الحوار المتمدن - موبايل



الماركسية وقضية المرأة

الحزب الشيوعي السوداني

2018 / 3 / 12
حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات


الماركسية وقضية المرأة

نظرت الماركسية الي قضية تحرير المرأة في ارتباط وثيق مع تحرير المجتمع من كل أشكال الاضطهاد الطبقي والقومي والاثني والديني، وكما هو معلوم، فان اول بحث رائد في الماركسية حول قضية المرأة هو الذي قدمه انجلز في مؤلفه( اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة)، والذي نشر لأول مرة عام 1884م، استند انجلز في مؤلفه علي بحث عالم الاجتماع الامريكي مورغان الذي عاش لفترة عشرين سنة وسط القبائل البدائية للهنود الحمر.

انطلق انجلز من الفهم المادي للتاريخ الذي يقول أن التحول في اسلوب الانتاج يؤثر علي الوجود الانساني باسره، بما في ذلك شكل العلاقات بين الرجال والنساء، ولا يمكن الفصل بين الانتاج وتجديد النوع البشري في تطور المجتمع. ( انقر للتنزيل نسخة PDF نسخة DOC )

وكانت اهم استنتاجات انجلز تتلخص في الآتي:

1- النظرة الي دونية المرأة هي نتاج تطور تاريخي اجتماعي، لا تتعلق بالفروق البيولوجية بين المرأة والرجل.

2- المجتمعات البدائية شهدت المساواة بين المرأة والرجل، وكانت العلاقات الجنسية تقوم علي الاختيار الحر من الطرفين ، كما شهدت تلك المجتمعات حق الأم ، كان الابناء ينسبون الي الأم.

3- مع ظهور المجتمعات الزراعية والرعوية والفروق الطبقية والدولة، وتركز الثروة في يد الرجال( ملكية الاراضي الزراعية وقطعان الماشية)، بدأت تظهر عدم المساواة بين المرأة والرجل ، واصبحت الوراثة من جهة الاب لاستمرار سيطرة الرجل.

4- أشار انجلز الي أن الاطاحة بحق الأم كان الهزيمة التاريخية العالمية لجنس النساء، ومن هنا بدأت سيطرة الرجل وهيمنته في المجتمع ، وتراجع دور المرأة الي المنزل.وهذه الهزيمة ارتبطت بانقسام المجتمع الي طبقات مستغلة(بكسر الغين) ومستغلة(بفتح الغين)، وبالتالي يستحيل فصل النساء عن تحرير المجتمع ككل من الاضطهاد الطبقي وكل أشكال القمع والاضطهاد الأخرى.

اضافة لمساهمة انجلز التي كانت رائدة بحق في البحث عن الجذور الحقيقية لاضطهاد المرأة والتي شكلت سلاحا هاما في الحركة النسوية في نضالها من اجل التحرر، أشار ماركس في مؤلفات متفرقة الي قضية المرأة علي النحو التالي:

1- ان تطور المجتمع يقاس بتقدم المرأة.

2- خروج المرأة للعمل مع الرجل، لابد أن يصبح بالضرورة مصدرا للتقدم الانساني، ويخلق أساسا اقتصاديا جديدا لشكل أعلي من الأسرة وللعلاقات بين الجنسين ، مكان العمل يفتح أمام النساء أوسع الفرص للنضال والتنظيم.

3- النضال ضد اضطهاد المرأة مهمة الرجال والنساء في الحزب ، وليس مهمة النساء وحدهن، لأن تحسين احوال العاملات تفيد المجتمع وكل العاملين ( رياض الاطفال، المساواة في الأجر، الاجازة مدفوعة الاجر في حالة الولادة، الحضانات المجانية، .. الخ).

4- وكان من رأي ماركس وانجلز أن تحرير المرأة يتطلب ليس فقط دخولها الي مجال الانتاج الاجتماعي ، انما كذلك احالة الخدمات من امثال العناية بالأطفال والمسنين والعجزة الي المجتمع. كما يمثل ازالة الفوارق الطبقية وتقسيم العمل بين الجنسين شرطا مسبقا لبلوغ النساء المساواة التامة.

