الحوار المتمدن - موبايل



بين الظاهر والعمق والمغزى، يتخبط المدافعون عن النصوص المقدسة

ناصر ثابت

2018 / 3 / 10
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


في حوارات بيني وبين المدافعين عن النصوصو المقدسة بأنواعها، يعتقد هؤلاء أنهم يفاجئونني عندما يقولون إنهم لا يأخذون النص بظاهره، بل بمعانيه العميقة التي لم يجدها الأصوليون.
هؤلاء يحاولون أن يفعلوا التالي: أن يتحرروا من سطوة الدين بطريقة ما، وأن يعيشوا حياتهم دون تأثير منه ولكن في نفس الوقت الادعاء أنهم مؤمنون ومسلمون، على طريقتهم الخاصة.
وحسبما يقولون، هم ينظرون إلى عمق النصوص ومغازيها، وليس إلى ظاهرها. أي أنهم بما أنهم مؤمنون، يجدون في أنفسهم الحق للدفاع عن دينهم، ولكن دفاعهم يأتي بطريقة اتهام من ينتقد النص بأنه لم يفهمه بعمق وأنه فهمه بظاهره فقط.
مشكلة هؤلاء أنهم يعتقدون أنهم يطرحون فهماً ليبيرالياً لنص ديني مقدس. والنصوص المقدسة هي أكثر النصوص ابتعاداً عن الليبرالية، وأكثرها تجاهلاً للإنسان وعقله وحريته وخياراته. هي نصوص جاءت لتفرض على الإنسان قيوداً، ولتحدَّ من انطلاق العقل، ولتهذب صاحبه ولتطوعه على طريقتها وتجعله سهل التسيير. لذلك نجدها مليئة بالتهديد والوعيد، ومليئة بفرض ذاتها وخياراتها على الإنسان، حتى يصبح مسلوب الإرادة ولكن في غلاف من ادعاء الصلاح والخير.
بمعنى آخر، هم لا يعرفون أنهم لا يستطيعون الجمع بين الليبرالية والعلمانية والانطلاق، وبين النصوص المقدسة الجامدة التي في ظاهرها وباطنها جاءت لقيادة الإنسان وليس لتحريره.
الأمثلة هنا كثيرة: أنت حرٌّ ولكن لا يُسمح لك أن تأكل كذا ولا أن تشرب كذا، وأنتِ حُرة لكن عليك أن ترتدي زياً معيناً. إلى آخره من الأمثلة التي لا حصر لها أبداً.
منطقياً، في التعامل مع أي نص من النصوص المقدسة وغير المقدسة، لا يوجد عندنا كبشر إلا الخيارات التالية: النص موجود، وأنت إما أن تتعامل معه، وإما أن تتركه وتتخلى عن كل ما فيه. فإذا تركتَه قلباً وقالباً أصبحت حراً. أما إذا قضيت عمرك تدور في فلكه فلا يحق لك ادعاء الحرية.
حتى لو قلتَ: أنا أفهم النص كما يحلو لي وليس كما هو ظاهر في منطوقه، فأنت ما زلت تدور في فلك النص.
أنت تبرره، وتجمِّله، وتحاول أن تعطيه أبعاداً هو لا يملكُها أصلاً.
ولنأخذ آية "للذكر مثل حظ الأنثيين" مثالاً، لا نقصد به حصر المقال ليكون حولها، لأن ما سنقوله عنها ينطبق على معظم النص القرآني.
بدأ الحوار حول هذه الآية من منطلق أنها واضحة الظلم للمرأة، ولا يختلف اثنان، أو هكذا كنا نعتقد، أنها تنتقص من حقوق الإناث بشكل واضح وصريح. فإذا قررت أن تنظر إلى هذه الآية وأن تقيم لها وزناً وأن تستخدمها في حياتك، فأنت أمام عدة خيارات هنا:
أولا: أن تعمل بالآية كما هي. فتعطي للوارث الذكر ضعف نصيب شقيقته، ثم تدور في حلقة مفرغة وأنت تحاول أن تبرر ذلك وان تخبرنا الحكمة من وراء هذا الظلم الصريح، بل وأن تقنعنا أن العالم المتحضر يتوجب عليه أن يتبع هذه الطريقة العبقرية في تقسيم الميراث.
ثانياً: أن تقضي وقتك في ليِّ عنق الآية، وكلماتها، ومحاولة إظهارها كأن تفسيرها ليس كما يبدو لنا نحن البشرَ العاديين. وهذا ما يفعله الكثيرون من أمثال الدكتور محمد شحرور، والذي يلتف على كلمات الآية ويقرؤها بطريقة مختلفة حتى يظهر لك أن النص لم يقصد توريث الذكر ضعف حصة الأنثى، بل قصد التساوي بينهما.
