين, والذى كان قد تخصص منذ نهاية التسعينات فى دراسات أثر الكابسايسين على المعدة. إنه أستاذ نمساوى Prof Peter Holzer .
لقد أشار بروفيسور هولتزر فى رسالته (والتى تمثلت فى محاضرة مكتوبة) الى السبق الذى كان قد أحرزه"فريق بروفيسور حامد", أى الباحث وطلابه فى ليبيا, فى هذا الموضوع (أى دور الكابسايسين فى الوقاية من قرحة المعدة) فى وقت مبكر جدا قبل الآخرين, وكيف أن أبحاثه هو (أى بروفيسور هولتزر وفريقه), وكذلك كافة الأبحاث ذات الصلة فى كافة مناطق العالم, قد أكدت صحة ما كان "حامد" وفريقه قد توصلوا اليه منذ حوالى عقدين.
إضافة الى ذلك, أضاف بروفيسور هولتزر فى محاضرته نقدا موضوعيا لعدم موافقة دوريات علمية غربية على النشر لبحوث تفضى الى عكس الفكر الشائع. كما إنتقد هذا الأستاذ النمساوى وجود بعض المواقف التى تلعب فيها الجغرافيا دورا فى الموافقة على النشر من عدمها.
وربما كانت أهم إضافة لبروفيسور هولتزر فى محاضرته تتمثل فى عدم إندهاشه من السبق الذى أحرزه حامد (أو الباحث) وفريقه, ذلك أنه (وحسب قوله فى محاضرته المنشورة) يربط ذلك بما على العلماء فى العالم عدم نسيانه, وهو أن التفكير العلمى قد جاء على يد علماء الحضارة الإسلامية, من أمثال الحسن بن الهيثم وأبو على بن سينا, وذلك قبل أن يعرفه الغرب.
خامسا- التداعيات الرئيسية لما جرى من مبادرات تغييرية فى العملية التعليمية:
أ‌- التداعيات الإيجابية:
1- أن الطلاب الذين مروا ب(وشاركوا فى) تطوير العملية التعليمية, كما جرت الإشارة فى هذه الورقة, قد إرتقوا الى قدر كبير من الفهم والنضج بخصوص متطلبات التغيير فى التعليم الجامعى.
لقد ظهر ذلك بوضوح أثناء انعقاد المؤتمر الصيدلى الليبى الأول (1980) والذى دُعى اليه, خصيصا من مصر, أحد كبار أساتذة الصيدلة, والذى كان قد شغل فى مصر منصبى عميد كلية ونائب رئيس جامعة.
تصادف أن كان هذا الأستاذ الكبير رئيسا للجلسة التى حاضر فيها الباحث متناولا مفهوم شراكة الطلاب للأستاذ فى العملية التعليمية مشيرا الى أنواع الإمتحانات التى كان قد جرى إنتهاجها بواسطته مع الطلاب ... الخ.
ماحدث من الأستاذ الكبير رئيس الجلسة هو أن هاجم بشدة الأطروحات والخبرات التى قدمها الباحث, خاصة بأن الطالب شريك للأستاذ فى العملية التعليمية.
والحقيقة أن التعقيب على هجوم رئيس الجلسة لم يأتى مطلقا من الباحث, حيث أن الطلاب (أصحاب التجربة), كانوا قد قاموا بعديد من الردود وبموضوعية وجدية حتى أن (المحاضر) أى الباحث لم يكن لديه مايضيفه.
2- ساهم الباحث وفريقه البحثى (والمكون من طلاب فى مرحلة البكالوريوس) فى إحداث تطوير معرفى كان يمثل سبقا على المستوى الدولى, كما وضح فى السطور أعلاه.
(( ملحوظة: كان فريق الطلاب الذين شاركوا فى هذه البحوث يضم: عائشة المنقوش - عائشة المخزوم – على بريهيمات (جزائرى) – على مهدى – دلال الخامى – فاطمة شميلة – وسام الشيتى – خديجة الزروق – مفيدة بحرى جندى )).
3- إستكمال نسبة كبيرة من الطلاب دراساتهم العليا حتى الدكتوراة, وقد صار معظمهم أساتذة وباحثين كبارا داخل ليبيا, وخارجها فى الدول العربية والغربية.