الشق الثقافي لتحرير المرأة

علي أنه من الخطأ التصور ان الماركسية نظرت الي تحرر المرأة في مستوي العلاقات الاقتصادية والانتاجية فقط ، ولكن للمسألة شقها الثقافي الذي يتعلق بالبنية الفوقية للمجتمع ،فبمجرد تحرير المجتمع كله من الاضطهاد الطبقي ومساواة المرأة مع الرجل في الأجر وبقية الحقوق ، لا يعني ذلك أن قضية المرأة قد تم حلها. ذلك أن لقضية المرأة شقها الثقافي والذي يتعلق بالصراع ضد الايديولوجية التي تكرس اضطهاد المرأة ودونيتها ، والتي هي نتاج قرون طويلة من قمع واضطهاد المرأة ، وبالتالي لابد من مواصلة الصراع في الجبهة الثقافية أو البنية الفوقية للمجتمع، ضد الافكار والمعتقدات التي تكرس دونية المرأة والتي كرستها مجتمعات الرق والاقطاع وحتي الرأسمالية التي تعيد انتاج عدم المساواة في توزيع الثروة وبين البلدان المتخلفة والرأسمالية، وتعيد انتاج عدم المساواة بين المرأة والرجل وتجعل منها سلعة واداة للمتعة الدعارة واداة للإعلان الدعاية، اضافة للقهر الطبقي والثقافي والاثني والجنسي.

فلا يكفي فقط التحرر الاقتصادي وزوال المجتمع الطبقي ، بل لابد من خوض صراع فكري وثقافي طويل النفس ضد البنية العلوية التي تكرس اضطهاد ودونية المرأة.

اذن قضية المرأة ننظر لها نظرة شاملة وفي ابعادها المتعددة ومن زاوية: تحررها كجنس ومن الاضطهاد الطبقي والقومي والاثني والنفسي والأبوي، وفي مستوي البنية الثقافية للمجتمع التي تكرس اضطهاد المرأة والتي هي نتاج قرون من مجتمعات الرق والاقطاع ولا تزول بين يوم وليلة، بل تحتاج الي نضال ثقافي وفكري شاق.

أشار ماركس وانجلز الي أن الاشتراكية توفر الظروف المادية والحقوقية الضرورية للمرأة ، الا أن الاوهام في ان تؤدي الاشتراكية الي هذا التحرر تلقائيا لم يدر بخلد مؤسسي الماركسية ، ولم يتصور ماركس وانجلز: أنه مع انتصار الاشتراكية ستسود المساواة فورا بين المرأة والرجل ، فقد تناول ماركس الاشتراكية بصورة واقعية مشيرا الي أن الحديث يدور حول تشكيلة اشتراكية تخرج من احشاء الرأسمالية، ولذا سوف تحتفظ بسماتها، التي تعيد انتاج عدم المساواة لفترة طويلة، ولاسيما البنية العلوية التي تكرس اضطهاد المرأة.

كما كان لينين يشير الي أن ( المساواة في القانون لا يعني المساواة في الحياة) ، وكان لينين يدرك تماما أن عدم المساواة بين الجنسين سيبقي في المجتمع الجديد ، واسطع مثال علي ذلك هو العمل المنزلي يقول لينين (حتى في ظل المساواة التامة في الحقوق يبقي علي كل حال ذلك التقييد الفعلي للمرأة لأنه يلقى علي كاهلها أعباء كل الشئون المنزلية وهذه الشئون المنزلية هي في غالبية الحالات أقل الأعمال التي تقوم بها المرأة انتاجية واكثرها وحشية واشدها وطأة وارهاقا ، وهذا العمل في منتهى الحقارة والصغر ولا ينطوي على شيء من شأنه أن يسهم بقدر ما في تطوير المرأة)( لينين المؤلفات الكاملة مجلد 40، ص 157).

كما كان لينين يشير الي (أن الطبقة العاملة لا تستطيع احراز حريتها الكاملة اذا لم تحرز الحرية الكاملة للنساء).

مثال من تجربة الثورة الروسية:

كانت الثورة الروسية نقطة تحول حرجة في حقوق المرأة حيث اعطت الثورة المرأة الحقوق التالية، علي سبيل المثال لا الحصر:-

1- الحق الكامل في الاقتراع.

