الحوار المتمدن - موبايل



هل مكة الحجازية أم القرى؟

ياسين المصري

2018 / 3 / 13
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


هل كان لمكة التي يعرفها العالم الآن وجود حقيقي في التاريخ المفترض لظهور مُحَمَّد؟
وهل كان لهذه المدينة أية أهمية تذكر؟
وكيف نستدل على وجودها وأهميتها إن كانت قد وجدت بالفعل؟

في الـخامس عشرة من أبريل 2007م أقيمت في مكة محاضرة بمنتدى الشيخ محمد صالح باشراحيل، عن الآثار في مكة؛ خصصت للآثاري المتسعود المعروف الدكتور ناصر الحارثي، الذي استهل محاضرته بمقدمة تاريخية عن مكة؛ معتبرا أن مكة قديمة قدم الأزل، وخلقت قبل الأرض، حين كانت قشة، وخلقت منها الأرض. ثم تحدث عن أسماء مكة فقال إن لها أكثر من خمسين اسمًا ورد منها خمسة عشر في كتاب الله. وذكر أن أول ذكر لها في كتب المؤرخين كان لـ"بطليموس" في القرن الثاني قبل الميلاد باسم"ماكوربي". ثم عرج على سكنى مكة حيث يعود أول تاريخ لسكناها في عام 1950ق.م. وتم الاستيطان البشري الفعلي بوصول النبي إبراهيم إليها بعد طوفان نوح. ووقف على منشآت مكة الدينية والمدنية والعسكرية ومساجدها، ومرافقها المائية، وسدودها، وأربطتها وحاراتها، والمراحل التاريخية التي توالت عليها بشكل موجز. ثم قدم المحاضِر عرضا بصريا يعضد ما سرده في مقدمته عن أقدم وأهم الصور التي التقطت لمكة، واختصارا للوقت قدم نماذج من كل فن من فنون العمارة الإسلامية والآثار في مكة التي لم يغفل نعتها باستمرار بـ(المكرمة)، بحيث كانت المادة البصرية غنية جدًّا بمآثر المدينة المقدسة.
وتعجب الحاضرون أشد العجب: كيف لم يتم جمع هذه المآثر في متحف كبير، إن كانت موجودة بالفعل، ليكون معلماً حقيقاً من معالم أم القرى، سيَّما وقد خلص الآثاريون هكذا من دراستها الدراسة الميدانية. ولم يعد هناك حاجة لتبقى حبيسة المخازن في جامعة أم القرى وقسم الآثار والمتاحف بوزارة التربية والتعليم الذي يتبعه هذا الباحث الفذ؟؟.
أنظر الرابط التالي:
http://www.alriyadh.com/2007/04/15/article241878.html
كانت ردود الفعل لدي بعض الحاضرين وغيرهم من أساتذة الجامعات تتساءل عن الحفريات، فإذا كان عمر مكة يحدد بآلاف السنين كما ذكر الحارثي، فلماذا لايكون هناك حفريات كما هو الحال في أماكن كثيرة من العالم تقف على التاريخ الحقيقي لأم القرى بالتنقيب عنها. واكرر لماذا ؟ بل ألف لماذا ؟؟؟؟، وكانت ردود الدكتور المحاضر مراوغة كالعادة، إذ قال إن محاضرته معَدَّة لجمهور العوام، ولم يرد الغوص في التخصص، ولم يعقب على مسألة تدوين الآثار، بالرغم من إنه رجل متخصص كما يدعي، ومعظم الحاضرين من المتخصصين بالمثل أو من المهتمين بشؤون الآثار. أما عن الحفريات فقال نحن بلد ناشئة في هذا المجال ولم نصل لهذه المرحلة! من الواضح إن ردوده لا تحل ألمشكلة ولا تجيب على التساؤلات ألمشروعة في هذا المجال الحيوي والمهم لتاريخ الاسلاموية.
نحن إذن أمام مسالة في غاية الأهمية، وممَّا يثير القلق هو المحاولات الدؤوبة والمستمرة لطمس كل المواقع الأثرية (إن كانت موجودة حقيقةً) بتوسيع الحرم المكي وتوسيع المسجد النبوي، هذه التوسيعات والإضافات طَمَست عمدًا ومع سبق الإصرار كل مايمكن أن يفضح حقيقة عدم وجود اي أثر يمكن الاستدلال به والتاكد منه على وجود هذه المكة واستيطانها من قبل مجموعات بشرية في عام 1950 قبل الميلاد.
ولعلنا نلتمس عذرا لهذا المحاضر وأمثاله في خرافاتهم، حين نجد الحديث والسيرة ( النبوية ) تدعم وتؤكد هذا الخرافات:
❉ كانت الكعبة خشبة علي الماء فدحيت منها الأرض (غريب الحديث" للهروي، و"الفائق" للزمخشري)
❉ دحيت الأرض من مكة، فمدها الله تعالي من تحتها فسميت أم القري.( مسند الإمام أحمد305/4، وموارد الظمآن لابن حبان).
