الحوار المتمدن - موبايل



(سورة)قريش..لاهوت التجارة وتجارة اللاهوت!.(2)

ماجد الشمري

2018 / 3 / 7
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


لم يكن اختيار محمد لأسم قبيلته"قريش"عنوانا لسورته(قريش)عفوا،بل كان مقصودا وبوعي مدرك لمكانة ودور قبيلته-قريش-في عقله وقلبه ومشروعه التغييري.وكأنتماء فخور ومشرف لأنحداره من تلك السلالة القبلية المختارة لعظائم الامور من السؤدد القومي والتميز الديني،والتي كان يتطلع الى تحقيقها بالتوحيد الديني-الالهي،والتوحيد القومي لعرب الجزيرة تحت ظل قريش وقيادتها للقبائل المتفرقة نحو مجد الدنيا والدين الجديد.هذا هو المحفز الاساسي لمحمد ووحيه بتلاوة(سورة قريش)-وان كان ذلك ارهاصا جنينيا في المرحلة المكية الاولى من الدعوة-والتي سنقرأها ونقرأ ماوراء خطابها من اهداف تصب في مصلحة المكيين-قريش:التجارة والدين.وكان محمد وهو محتضنا لوليده الدعوي الجديد ليرعاه،يرمي لدغدغة وتحريك العصب الحيوي في جسم قريش الاجتماعي- الاقتصادي-الديني من:ايلاف وتجارة وحج واسواق،وبيت الرب العتيق،ودور قريش البارز في السيطرة والنفوذ والحماية.
لنقرأ (سورة)قريش قراءة مزدوجة تمزج بين القراءة التقليدية(الارثوذكسية)وقرائتنا الخاصة التأملية لمضمون(السورة)ودلالاتها بعيدا عن العقدية الايمانية،وطبيعة مصادر النص،وعلاقته بالحياة اليومية العامة للمكيين-القريشيين...سورة قريش:"لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ".تتكون سورة قريش من اربع(آيات) وهي مكية بلاخلاف،وترتيبها حسب المدونة الرسمية للقرآن هو السورة:106اما ترتيبها الزمني التاريخي فهو السورة:29 وهو ايضا ليس قطعيا!. وموضوعاتها اربع:1_عن الايلاف القريشي.2_موضوعة وماهية الايلاف-رحلة الشتاء والصيف.3_عبادة رب هذا البيت الرازق الذي اطعمهم من جوع.4_وبحمايته آمنهم من خوف..نبدأ:ب"اللام"في مفردة"ل"ايلاف"ونسأل:ما معنى هذا الحرف؟هل هو للتعجب؟.ام هو حرف جر لآجل؟.ام هو حرف"لام"السببية اذا ما ربطنا سورة قريش بما قبلها ب(سورة)الفيل.وهي السورة المنفصلة عن قريش في المدونة الرسمية التراثية(القرآن)؟.-وكما هو ثابت لدى بعض الصحابة والمفسرين لهذا الدمج بين السورتين،وانهما-قريش والفيل-هما سورة واحدة لاسورتان!-.لوحدة مضمونهما ونسق الجمل،والبنية اللغوية المشتركة،والدالة على استمرارية السرد من الفيل الى قريش دون قطع.-حسب رأي بعض الصحابة-..يقول الفراء حول ذلك:ان (ابي ابن كعب)جعلهما سورة واحدة ،وبلا فصل في مصحفه الخاص!.وان عمر ابن الخطاب كان يقرأهما معا دون البسملة الفاصلة بينهما!.اما كلمة:"ايلاف"فهل تقرأالاف بالهمزة او ايلاف بالياء؟.واختلف المفسرون ايضا هنا في تحديد معنى الكلمة"ايلاف"الحرفي الدقيق.فمرة هي بمعنى(عادة)عادة الذهاب في رحلات.وعدها البعض بمعنى:(الارتباط)الارتباط بين رحلات قريش التجارية،وعبادة الله.او الارتباط والترابط الذي يحدث بين الافراد المشاركين في تلك القوافل.اوتعني:"معاهدات"و"حماية"وهي تلك المعاهدات او الاتفاقات او المباحثات التي عقدتها او تداولتها قريش مع اطراف اخرى لتأمين الطرق وحماية رحلات قوافلها تلك.او بمعنى جمع الضرائب المخصصه للدفاع عن مكة.وفسرت ايضا على انها"تبادل المحبة"لدى البعض الاخر.