2- حق الطلاق وطوعية علاقة الزواج.

3- المساواة في الاجور وحقوق النساء والرجال في العمل.

4- المساواة الكاملة في الحقوق بين الزوج والزوجة.

5- الغاء التمييز بين الاطفال الشرعيين وغير الشرعيين.

6- حق الاجهاض

7- الحق في اختيار اسم الزوج أو الزوجة.

9- التعليم المختلط.

10- منع الدعارة ..الخ

أي أن الثورة الروسية حققت بضربة واحدة كل الشعارات التي كانت تطالب بها الحركة النسوية في اوروبا منذ الثورة الانجليزية والثورة الفرنسية، ولكن القوانين شئ والواقع الروسي شيء آخر، فقد كان الواقع الروسي متخلفا، اضافة الي حروب التدخل والفقر والبطالة، كل ذلك جعل حق الطلاق للمرأة مستحيل، كما تجلى التدهور في اوضاع النساء الي عودة الدعارة، كما أشار توني كليف في مؤلفه :( نقد الحركة النسوية)، حيث أوضحت الاحصاءات الرسمية عام 1921: عدد العاهرات في بتروغراد 17 ألف والي 10ألف في موسكو، وانتشرت بيوت الدعارة والقوادين.

- اللجوء الي الصناعة الثقيلة كان علي حساب سلع الاستهلاك مثل الأدوات المنزلية التي تخفف اعباء النساء اضافة لعمل النساء في الصناعات الثقيلة الضارة بصحتهن.

- في عام 1936 ، تم الغاء الاجهاض القانوني، فيما عدا الحالات التي تهدد الحياة أو الصحة أو احتمالات وجود مرض وراثي خطير.

- فرضت قوانين عامي 1935، 1936 عقوبات علي الطلاق ، وهي رسوم خمسين روبل علي أول طلاق وخمسين علي الطلاق الثاني وثلاثمائة علي الطلاق الثالث، الي تسجيل واقعة الطلاق في الوثائق الرسمية.

- تم الغاء التعليم المختلط عام 1943م.

- صدور قانون في 4/يوليو/1942م، يحدد عقوبات شديدة علي الطلاق بزيادة الرسوم ( تتراوح بين خمسمائة والفي روبل)، وهى مبالغ تجعل الطلاق مستحيلا الا علي الميسورين.

ويخلص تونى كليف الي أن هذا التراجع ارتبط بالقهر والتسلط والبيروقراطية الضخمة ذات الامتيازات الواسعة ، اضافة الي نزع ملكية ملايين الفلاحين الذين ارغموا علي العمل في مزارع تعاونية .

وكان اخضاع النساء واحدا من وجوه الثورة المضادة الستالينية.

اضافة الي أن مساواة المرأة مع الرجل في الأجر وحق المرأة في العمل لم يغير عقلية الرجل الشرقي والتي نتاج قرون من النظرة الدونية للمرأة والتي تقوم بكل اعباء الواجبات المنزلية، رغم التحولات الاشتراكية التي تمت.

لقد كان لمصادرة الديمقراطية والقمع الستاليني اضافة لتخلف الواقع الروسي نفسه الدور الرئيسي في اجهاض مكتسبات المرأة التي حققتها في بداية الثورة الروسية ، وكان هذا من اسباب انهيار التجربة الاشتراكية( قمع نصف المجتمع). ولأن المرأة التي تتمتع بحقوقها كاملة هي الأقدر علي الدفاع عن النظام الجديد ، وأن قضية تحرير المجتمع من القمع والاضطهاد هي مهمة الرجال والنساء، وكما أشار لينين: أن المرأة الشيوعية لها الواجبات والحقوق نفسها للرجل الشيوعي، ولا تنظيمات منفصلة للنساء.

