الحوار المتمدن - موبايل



متى تبلورت اللهجة البغدادية الحديثة والجامعة ؟؟

سلمان رشيد محمد الهلالي

2018 / 3 / 12
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


كانت مدينة بغداد وحتى تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 مدينة صغيرة – بدائية لاتتجاوز مساحتها ستة كيلو مترات مربعة , ويقع الجانب الاكبر منها والرئيسي في الرصافة . وتمتد من باب المعظم من بداية شارع الرشيد وحتى بداية شارع ابو نؤاس طولا , ومن نهر دجلة وحتى مقبرة الشيخ عمر السهروردي (شارع محمد القاسم حاليا) عرضا (مع احياء قليلة في الكرخ), وعدد سكانها (150) الف نسمة تقريبا . وكانت الاعظمية والكاظمية سابقا تبعدان مسافة طويلة نسبيا عن بغداد , وكانت تسمى تاريخيا بدار الخلافة . (وهى طبعا غير بغداد المدورة التي بناها المنصور والتي تقع في الكرخ / العطيفية حاليا واندثرت بعد (300) عام من تاسيسها). ورغم ضيق تلك المساحة وتداخل الاحياء والازقة السكنية فان الكاتب (رزوق عيسى) يذكر في مقال له بعنوان (نظرة عامة في لغة بغداد العامية) نشره في مجلة (لغة العرب) التي يصدرها الاب (انستانس ماري الكرملي) عام 1911 (ان كل من المسلمين والمسيحيين واليهود في بغداد كانت له لهجته الخاصة حتى انك تستطيع ان تحكم على ديانة الرجل من خلال كلامه) , ويبدو ان الاحياء المنعزلة لاهل تلك الاديان الثلاث دور في ذلك التمايز . وعلى هذا الاساس يطرح السؤال الاتي : اذا كان هذا الاختلاف في اللهجات ظاهرا وكبيرا في ذلك الوقت , فمتى حصل التوحد الذي بلور اللهجة البغدادية الجامعة الان ؟ بل وقبل ذلك , متى ظهرت اصلا اللهجة البغدادية ؟ ومن هى اللهجة التي تعد السلف الصالح او الخميرة الطيبة للهجة البغدادية الحالية ؟ هل هى لهجة المسلمين ام المسيحيين ام اليهود ؟
تذكر (موسوعة اللغات العراقية) التي اشرف على اصدارها الكاتب سليم مطر (ان اللهجة البغدادية هى اللهجة الوسيطة التي تلتقي عندها مختلف اللهجات العراقية المتفرعة , وتنتشر في كل وسط العراق - اي المناطق المجاورة لبغداد - مثل ديالى وبعض نواحي تكريت وسامراء والانبار وواسط وبابل . ومن مميزات هذه اللهجة انها تميل الى تفخيم الصوت والضم مثل (شونوا : ماذا) وكذلك ان حرف القاف لايحول الى (كك) كما في لهجة الجنوب , بل وفي كثير من الاحيان يلفظ قاف كما هو مثل (قابل اني وقريبي) وغيرها . ويعتقد ان اللهجة البغدادية ايام العباسيين كانت شبيه باللهجة الموصلية التي يلفظ فيها القاف بكثرة , وتحول الراء الى غين مثل (راح وتلفظ غاح) , الا ان نهاية الحضارة العباسية ونزوح اهل الارياف والبوادي الى بغداد جعلها تفتقد هذه الخواص , ولكنها بقيت عند المسيحيين واليهود الذين لم يختلطوا او يتزاوجوا مع المهاجرين المسلمين الجدد) .
وبحسب الدراسات المختصة واراء الكثير من الباحثين امثال المرحوم جلال الحنفي والكاتب طلعت ميشو والباحث محمد رضا الشبيبي والكاتب حسن العلوي والدكتور قاسم حسن وغيرهم , ان اللهجة البغدادية تنقسم الى قسمين :
اللهجة البغدادية القديمة او الاصلية : وتبلورت في العصر العباسي من خلال المزاوجة بين العربية والارامية والفارسية والتركية . وتميزت بالعلو والرقة والفخامة لانها نتاج الازدهار والدلال والرفاه الاقتصادي الذي تميزت به بغداد ابان يوم كانت حاضرة العالم الاسلامي الكبرى , حتى اصبحت مفردة (التبغدد) الشائعة عند العرب رمزا للبذخ والدلال والرفاه . وتلاشت هذه اللهجة مع الاحتلال المغولي وغزو هولاكو عام 1258 (656 هجرية) , بحسب راي الدكتور قاسم حسن الذي اكد (أن لهجة