قول ابو اسحق في(لسان العرب):في لِإِيلَافِ قريش ثلاث اوجه:لِإِيلَافِ،ولألاف،ووجه ثالث،لإلف قريش،وقد قريء بالوجهين الاولين.اما ابن هشام فقد فسر الايلاف ب:وأيلاف قريش الفهم الخروج الى الشام في تجارتهم،وكانت لهم خرجتان:خرجة في الشتاء،وخرجة في الصيف..تقول العرب:ألفت الشيء إلفا،وألفته إيلافا في معنى.والايلاف:ان تؤلف الشيء الى الشيء فيألفه ويلزمه،يقال:ألفته اياه ايلافا،والايلاف بمعنى آخر:ان تصير مادون الألف ألفا.
يقول البلاذري:"ان الايلاف هو العصم التي اخذها هاشم بن عبد مناة واخوته عبد شمس،والمطلب،ونوفل،من ملوك الشام والحبشة واليمن والعراق لتأليف الرحلتين".ويسمي الطبري هذه العهود:حبالا،والحبل هو العهد والذمة والامان،كما جاء في لسان العرب."رحلة الشتاء والصيف"ليس في النص القرآني اي اشارة او تلميح عن وجهة او طبيعة هذه الرحلات،والامر متروك لاجتهاد ومخيلة المفسرين!.فقد زعم البعض بخياله الخصب:ان رحلة الشتاء والصيف هي رحلات الحج الكبيرة والصغيرة الى مكة:الحج في شهر ذة الحجة،والعمرة في رجب.وهناك رأي آخر يقول:يأن تلك الرحلات هي رحلة قريش الى الطائف في الصيف،وعودتهم الى مكة في الشتاء.ورأي ثالث يقول:ان هذه الرحلات هي رحلات قريش التجارية حصرا لاغير!.وهذا الرأي الاخير هو المجمع والمتفق عليه من قبل اغلبية المفسرين..
اما(الآيه):فليعبدوا رب هذا البيت.فالواضح بدون لبس،ومن خلال نص(السورة)ان هذا يفترض علاقة منطقية ومتينة ومتداخلة عموديا بين عبادة رب البيت الحرام،وبين تلك الرحلات التجارية التي انعم بها الرب على قريش وفتح لها مسلكا در عليهم معايشهم وسد جوعهم وحاجتهم.رب محمد او محمد-لافرق-يطلب من قريش رد الدين بتأدية مناسك او اركان او منهج العبادة للرزاق الذي بسط خيره العميم كثمن او وفاء او مقابل تأمينه لتجارتهم المزدهرة وتوفير معاشهم.وهذا المن والفضل يحيل الى العبادة الموحدة.وكاستحقاق ملزم بالثناء والطاعة للذي:"اطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"وهي كلفة طقسية زهيدة لما تمتعت به قريش من بلهنيه ورفاه.وذكرهم الله هنا بالاضافة لنعمة التجارة والشبع،بأزمات ونكبات سابقة نجوا منها برعايته وحدبه.ويحذرهم او ينذرهم من تكرارها اذا ماعصوه او خالفوه او انكروا فضله،او امتنعوا عن تقديم فروض الطاعة والولاء من خلال العبادة له وحده..