ومن المصادفات التى تحمل دلالة إيجابية, والتى وقعت مؤخرا(منذ حوالى عامين), أن إحدى تلميذات الباحث (والذى هو الآن أستاذا متفرغا) قد ضمت فى قائمة مراجع رسالتها مرجعا تبين أن إسم المؤلف الأول فيه يحمل ذكرى خاصة بالباحث وواحدة من تلميذاته فى ليبيا (ممن شاركن فى بحوث الكابسايسين).
كانت رسالة الطالبة المصرية (د. فاطمة صبرى) فى مجال علم الدواء السلوكى والنفسى. لقد تبين فى المرجع المشار اليه (والذى هو يتصل بعلم الدواء السلوكى والنفسى,) أن المؤلف الأول فيه هو د. مفيدة بحرى جندى (أستاذة كندية مرموقة فى علم الدواء السلوكى والنفسى). لقد كان أول بحث للأستاذة الدكتورة مفيدة فى هذا المجال, والذى هى واحدة من المتميزين فيه عالميا الآن, بحثا أجرته مع الباحث, وقت أن كانت طالبة (ضمن فريق الكابسايسين).
ربما تجدر هنا الإشارة أن سبب رئيسى كان قد دعى الباحث لإقتراح مجال علم الدواء السلوكى والنفسى على الطالبة مفيدة بحرى جندى هو أنها كانت طالبة فنانة تملك خيال واسع وتهوى الفنون التشكيلية. لقد قامت –بإشراف وتوجيه من الباحث - بتصميم وتنفيذ جهاز من الكارتون كمتاهة من حرف "Y" لدراسة سلوك فئران التجارب تحت تأثير الكابسايسين. لم يكن هناك متسعا من الوقت لإستيراد جهاز المتاهة من الخارج, وفى المقابل كانت هناك ضرورة لربط التعلم عند الطلاب بالبحث العلمى ومن منظور يتيح للطالب إستخدام ملكاته وتنميتها. تماما كما حدث مع الطالبة/الأستاذة الدكتورة "مفيدة بحرى جندى", ومع زملائها وزميلاتها منذ حوالى أربعة عقود.
ب‌- التداعيات التى قد تبدو سلبية:
برغم إهتمام الباحث بتبادل وجهات النظر بخصوص العملية التعليمية مع زملاءه, وكذلك بإطلاعهم على مجريات أمورالتطويرات التى كان يمارسها بالتشارك مع الطلاب, خاصة من خلال ورشة العمل الخاصة بتعليم الفارماكولوجى فى ليبيا,والتى كان قد دعا اليها, وتم عقدها بالفعل, إلا أن أعضاء هيئة تدريس ليبيين حديثى الحصول على الدكتوراة وقتها, مارسوا عداءا شديدا تجاه التطويرات, وتجاه نتائج بحوث الكابسايسين, وكذلك تجاه الباحث.
لقد تجسم هذا العداء فى أمور عديدة نذكر عنها, وبإيجاز شديد, مايلى :
- محاولة فض التعاقد مع الباحث (وهى محاولة لم يعلم عنها الباحث إلافى وقت لاحق), وقد حدث أن لم يستجب لها عميد الكلية, آخذا فى الإعتبار ضرورة موافقة الطلبة على ذلك.
- طولب الباحث أن يقوم بالتدريس للطلاب بنفس الطريقة التى جرى التدريس له بها فى مصر وقت أن كان طالبا فى الجامعة.
- مع رفض الباحث لذلك جرت محاولة للتحقيق معه.
- أيضا رفض الباحث الخضوع للتحقيق معه بشأن إجتهاداته فى تطوير العملية التعليمية,لكنه, مع رفضه للتحقيق, دعى المعترضين من زملاءه الليبيين الى مناظرة عامة بخصوص هذه الإجتهادات.
- لقد أقيمت المناظرة بترتيب من الطلاب, وبحضور جميع الطلاب وأساتذة الكلية, واستمرت لمدة أربع ساعات يوميا على مدى أربعة أيام.
- إنتهت المناظرة بقرارين قاطعين (من جموع الحاضرين) فى صف الباحث وفكره التطويرى ومايقوم به من تطويرات فى العملية التعليمية.
(( ملحوظة: ربما فى مقام آخر أكثر مناسبة يمكن التطرق الى تفاصيل هذه المناظرة وتفاصيل القرارين المشار اليهما)).
ح‌- خلاصة التداعيات:
لقد جرت عمليات التطوير من خلال تشارك تام مع الطلاب. أيضا كان هناك تفهما ودعما, غير مباشرين وإن كانا محسوسين, من إدارة الكلية وقتها, ممثلة فى عميدها د.سعد الدين المجراب, وذلك قبل قدوم أعضاء هيئة تدريس ليبيين جدد, بعد حصولهم على الدكتوراة من الخارج, والذين قد فوجئوا بنوعية جديدة من الطلاب, لهم خبراتهم وتصوراتهم بخصوص العملية التعليمية.
ولقد أدى نجاح المناظرة, وما عُبر عنه وقتها من أعضاء هيئة التدريس الليبيين الجدد (أصحاب الموقف المعادى للممارسات التطويرية) من قبولهم للفكر التطويرى للباحث, الى توصل الباحث الى نتيجة حاسمة, وهى أن مهمته فى التدريس الجامعى فى ليبيا قد أدت الغرض الذى كان قد جعله يمدد تواجده فيها لأكثر من عام.
عندها, وفى الوقت المناسب (طبقا لأجندة الجامعة) قدم الباحث شكره لعميد الكلية ولمدير الجامعة معربا عن رغبته عدم تجديد تعاقده, وعزمه العودة الى مصر, وذلك بعد أن شعر بإستكمال مهام تطويرية يعتز بها فى ليبيا الشقيقة.
سادسا- إستنتاجات:
1- نجاح الطلاب فى ممارسة العملية التعليمية بكفاءة لايتوقف على كونهم من شمال العالم أو جنوبه, أى لايتوقف على الجغرافيا أو الجنس, وإنما يتوقف على مدى إحساسهم بالشراكة مع الأستاذ فى العملية التعليمية, وكذلك مدى قدرة المنظومة التعليمية على إستيعاب المبادرات التطويرية ورعايتها.
2- السياق المجتمعى العام, بما يمنحه (و/أو يولده) من درجة حرية مناسبة لعناصر العملية التعليمية, خاصة الأستاذ والطالب, يُعد ركنا أساسيا فى دعم الفكر التطويرى داخل الجامعة.
هذا, ولم تكن صدفة فى ليبيا (فترة 1979 الى 1982), أن يكون لطلاب الصيدلة ضلوعا حكيما فى الفهم, والدعم, والتوافق مع عمليات تطوير العملية التعليمية, وذلك بفعل الطموحات الكامنة داخلهم بإعتبارات صغر السن, والتلمذة, وبرغم غياب الخبرة المتخصصة لديهم.
3- هذا, وبينما تولدت سلسلة المبادرات التطويرية عند الباحث على الأرض الليبية, ولم يكن مطلقا يفكر فيها قبل قدومه اليها, فإن ما جرى من تطويرات, مهما بدا فيها من تتابع أو توافق, لم تكن تنفيذا لمخططا بحثيا سبق إعداده بواسطة الباحث أو أى إنسان أو جهة. وإنما جرى كل ذلك –تلقائيا- من خلال تفاعلا مسؤلا من جانب الباحث مع طلاب كانوا, بطبيعتهم, يرتقون الى تبادل التفاعل المسؤل من جانبهم مع أستاذهم. وهكذا, كان كل منهما, الأستاذ والطلاب, يتمتع بدرجة حرية عالية فى ممارسة التطوير, وتقييمه, وتطويره.
بمعنى آخر, كلا الطرفين تبادلا التفاعل التلقائى, بشأن تطوير العملية التعليمية وصيانتها, بكل مايمكنهما من "حرية" و "مسؤلية".
4- ولأن هذه التطويرات لم تكن جزءا من (أو بمثابة) بحث علمى بغرض الدراسة والنشر, فإن العرض الحالى لها (فى هذه الورقة) جاء أيضا تلقائيا, وإن كان الباحث يود أن يشير بإستحياء الى أن العرض الحالى ربما يتضمن ملامح (و/أو جزئيات) من أشكال الطرق البحثية المعروفة ب:
- دراسة الحالة Case study.
- الملاحظة المعتمدة على الواقع كما هو Naturalistic observation.
- ضلوع الباحث فى الدراسة كجزء من العينة التى تجرى الدراسة عليها Participative study.
هذا, وإن كان العرض –بالطبع- لم يقصد أن يتبع بالتمام أى من هذه الطرق البحثية, فربما يمكن إعتباره عرضا لتجربة حياتية تختص بتطوير العملية التعليمية فى الجامعة من خلال الموازنة بين الحرية والمسؤلية عند الطلاب والأساتذة.