الحركات والمدرس النسوية الجديدة:

في الغرب الرأسمالي ظهرت مدارس نسوية جديدة قامت علي نقد واقع المرأة في المجتمعات الرأسمالية المتطورة ونقد التجاربة الاشتراكية الستالينية، باعتبارها كانت مخيبة للآمال فيما يتعلق بتحرير المرأة، ومهما كانت الخلافات حول هذه المدارس الا أنها أسهمت في رفع الوعي بقضية المرأة ، وظهرت المراكز المتعددة التي تدافع عن حقوق المرأة من زوايا ومداخل متعددة، تناولت ابعاد جديدة حول قضية المرأة، أفرزها تطور المجتمع الرأسمالي المعاصر وان كان من المهم ربط الجزء بالكل، وضرورة النظرة الديالكتيكية الشاملة، والتي تتناقض مع النظرة الاحادية الجانب:

- فهناك الحركات النسوية الليبرالية والتي تطالب بالحقوق السياسية والمعاملة المتساوية مع الرجال، ولكن من الزاوية الطبقية تدافع هذه الحركات عن نمط الانتاج الرأسمالي، وتصور قضية المرأة وكأنها نسبة(كوتة)، أو تمثيل شكلي لها في المؤسسات البرلمانية، دون استكمال تلك الحقوق بالمحتوي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وتحرير المجتمع ككل من الاضطهاد الطبقي والثقافي.

- وهناك الحركات النسوية الراديكالية التي توجه سهام نقدها للمعايير الابوية الذكورية، وكأن الذكور يمثلون طبقة اجتماعية واحدة، علما أن بعض الذكور يدافعون عن قضية المرأة وتحرير المجتمع من كل اشكال الاضطهاد، وبعض الذكور له مصلحة في تكريس المجتمع الرأسمالي الذي يعيد انتاج عدم المساواة في الثروة وفي النوع، كما أن هناك بعض النساء يدافعن بشراسة عن مصالحهن الطبقية في المجتمع الرأسمالي.

- وهناك الحركات التي تسهم في تقديم خدمات خاصة مثل المراكز النسائية لتقديم العون لضحايا الاغتصاب والعناية بأمراض النساء والاستشارة النفسية أو العناية بالطفل.

- كما أن هناك حركات نسوية تفتقد النظرة الشاملة لقضية المرأة وتصور أن العدو هو الرجل باعتباره القوى التي تضطهد المرأة وسيطرته في الدور الذكوري، ولا ترى أن الرأسمالية أو أي نظام آخر هو السبب وراء اضطهاد النساء( توني كليف: المصدر السابق، ص 262).

- وهناك الاتجاه النسوي الذي يرجع اضطهاد المرأة الي عامل نفسي وجنسي ، والي أن التناقضات الطبقية نبحث عنها في اللامساواة بين الرجال والنساء ، وبالتالي، فان الدعوة للأضراب في سرير الزوجية سيسدد ضربة ليس فقط الي التعالي الجنسي ونواتجه الثانوية من مجتمع طبقي وعنصرية ، كما يري أن المرأة الغنية عمياء عن ظروف النساء من بنات جنسها، كما يري عدم اختلاط الرجال بالنساء( المساحقات)، وأن الحل هو امة المساحقات.

ولكن التجربة اكدت أن تلك الاتجاهات لم تحل قضية المرأة، بسبب عدم النظرة الشاملة ، وأن القضية ما زالت تكمن في نضال المرأة والرجل من التحرر من كل اشكال الاضطهاد الطبقي والقومي والاثني والجنسي والثقافي. كما يؤكد خصوصية وضع المرأة وضرورة العمل المشترك بين النساء غض النظر عن مطلقاتهن الفكرية لتحرير المرأة بتحقيق المطالب العامة التي تهم المرأة كجنسكما تؤكد تلك الاتجاهات أن الرجل نفسه يحتاج الي تحرير من البنية الفوقية للمجتمع التي تكرس دونية المرأة.

خصوصية واقع المرأة السودانية

علي أن منهج الماركسية لابد أن يغوص بنا لمعرفة واقع وخصوصية تطور المرأة السودانية ، وذلك أن دراسة واقع المرأة السودانية وتطورها لا ينفصل عن تطور المجتمع السوداني، لأن التقدم الاجتماعي يقاس بتقدم النساء ودرجة اسهامهن في تطور ورقي المجتمع، كما أن دراسة تطور المرأة السودانية لا ينفصل عن تحليل المجتمع ودراسة التفاوت الطبقي والاجتماعي والتنوع في سبل كسب العيش وتطور قوى الانتاج وعلاقات الانتاج ، وتوضيح التقسيم الاجتماعي للعمل بين الرجال والنساء ، والنظر في الجذور التاريخية لتهميش المرأة ، ومتابعة الأشكال الثقافية التي تكرس التمايز بين الرجال والنساء، فلا يكفي ، أن نشير فقط الي العوامل الاقتصادية لاستغلال المرأة واضطهادها ، بل لابد من الاشارة للعوامل المكملة الثقافية والاجتماعية التي تسهم في اعادة انتاج اضطهاد المرأة.