ثالثاً: أن تقرَّ أن الآية قصدت توريث الذكر ضعف حصة الأنثى، ولكن في نفس الوقت تضع لنا سياقاً تاريخياً معيناً يقنعنا أن هذا الأمر كان جيداً بطريقة ما في ذلك الزمان، ولكن ليس بالضرورة أن ينطبق على زماننا، وكأنك تؤمن بإله ينظر إلى الزمن بطريقة متسلسلة متتالية مثل البشر، ولم يكن يعرف أننا سنصل إلى عام 2018 يوماً ما، وسينادي كثيرون بالتحرر من النص بشكل كامل لأنه ظالم للنساء.
رابعاً: أن تقول لنا إن الآية لها معنى أعمق من مجرد ظاهرها. وأن تقضي وقتك في محاولة شرح هذا المعنى العميق الذي لا يفهمه الناس مثلما تفهمه أنت.
في الحقيقة إن هذه الحالات المتعددة لا تتعدى كونها محاولات لطمس صراعات داخلية يعيشُها أصحابها. فهم يحاولون أن يبرروا نصاً ظالماً للمرأة في منطوقه الحرفي العادي، ولكن في نفس الوقت لا يستطيعون الفكاك من تأثيره السحري الشديد عليهم.
لقد نشأوا على تقديس النص وتنزيهه من أية شوائب، وعلى احترامه بشكل لا يشبه احترامَهم لأي نص أو فكرة أو قيمة أخرى، لذلك عندما يأتي احدهم لانتقاده وطرح الأسئلة المحرجة عليه، وعرضه على العقل والمنطق، ووضعه تحت مجهر التدقيق والتمحيص، تجدهم يرتبكون في الدفاع عنه، ويتحولون إلى الهجوم بشكل لا إرادي. فأنت حينها سطحي لا تفهم النص مثلهم، هم أصحاب العمق والفهم المتعدد. وأنت لا تعرف المعنى والمغزى مما يقوله النص، ولا تفهم الحكمة منه.
النص المقدس واحد، ولكنه نص توقف عن التطور لحظة وفاة صاحبه، والمعاني التي فيه حتى وإن كانت كثيرة فواحد منها صحيح فقط. بمعنى أن النص لم يأت ليترك للناس الخيارات مفتوحة، خاصة فيما ذكره حرفياً بين دفتيه، ولم يأت ليضع أمامهم أطباقاً من المعاني الشهية يختارون منها ما يستطيبون طعمه ويتركون الباقي.
مرة أخرى، النص له معنى صحيح واحد. والتعدد في الفهم والتفسير لا يعني أنه أصبح له عدة معانٍ صحيحة. بل أن هناك معنى واحد منها فقط صحيح والباقي خاطئ.
فلو كان النص يريد لنا أن نفهم توريث الرجل والمرأة بالطريقة التي نراها مناسبة، فلا أعتقد أنه كان سيخجل من قولها صراحة وبطريقة غير قابلة للتأويل، دون الحاجة إلى علوم التفسير والتحليل. ولكن ما يحدث الآن، وما كان يحدث في الماضي، هو عملية مضنية من أخذ كل كلمة وعرضها على طيف واسع من المعاني والمقاصد والتحليلات.
عودة إلى نصِّ آية التوريث. هناك مقصد صحيح واحد فقط لمنطقوها ظاهره وباطنه، وقد جاء ليقول لنا شيئاً محدداً، والاختلاف في معرفة هذا الشيء وصعوبة وضع يدنا عليه (إن أقرَّ أحدُنا بتلك الصعوبة رغم وضوح الكلمات) لا يبرر التخبط ولا يعطي لواحد من التفسيرات أن تفرض نفسها على التفسيرات الآخرى.
هناك معنى واحد صحيح، والسؤال ما هو؟ ومن هو المسؤول عن ايجاده وتحديده وتعريفه بشكل كامل؟
إن كثرة التفسيرات والتبريرات لنص واضح كهذا لا يبشر بخير. فما الذي سنفعله إذا نظرنا إلى آيات أخرى أكثر غموضاً وتعقيداً؟
وفي الخلاصة: إن النص المقدس له معنى صحيح واحد فقط، والسؤال ما هو؟ أما محاولة الادعاء أن للنص معانيَ متعددة هو ادعاء لا يدعمه المنطق البسيط. إلا إذا قصد صاحبه (أي مصدر النص الأصلي) أن يربكنا بدل أن يعلمنا ويضع لنا معالم الطريق التي يريدها لنا واضحة وسهلة







اخر الافلام

.. فهد الشليمي: هذا هو تنظيم الإخوان


.. العربي الكويتية .. محطات في حياة مجلة التنوير العربية


.. أجهزة أمنية في ألمانيا تحذر من خطر جماعة الإخوان




.. حسين الجسمي يغني في الفاتيكان


.. تفاعلكم: حسين الجسمي يكشف سر غنائه في الفاتيكان