بغداد بعد أن كانت قبل غزو هولاكو لغة الشارع outdoor language أصبحت بعد الغزو لغة تستعمل داخل البيوت بين الأسر المسيحية واليهودية indoor language.. أما المسلمون فهم بدو مقلدون لليهود والمسيحيين, ليس غير) الا ان جلال الحنفي في كتابه (معجم اللغة العامية البغدادية) والكاتب طلعت ميشو في مقالته (الحكيم البابلي – حول لهجات مسيحيي ويهود بغداد) في موقع الحوار المتمدن يذكر : انها استمرت حتى مطلع القرن العشرين او نهاية القرن التاسع عشر , وأن لتوافق كارثتي الفيضان والطاعون في عام 1831 إضافة إلى الاضطراب السياسي الحاصل بسبب انتهاء حكم المماليك كل ذلك كان له دورا في انقراض لهجة بغداد القديمة ، حيث تم تعويض النقص في سكان المدينة الذي تراجع الى (11) الف نسمة تقريبا من خلال استيطان وهجرة أهل الريف والعشائر المجاورة في بغداد , وتاسيس احياء جديدة مثل السوامرة والدوريين والتكارتة والراويين والعانيين والهيتاويين والانباريين , أدى إلى تطور وتغير اللهجة البغدادية . الا ان الكاتب قصي البلداوي يذكر عن الدكتور حسين علي محفوظ قوله (ان بداية اللهجة العامية بدأت في بغداد منذ العصر اواسط العهد العباسي , حيث مال اهل بغداد الى تبسيط المفردات العربية الخشنة بمفردات اسهل والين , وتم مغادرة لغة (افرنقعوا عني) وصارت في محل تندر). اي ان بدايات تبلور اللهجة البغدادية في اواسط العصر العباسي وليس في بدايته .
اللهجة البغدادية الحديثة والحالية : وتبلورت مع بداية القرن العشرين . وهى اقرب للبداوة والفصحى , وتمتاز بالبساطة وبطء الكلام ووضوحه . وهذه اللهجة هى خليط بين البغدادية الاصلية القديمة وبين اللهجة البدوية او الريفية التي جلبها معهم المهاجرون الجدد الذين ادرجنا اسماء قبائلهم وعشائرهم في القسم الاول , واطلق علي هذه اللهجة تسمية (البداوي) . ويذكر الكاتب طلعت ميشو : بان حتى هذه (البداوي) قد تغيرت بصورة ملحوظة في بداية السبعينات , بسبب الهجرة الكبيرة التي قام بها البغداديون الاصليون وخاصة المسيحيين واليهود والصابئة الى خارج العراق هربا من نظام حكم صدام حسين .
انا في الواقع لست من اهالي بغداد , ولكن بما اني درست فيها خمسة سنوات فاستطيع الخروج بالمقاربة الاتية : ان الاعتقاد ان اللهجة البغدادية القديمة او الاصلية التي كانت في العصر العباسي قد استمرت حتى الان هو اعتقاد متكلف ويفتقر للواقعية , لان بغداد قد مرت خلال العهود التي اعقبت سقوطها بيد المغول - وربما حتى قبلها - بمصائب وانتكاسات وفتن واحتراب واقتتال وغزوات واوبئة وفيضانات وغيرها , مايجعل الحفاظ على هذه اللهجة عند المسيحيين واليهود ونسقها البرجوازي الهادىء , هو من الصعوبة بمكان , فاللهجة هى في الاصل نسق من الرموز يتكون من خلال التفاعل بين البيئة والسمات التاريخية الموروثة , ومن المستحيل هذا الغنج والدلال والرقة الذي تتميز به اللهجة الغدادية يبقى مع تلك الظروف الحالكة والاحداث القاتمة , والدليل عندنا هو تجليات الحزن والشكوى والبكاء والخوف التي نجدها بافراط في الغناء البغدادي المعروف بالمقام العراقي , الذي يعكس النفسية البغدادية الحقيقية خلال الثمانية قرون الاخيرة التي اعقبت الغزو المغولي باجلى صورها .