بدون التقليل من أهمية وحصاد الفكر النظري الذي درس الجذور التاريخية لتطور واضطهاد المرأة مثل مؤلف انجلز( أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة)، وكذلك ما توصل اليه علم الانثروبولوجيا المعاصر وما اكده علي أهمية الدراسة المستقلة لكل مجتمع ، وكذلك ظهور الحركات النسوية بمدارسها المختلفة ، وما توصلت اليه الدراسات المتخصصة حول المرأة وقضايا النوع ، كل ذلك مفيد ، ويوضح لنا الزوايا المختلفة لقضية المرأة، ويشكل لنا خلفية ضرورية ، ولكن ذلك لا يعفينا من بذل الجهد المستقل للتعرف علي خصوصية تطور المرأة السودانية ، وبهدف الاسهام في الفكر النظري العالمي من خلال تجربتنا المحلية وفي تفاعل واخذ وعطاء متبادل ، فدراسة حصاد الفكر النظري ليس بديلا لدراسة خصوصية وتاريخية تطور المرأة السودانية ، وبذل الجهد المستقل الذي يشكل جوهر الفهم المادي للتاريخ لمعرفة الاوضاع التاريخية التي تجلت فيها تهميش واضطهاد المرأة السودانية ودرجة اسهامها في تطور المجتمع. وهذا الموضوع يحتاج لمزيد من تسليط الضوء عليه، لأن دراسة ومعرفة الواقع والجذور التاريخية لاضطهاد المرأة هو شرط لا غني عنه لتغييره، في صراع ثقافي طويل النفس.

بنظرة عامة لتطور المرأة السودانية، نلاحظ الآتي:

- السودان كغيره من اقطار العالم مر بالفترات التاريخية نفسها التي بدأت بالعصور الحجرية ، كما أوضحت الحفريات التي قام بها علماء الآثار ، وبالتالي عرف المجتمعات المشاعية البدائية التي كانت تقوم علي الصيد والتقاط الثمار، وكان التقسيم الاجتماعي للعمل ، كما اوضحت تجارب معظم الشعوب يقوم علي الآتي:

- الرجال ينصرفون الي الصيد أو القنص. والنساء ينصرفن الي التقاط الثمار والحيوانات الصغيرة غير المؤذية ، اضافة للأعمال المنزلية وتربية الاطفال وصناعة الفخار والاواني المنزلية وصناعة النسيج أو الملابس من الصوف أو جلود الحيوانات.

وباكتشاف الزراعة وتربية الحيوانات في حضارة المجموعة(أ)،(ج)، ظهرت الحضارة وعرفت القبائل السودانية القديمة ظاهرة تقديس الأم ، كما عرفت نظام الأمومة الذي عرفته شعوب أخري وأديان كانت قائمة علي عبادة الاهات الخصب ، وهو نظام ارتبط بالدور الذي لعبته النساء في اكتشاف الزراعة.

وكانت البنية الاجتماعية في المجتمعات البدائية تقوم علي الملكية الجماعية لوسائل الانتاج، ولم تعرف الفوارق الطبقية والفوارق بين الرجال والنساء، ولم تعرف الدولة ولا الجيش.

كانت مملكة كرمة علامة فارقة في تطور الحضارة السودانية، فقد قامت أول دولة سودانية، ونشأ جهاز دولة يتكون من : الكهنة، الموظفين، السياسيين، وظهر أول انقسام طبقي يتلخص في طبقة الحكام والكهنة والموظفين والملاك، وطبقة اصحاب الحرف ، المزارعين، الرقيق.