فقد انقذهم الله وهزم ابرهه الحبشي الذي جاء لتدمير كعبتهم ،ونصرهم بطيره الابابيل،فحفظهم من ذلك التهديد والفزع،وحررهم من خوفهم بدفعه لكل خطر حاق بهم،او اي عدوان محتمل ومسلط فآمنهم،بجعله لمكة حرما مبجلا يحترمه جميع العرب،ولن يتعرض له احد بسوء.فالتأمين من الجوع،بأستيراد هاشم للخبز من الشام،وهشمه وعمل منه ثريدا اطعم به قريشا التي كانت تتضور جوعا-في مجاعة قديمة مؤسطرة لتمجيد جد الهاشميين كعادة الشعوب بأسطرة تاريخ الأباء المؤسسين!-.وايضا ارشد الله هاشما لكي يعقد ايلافاته مع الملوك والقبائل على طرق القوافل جنوبا وشمالا،وتيسير تجارتهم الموسمية.وبهزيمة اصحاب الفيل،وطرد الاحباش،توفر لقريش الظرف المناسب لتأليفها لرحلاتها التجارية الصيفية-الشتوية،مع مواسم الاسواق والحج..
تبدو (سورة)قريش كعرض مكثف بالغ التركيز والرمزية لنمط اقتصادي،واسلوبا للعيش محدد بنشاط متميز ومتفرد لانتاج واعادة انتاج للحياة الاجتماعية لمدينة منعزلة ومحاصرة بقفر بلقع.وفي نفس الوقت ايضا تشخيصا دقيقا لبنية وطبيعة مجتمع مكة،ونشاطها الاقتصادي المؤطر بكيان اجتماعي-قبلي متجانس بتحالفاته وعهوده وسننه واعرافه وثقافته،وبغطاء ديني تعبدي تحريمي متوارث،مركزه الكعبة-منزل الرب الابراهيمي العتيق-وبؤرة الجذب الديني-الاقتصادي لعالم جزيرة العرب القبائلي.فبيئة مكة الجرداء بصخور جبالها السوداء ،فلاعشب ولاماء وظروف شحة وندرة بأسباب العيش،ومجموعة من القبائل البارزة و العريقة في نفوذها،و المتعاضدة والمتكاتفة،وذات الانحدار والاصول الابوية الواحدة والمتفرعة والمشتركة والسيدة بتجارتها وكعبتها،وعلى رأسها قريش..مجتمع بهذه الكيفية التكوينية التاريخية،كان من الحتمي ان يتحدد انتاجه لحياته ونشاطه الاقتصادي المادي للعيش والبقاء،وتدفعه الضرورة القاسية لمزاولة وممارسة ما ينتج به حياته في تلك المنطقة المعادية للاستقرار والازدهار كان لابد ان يتعاطى مع اسلوبا متكيفا ومتوافقا ومبادرا ومتحديا وهو التبادل التجاري والتوسط في نقل البضائع،واقامة الاسواق والبيع والشراء،وتكريس بيتهم المحرم-الكغبة-كمحج موسمي دوري يرفد التجارة بقداسته،وتدعمه التجارة بخدماتها.ومن هنا كانت الظاهرة القريشية المميزة بدورها التجاري والسمسرة والوساطة،والربا،وعقد الصفقات،هي عصب الحياة،ومنبع الحيوية،وخبرة المجتمع المكي واحترافيته بمجال التجارة كمهنة واسلوبا للعيش،وايضا سدانة الكعبة،وتمثيلهم كحمس للحرم -المحج لدى العرب.فمسكوا مفتاحي التجارة والدين!....
.......................................................................................
يتبع.
وعلى الاخاء نلتقي...







اخر الافلام

.. متحدث باسم العشائر العربية: ميليشيات إيران تخطف أبناءنا مثل


.. مخيم لإيواء نازحي بلدة هجين والقرى المحيطة بها


.. أهالي هجين يفرون من داعش في دير الزور




.. قتلى بهجوم على عرض عسكري في الأحواز


.. -لماذا لم أبلغ عن الاعتداء الجنسي الذي تعرضك له؟-