فضلا عن ذلك ان اللهجة البغدادية عند المسيحيين تختلف عن اليهود , ناهيك اختلافها عن المسلمين – كما بين ذلك رزوق عيسى في مقالته السابقة – بقوله (ان لهجة المسلم غير لهجة النصراني , وكلام هذا يمتاز عن نطق اليهودي كل الامتياز , وعربية اليهودي لاتشبه لسان المسلم والنصراني بشيىء ابدا - من جهة النبرة والنغمة - وهذا الامر لاتشاهده على مثل هذه الصورة العجيبة الا في بغداد وبعض مدن العراق) واضاف ( ان لغة عوام بغداد اقرب الى التركية منها للعربية) وقد اشار ايضا الى هذه الظاهرة الدكتور الوردي في معرض تبيانه لهيمنة اللغة التركية على النخبة الادارية والسياسية الحاكمة في العراق قبل الاحتلال البريطاني المعروفين بفئة (الافندية) بقوله (عندما تشكلت الدولة العراقية الحديثة اخيرا واخذ مجد (عدنان وقحطان ونزار) يحل محل (حكمت ومدحت وحشمت) تراجع الافندية واسقط في ايديهم , ذلك ان لغة سيبويه ونفطويه شرعت تاخذ مكان تلك اللغة التركية الهدارة) . كما بين ايضا الباحث حنا بطاطو في كتابه العراق الكتاب الاول الى (ان الاسلام في العراق كان قوة فصل اكثر منه قوة دمج , اذ انه اقام انشقاقا حادا بين العرب الشيعة والسنة , ونادرا مااختلط هؤلاء اجتماعيا , وكقاعدة عامة لم يكن هنالك اي تزاوج بينهما . وكانوا حتى في المدن المختلطة يعيشون في احياء منفصلة حيث لكل منهم حياته) . وهذا يعني ان القول ان هناك لهجة بغدادية محددة وباقية من العصر العباسي وحتى الان هو قول متكلف ويفتقر للواقعية , الا ان هذا لايمنع من وجود بعض المشتركات بين الاثنين باللهجة والمفردات .
وفضلا عن تعدد اللهجات بحسب الطوائف والاديان فهناك ايضا تعدد اللهجات بحسب المناطق في بغداد , ومازال الكثير من المعمرين يميزون لهجة اهل الرصافة عن لهجة الكرخ عن الاعظمية والكاظمية والكريعات وغيرها , وهذا يعني ان هناك عملية توحد قد حصلت للهجة البغدادية لاحقا بحيث اصبحت تشكل الغراء الجامع لهذا المجتمع في الاربعينات والخمسينات من القرن العشرين الماضي .
ان اللهجة البغدادية الجامعة الان ذات المزاج البرجوازي الهادىء قد تبلورت مع تكوين الطبقة الوسطى في العراق التي ظهرت ملامحها الاولى بعد افتتاح قناة السويس عام 1869 والتطور الاقتصادي والانفتاح التجاري الهائل وارتباطه مع السوق العالمية والراسمالية , واكتملت انماطها الاجتماعية والثقافية في الثلاثينات مع تكوين وانشاء الاحياء العصرية التي خرجت عن طوق بغداد القديمة في السعدون والكرادة الشرقية والوزيرية والاعظمية والصالحية والمنصور وغيرها . واعتقد ان خميرة تلك اللهجة هى لهجة اليهود والمسيحيين الذين كانوا طليعة البرجوازية العراقية , ليس لانهم بقوا محافظين نسبيا على تلك اللهجة خلال القرون المظلمة التي اعقبت سقوط بغداد , وانما لانهم من اوائل الناس الذين سكنوا تلك الاحياء العصرية والتماهي مع مظاهر (التبرجز) الحديثة , فضلا عن ذلك اختلاطهم القليل مع المهاجرين العرب المسلمين الوافدين الى بغداد سواء اكان في القرن التاسع عشر او منتصف القرن العشرين . فمثلا نجد ان اليهود قد اخذت المسارات الاجتماعية والاقتصادية عندهم بالازدهار طيلة النصف الأول من القرن العشرين، وأنتشر التعليم بين الشباب، وتضاعف عدد الطلاب، وألتحقوا بالمعاهد العامة فضلاً عن المدارس اليهودية الخاصة. وازدادت اعدادهم في هذه المدارس الأخيرة من 5886 من الطلاب والطالبات في عام 1913 الى 11435 في عام 1935 . كما أرتفع عدد المعابد اليهودية في بغداد من 29 معبداً عام 1915 الى 41 معبداً عام 1936 . وأزدهرت الطائفة اقتصادياً أيضاً وبخاصة مع ظهور الدولة الجديدة. وزيادة النشاط التجاري. ويقدر تقرير اصدره جوزيف شيشتمان من الوكالة اليهودية، النشاط التجاري اليهودي في العراق قبل الحرب العالمية الثانية كما يلي :
• الواردات 95% في أيد يهودية
• المقاولات 90% في أيد يهودية
• الصادرات 10% في أيد يهودية