وبظهور مملكة كرمة بدأت تنحسر أو تتقلص الملكية المشاعية للأرض التي كانت سائدة في حضارتي المجموعة(أ)،(ج)، ومنذ تلك اللحظة بدأت تظهر عدم المساواة بين الرجال والنساء ، وبدأ الرجل يتفوق علي المرأة من زاوية التفاوت في ملكية القطعان وملكية المحصول ، وأصبح دور المرأة يقل تدريجيا في النشاط الاقتصادي في المجتمع ، واستمر هذا الاتجاه يتعمق مع تطور الدولة والانقسام الطبقي في حضارات نبته ومروى والنوبة المسيحية والممالك الاسلامية(الفونج، دارفور، المسبعات، تقلى..)حتي يومنا هذا من تاريخنا الحديث.

كما عرفت المرأة العادات الثقافية الضارة منذ السودان القديم، مثل: الخفاض الفرعوني، الشلوخ،.... الخ.

كما كان للمرأة دور هام في الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية والحربية منذ مملكة مروى(الكنداكه)، وفي المراحل التاريخية المختلفة.

وفي مجتمعات الرق مثل السلطنة الزرقاء ، عرفت المرأة نوعين من الاضطهاد: اضطهادها كعاملة، واجبارها علي المضاجعة القسرية.

كما تطور زي المرأة في تلك الفترة من الرحط لغير المتزوجين الي الثوب الذي ترجع جذوره الي تلك الفترة ، والذي نبع من البيئة السودانية . هذا اضافة الي ظهور مؤسسة البغاء التي اشار اليها انجلز في مؤلفه( أصل العائلة...)، والتي ترتبط بخروج المرأة من الانتاج المادي ، وكان معظم تجار الرقيق في تلك الفترة يقومون بتأجير الجواري للبغاء .

كما شهدت تلك الفترة التحول لنظام الابوة .

كما كانت المرأة في سلطنة دارفور وما زالت حتي الآن تلعب دورا هاما في النشاط الاقتصادي والاجتماعي والديني.

وفي فترة الحكم التركي ارتبط السودان بالنظام الرأسمالي العالمي من خلال تصدير العاج والصمغ ، وبدأ يظهر التعليم المدني الحديث والقضاء المدني، كما شهدت البلاد دخول خدمات التلغراف وادخال البواخر النيلية. وكان لهذه الاوضاع الجديدة انعكاسها علي تطور المرأة، فقد شهدت الفتاة السودانية بذور التعليم الحديث من خلال مدارس الارساليات التي فتحها المطران كمبوني للبنين والبنات ، اضافة الي تعليم فن الطبخ والخياطة والتطريز.

كما ظهر في هذه الفترة نظام الحريم (الحجاب) الذي كان سائدا في الدولة العثمانية والبلاد التي كانت تتبع لها ، والذي كان يرى في المرأة اداة لمتعة الرجل وراحته الجسمانية واداة لحفظ النسل(حاجة كاشف: الحركة النسائية في السودان،1984م).

كما استمرت العادات السابقة( الخفاض، الزآر، غلاء المهور،... الخ). كما انتشرت بيوت الدعارة والبغاء التي كان يديرها بعض التجار والذين كانوا يحققون ارباحا كثيرة منها ويتهربون من تسديد الضرائب، كما أشار سلاطين باشا في مؤلفه: السيف والنار في السودان. وفي هذه الفترة تم ضم الجنوب ( المديريات الجنوبية) الي السودان، والتي كان بها عادات واعراف واحوال شخصية تختلف عن احوال المسلمين والمسيحيين. كما عرف الجنوب تعدد الزوجات (بدون تحديد)، مع التفاوت في نظم العائلة، والتقسيم الاجتماعي للعمل بين الرجال والنساء والدور الكبير الذي تقوم به المرأة في العمليات الزراعية والاعمال المنزلية وقطع الغابات واعداد الطعام ورعاية الاطفال .

وفي جبال النوبا كان للمرأة دور كبير في التقسيم الاجتماعي للعمل: النسيج، الزراعة، كما تشارك في العمل التعاوني (النفير) سواء بإعداد الطعام أو صنع المريسة أو بالمشاركة في العمليات الزراعية في تنظيف الأرض وعمليات البذور والحصاد... الخ. وكذلك الحال في منطقة الانقسنا.