مراجع لمزيد من التفاصيل بخصوص بحوث الكابسايسين:
1- Mohamed Raouf Hamed, Locality as a source of originslity: A model from Pharmacology. The positive influence of capsaicin (a component of the Libyan traditional food HARISA) on gastric ulcer and on transport across biological membranes, in
The Contemporary Arab contribution to World Culture – Proceeding of the World Congress of the International Association of the Intercultural Studies (IAIS) held on UNESCO-PREMESIS- March 2009), Conceived and edited by Magdi Yousef.
Symposium Press, Rotterdam and Aachen, p 23-47.
2- Peter Holzer, Commentary on the paper entitled “The positive influence of capsaicin (a component of the Libyan traditional food HARISA) on gastric ulcer and on transport across biological membranes“ presented by M Raouf Hamed.
Ibid, p.49-54.
إمتنان وعرفان
التجربة التعليمية التى جرى عرضها هنا, كان من حظ الباحث فى أحيان كثيرة أثناء ممارستها أن ينعم بقدر من التفهم والدعم المعنوى من صديقين عزيزين, وهما الدكتور فتح الله الشيخ أستاذ الكيمياء متعه الله بالصحة والعافية, والدكتورة سلوى عبدالله متولى أستاذة الفارماكولوجى وزوجة الباحث, تغمدها الله برحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته, حيث الباحث لاينسى تعضيدهما له وما قدماه من مساعدت لطلابه.
فى نفس الوقت, لقت الممارسات التطويرية المشار اليها قدر من الدعم المعنوى الذى لايمكن نسيانه من صديق ليبى عزيز هو دكتور بشير العترى أستاذ الأدب العربى حاليا.
بعد العودة للوطن كان من حظ الباحث أن يلقى تفاهم وتبادل فكر يعتز به, بخصوص تجربته التعليمية فى ليبيا, وكذلك تجربته الأحدث فى إنشاء أول مركز للإتاحة الحيوية للأدوية فى مصر (وفى المنطقة العربية), وهو الدكتور أحمد شوقى حسن, أستاذ الوراثة بكلية الزراعة, وأحد أهم رواد الثقافة العلمية العرب فى الزمن الحالى.
من جانب آخر, كان من حظ الباحث وجود توافق كبير بين فكره وممارساته فى أنشطته وبحوثه العلمية (فيما يتعلق بأهمية الخصوصيات والمشكلات المحلية كقوة دفع بشأن إبتكارات البحث العلمى/التكنولوجى وإحداث التقدم), مع الفكر والخبرة والمشروع الدولى الكبير للدكتور مجدى يوسف أستاذ الفلسفة ورئيس الرابطة الدولية لدراسات التداخل الحضارى.
ختاما, يعرب الباحث عن عميق إمتنانه لنصيحة الدكتور ضياء زاهر أستاذ التربية بتوثيق فكرى علمى للتجربة التطويرية التى قدر للباحث أن يقوم بها فى التعليم الجامعى فى ليبيا. وبرغم تأخر الباحث زمنا طويلا فى تنفيذ هذه النصيحة فإنه لم يغفلها أبدا.













اخر الافلام

.. السعوديات...وراء المقود في شوارع المملكة


.. الانتخابات التركية.. اختبار أردوغان الصعب


.. اليمن.. تعنّت الحوثيين وجرائمهم الإنسانية




.. إيران.. انتهاكات بحق المعارضين والمدافعين عنهم


.. الانتخابات التركية.. إعلان فوز أردوغان والمعارضة تشكك