وقد ذكر الدكتور الوردي ان الطبقات الغنية وفي سبيل رغبتها بالتفرد والتمايز عن العامة تاخذ باختراع لهجتها الخاصة ومفرداتها المتميزة ولباسها المختلف , واستعار لها تسمية (الطبقة الفارغة) المعروفة في الدراسات الاجتماعية الغربية, ويبدو ان العوائل البغدادية البرجوازية قد بلورت لهجتها الخاصة كنوع من التمايز عن العامة من خلال المفردات والسلوكيات الخاصة بها .
ان اللهجية البغدادية في الواقع ليست مفردات خاصة باهالي بغداد كما يتصور البعض - او من يريد تقليدهم من المهاجرين - وانما هى نسق متكامل يحوي ثلاث اقسام :
الاول : هى المفردات الخاصة باللهجة البغدادية التي ذكرناها مثل (لعد ومي واني وشونوا وهياته وهنانه)
الثاني : صيغة الكلام والتحدث (وهى المقصود باللكنة) واستخدام كلمة (دا) في اللهجة البغدادية , لان اللغة العربية الفصحى - كما يذكر المختصون - تفتقد الفعل المستمر , حيث أن الفعل المضارع هو وحده الذي يمثل الزمن الحاضر. فحين نقول يدرس الطالب في المدرسة , يشرب الطفل الحليب... نحن نعبر عن حقيقة لا زمن لها , ويبقى التعبير عن إستمرار حدوث الفعل مفقوداً في اللغة العربية الفصحى , فوجدت العامية العراقية حلا لهذه الاشكالية اللغوية , فجاءت كلمة (دا) البغدادية التي تسبق الفعل المضارع , عن استمرار حدوثه على نمط (دا اروح للبيت , دا افتهم القصة , الطفل دا يرضع).
الثالث : المزاج النفسي الهادىء في الكلام اوالبساطة في التحدث ويطلق عليها النبرة . فالبغدادي عند الكلام لايحرك يديه او راسه ولاتظهر تعابير قوية على وجهه على عكس ابناء بقية المحافظات التي تظهر عندهم الانفعالية عند الكلام , مع ارتفاع لافت في الاصوات .
في العقود الاخيرة من القرن العشرين تبلورة لهجة بغدادية - ربما جديدة من حيث المفردات والنبرة واللكنة - وهى خليط من اللهجة البغدادية الشائعة التي ذكرناها ولهجة الوافدين من شمال وشمال غرب بغداد , ولهجة اهل الجنوب المهاجرين في مدن الثورة والشعلة وغيرها . ويمكن ان نسميها اللهجة الوسيطة بين مختلف البيئات واللهجات , وتبلورت بحكم التزاوج والتعامل التجاري والاختلاط التعليمي والاكاديمي في المدارس والجامعات واماكن العمل وغيرها . وقد نشهد في العقود اللاحقة انقراض او تلاشي اللهجة البغدادية القديمة والشائعة , سيما بعد وفاة الافراد من كبار السن الذين عايشوا تلك اللهجة , فضلا عن هجرة المسيحيين واليهود وباقي الاقليات في اعقاب الاقصاء الاجتماعي لليهود واسقاط الجنسية العراقية عنهم في بداية الخمسينات والحكم الديكتاتوري البعثي والاضطراب السياسي والامني والاجتماعي الذي حصل بعد 2003 . وقد وجدنا للاسف بعض الكتاب الطائفيون يلقون بالائمة على تلاشي اللهجة البغدادية ذات المزاج البرجوازي على الوافدين الى بغداد من اهل الجنوب فقط , وهى - طبعا - نظرة طائفية بغيضة اعتدنا سماعها من الكتاب البغداديون الذين هم اصلا وافدين من المناطق الغربية , ابان الحقبة القومية بعد انقلاب 1963 وسيطرة قرى التعصب – حسب تسمية حسن العلوي - من عانة وراوة والدليم وتكريت وغيرها , او خلال مرحلة الحكم البعثي بعد انقلاب 1968 واسكان الالاف من رجال المخابرات والامن والاستخبارات والجيش والحرس الجمهوري والامن الخاص وغيرهم ممن يرجعون الى تكريت والموصل وديالى والانبار في بغداد







اخر الافلام

.. الكرة على طريقتنا - الحلقة الرابعة


.. ترحيب من أهالي الحديدة بتحرير المطار من الميليشيات الانقلابي


.. ميليشيات الحشد الشعبي.. تأسيسها وأهم فصائلها




.. الألغام الحوثية.. خطر يحدق بالمدنيين اليمنيين


.. مطار الحديدة في اليمن.. رحلة التحرير