فترة المهدية: جاءت فترة المهدية التي اصدرت قوانين منع خروج المرأة للشارع(حجر النساء)، حجاب النساء، جلد النساء اللائي يخرجن كاشفات الرؤوس. كما اصدرت قوانين . لتخفيض نفقات الأعراس ، كما تم منع الرقص والحفلات والغناء،...الخ، ولكن المهدية فشلت في حجر النساء ، فقد خرجت المرأة للنشاط التجاري ، فالمرأة اصلا كانت عاملة في: الزراعة، التجارة، بناء المساكن، الغزل والنسيج، وكانت الضرورات الاقتصادية تفرض علي المرأة خروج المرأة للعمل، وقام الخليفة عبد الله بتنظيم مكان للنساء في سوق ام درمان، والمدن الأخرى. كما لعبت المرأة دورا هاما في الثورة المهدية.

فترة الحكم الانجليزي- المصري: ثم بعد ذلك جاءت فترة الحكم الثنائي التي تميزت بظهور حركة تعليم المرأة(الحديث)،وخروج المرأة للعمل في النظام الحديث(في البداية: مجال التعليم والصحة، ثم اتسعت مجالات عمل المرأة فيما بعد). كما ظهرت التنظيمات النسائية ( الاتحاد النسائي عام 1952م). ساهمت المرأة في الاحزاب السياسية والنقابات. طرح الاتحاد النسائي في أول برنامج له: حقوق المرأة في التعليم والتثقيف ومحاربة الخرافة و العادات الضارة والمطالبة بالحقوق السياسية والاجر المتساوي للعمل المتساوي(كان مرتب المرأة يساوى اربعة اخماس مرتب الرجل)، والاهتمام بالطفل. كما نجح الاتحاد النسائي في عام 1954م، في الحصول علي حق النساء في التصويت للبرلمان وشاركت في انتخابات 1954م، خريجات الثانوي والجامعة والمعاهد. كما طرح الاتحاد النسائي ضرورة اخذ رأى الفتاة في الزواج، وصدرت صحيفة صوت المرأة لسان حال الاتحاد النسائي التي كانت تحارب العادات الضارة مثل: الخفاض الفرعوني والمشاط ولبس ملابس الحداد وغلاء المهور،...الخ. كما شارك الاتحاد النسائي في مقاومة قانون النشاط الهدام ومصادرة الحقوق الديمقراطية عام 1953م. اسهم الاتحاد النسائي في انشاء عدد من المدارس الأولية للبنات ومدارس أوسطى وقامت فروعه في مدن السودان المختلفة . كما تقدمت المرأة في الحياة الاجتماعية وساهمت في النشاط الثقافي والفني والأدبي.

بعد الاستقلال: شاركت المرأة في ثورة اكتوبر 1964م، كما انتزعت المرأة حق الانتخاب الذي قررته أول وزارة بعد الثورة وفازت فاطمة احمد ابراهيم كأول امرأة سودانية تدخل البرلمان في دوائر الخريجين. وفي عام 1965م، تم تشكيل لجنة لمراجعة اجور ومرتبات العمال والموظفين ، ما يهمنا هنا ، أن تلك اللجنة أوصت بتطبيق مبدأ الأجر المتساوي للعمل المتساوي للرجل والمرأة علي حد سواء( طبق في مجالات الطب والتمريض والتدريس)، ولم يطبق في جميع الوظائف الا في عام 1972م، واستمر الوضع حتي اشتراك المرأة في القوات النظامية والسلك القضائي والدبلوماسي والتوسع في التعليم العالي(الاحفاد، الجامعة الاسلامية،..الخ). ارتفاع عدد الطالبات في الجامعات ( علي سبيل المثال كانت نسبة الطالبات في الجامعات عام 2000م 48%)، وفي بعض الكليات مثل الطب والهندسة جامعة الخرطوم بلغت النسبة65%. ارتفعت مساهمة المرأة في النشاط السياسي والثقافي والفني والمسرحي والدبي والرياضي. قاومت المرأة الانظمة الديكتاتورية(عبود، نميري، الانقاذ)، وتعرضت للقمع والاعتقال والتعذيب والفصل التعسفي من العمل، والهجرة للخارج.

كما شهدت تلك الفترة اهتماما عالميا بقضية المرأة( المواثيق الدولية)مثل: الاجر المتساوي، التمييز في التعليم، الحقوق السياسية لمرأة، سيداو1979م، مؤتمر بكين، سيداو الاختياري 1999م.

صارعت المرأة ضد النفوذ السلفي لتجريد المرأة من مكاسبها التاريخية مثل محاولة فرض الحجاب عليها والعودة بها لعصر الحريم ، ..الخ).كما عانت من مشاكل الحروب والنزوح والاغتصاب ولاسيما في حرب دارفور، اضافة لمعاناتها في المهن الهامشية( الشاى، الاطعمة..الخ)من المطاردة والقمع. كما عانت النساء من التجنيد الاجباري لا بناءهن . اضافة للقهر والجلد. كما صدر قانون الاحوال الشخصية لعام 1991م لتكريس اوضاع التخلف للمرأة. ولكن رغم قهر الانقاذ الا أن المرأة شقت طريقها في مختلف الميادين. كما دفعت ظروف الحرب والفقر والتشريد بأكثير من النساء للعمل، كما كثرت حالات الطلاق للإعصار ، واتسعت ظاهرة سجن النساء والولادة داخل السجون(اطفال مواليد السجون).كما اتسعت اعداد المراكز ومنظمات المجتمع المدني التي سلطت الاضواء المختلفة علي قضايا المرأة من زوايا مختلفة وتعددت اشكال تنظيمات المرأة وكانت الحصيلة اهتمام واسع ومتنوع بقضية المرأة وهذا يشكل معلما بارزا في مسيرة المرأة السودانية.

ويؤكد واقع وخصوصية تطور المرأة السودانية أن الصراع والثقافي مازال شاقا، لأنه من الصعب تغيير تقاليد وثقل التكوينات الاجتماعية التي تكونت لألاف السنين بين يوم وليلة، وكما يقول ماركس : (ان تقاليد كل الاجيال الميته تجثم مثل كابوس على دماغ الاحياء)، وعلى سبيل المثال لابد من تنمية عادات ثقافية طويلة النفس ، نواجه بها عادات مثل الخفاض الفرعوني والذي اكدت التجربة أنه من المستحيل ازالته بقرارات بين يوم وليلة. كما ان عملية تحرير النساء يقوم بها النساء انفسهن، وعملية تحرير المجتمع كله بنسائه ورجاله من الاضطهاد الطبقي والاثني والثقافي ، هو طريق شاق طويل تشترك في تحقيقه المرأة والرجل ، كما أن حركة تحرير المرأة ليست ضد الرجل. علي انه مازالت هناك تحديات كثيرة ومطالب يجب تلبيتها لتحقيق المساواة الكاملة بين المرأة والرجل في السودان.

الحزب الشيوعي السوداني

اللجنة المركزية

مكتب التثقيف المركزي

أهم المصادر والمراجع

1- انجلز: أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، موسكو، 1972م.

2- الاشتراكية المرأة(مجموعة من الكتاب) ، ترجمة جورج طرابيشي 1971م.

3- تونى كليف: نقد الحركة النسوانية ، ترجمة أروى صالح، تقديم فريدة النقاش، كتاب الاهالي، ديسمبر 1991م.

4- تاج السرعثمان: تطور المرأة السودانية وخصوصيتها، دار عزة،2007م.

5- حاجة كاشف بدري: الحركة النسائية في السودان، الخرطوم، 1984م.

6- فاطمه احمد ابراهيم: حصادنا في عشرين عاما( بدون تاريخ).

7- فاطمه بابكر محمود: المرأة الافريقية بين الارث والحداثة ، 2002م.







اخر الافلام

.. لماذا ارتدت ناشطات سعوديات العباءة بالمقلوب؟


.. بتوقيت مصر : إنشاء أول مركز لتعليم رياضة الجمباز للنساء بمحا


.. بيروت.. ماراثون تحت شعار مكافحة الاغتصاب




.. دراسة: نقص الزنك أثناء الحمل قد يؤدي للإصابة بالتوحد


.. تشييع المرأة التي قُتلت برصاص الجيش الأردني في مخيم الركبان