وفي شرح هذا الحديث يذكر المفسرون عن ابن عباس وابن قتيبة قولهما إن مكة سميت باسم "أم القري" لأن الأرض دحيت من تحتها لكونها أقدمها، ويزعمون بأن الدراسات الحديثة تؤكد ذلك التفسير وتدعمه، بحسب قول ربهم مخاطبا نبيه: {وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا} (الأنعام 92) وقوله في خطاب مشابه: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا} (الشوري 7)
وتتوالى المؤتمرات ونشر الخرافات حول مكة، ففي العام التالي (19/4/2008) عقد مؤتمر آخر حول: مكة مركز الأرض .. بين النظرية والتطبيق، تحدث فية مجموعة من علماء الدَّجل والتلفيق، يمكن قراءة مقال عنه على الرابط التالي:
http://articles.islamweb.net/media/index.php?page=article&lang=A&id=143846
من كل هذا وغيره نستطيع أن نرى وجود إصرار على منهج مسبق الإعداد والتخطيط لتكريس وجود مكة على انها أقدس المدن وأقدمها. هذا التكريس يمكن فهمه إذا عرفنا أنه كان ومازال ضروريا لتثبيت قصة ولادة نبي في هذه المدينة. وأن هذا التكريس او لنقل محاوله التكريس هذه - كانت ومازالت - ضرورية للرد على الطعن الذي يواجهه المتأسلمون منذ المرحلة التأسيسية من تاريخهم وتاريخ ديانتهم حتى اليوم.
سبق وأن ذكرت بأن القرآن وكتب السيرة والأحاديث التي وصلتنا لم يبدأ تدوينها إلاَّ في أواخر العصر الأموي وبشكل خجول وانعدام الثقة لعدم توفر الوقت والكتبة القادرين على ذلك، وكتمل التدوين في العصر العباسي الاول أي بعد 150 عام على الأقل من موت نبي الأسلمة الافتراضي، ولكن هذا الأمر استغرق قرونًا عديدة، توسعت خلالها امبراطورية البدو العربان، وأصبح لزاما عليها ايجاد تاريخ قديم لتثبيت أركانها واظهار هذا التاريخ على انه إرادة إلهية، قررها (الله) منذ بداية خلقه للكون ليكون لهم الحكم والسلطان. بحيث يكون هذا التاريخ لدي جميع المؤمنين مجال تتحرك فيه (إرادة الله) واظهار قوته وبطشه!. لقد ذكرت فيما سبق أن اللقى ألاثارية بكل أشكالها التي من شأنها إلقاء الضوء على تاريخ هذه المدينة ( مكة ) معدومة، وأن السلطات المتسعودة - المتوهبنة فعلت كل ما في وسعها لطمس ومحو تاريخ المنطقة، كيلا يعلم احد بالحقيقة المُرَّة والصادمة أو المؤلمة. إنه إذن اليقين لدين المسؤولين جميعًا، بعدم وجود أية معالم أثرية من الأساس، ولا وجود لأي استيطان مبكر بشكل ما في هذه البقعة من الأرض، والشعور الناجم عن ذلك بالخطر من اكتشاف الحقيقة التي ستكون يوما ضربة قاصمة لكل هذا التاريخ الذي بني على أسس هشة وغير حقيقية.
ولكن هل عدم وجود أدلة مادية (أركيولوجية) يعني عدم وجود مكة نهائيا؟
نفترض بداية أنها كانت موجودة فعلا، وكما وصفتها كتب التاريخ الاسلاموي الرسمي، اي أنها كانت مركزا حيويا ناشطا للتجارة الدولية ومركزا للقوافل المنطلقه الى الشام والعراق وإلى اليمن. أليس من العقل أن نتوقف قليلا هنا، لطرح الأسئلة التالية :
ماذا كان نوع ألتجارة التي كانت تمر بها ؟
هل تستطيع مدينة تقع في وادي غير ذي زرع وشحيحة في موارد الماء والغذاء، أن توفير كل الخدمات اللوجستية لايواء واستقبال ألقوافل القادمة والمغادرة؟
هل كانت خطوط التجارة تتقاطع فعلا في مكة ؟
وهل كان هناك حاجة لاستخدام الطرق البرية في تلك الحقبة الزمنية؟
الرواية الاسلاموية، كما هو معروف، قدمت لنا مكة على انها مدينة تجارية كبيرة، وكان أهلها من أهم التجار وأفضلهم في منطقة شبه الجزيرة وأن نبي الأسلمة نفسه كان تاجرًا، وأن تجارتهم كانت ذات طابع دولي (؟؟)، وأنها وصلت الى درجة كبيرة من الأهمية والازدهار في عام 571 م، مما دفع بابرهة الحبشي (الموصوم بـ"الأشرم") ان يجيش الجيوش للتخلص من منافستها وسيطرتها على التجارة وعلى الحج إلى كعبتها.
ولكن هل هناك مصادر عدا مصادر السيرة والمرويات الرسمية لتؤيد مثل هذا الحدث ؟
إن وجود أبرهة أكدته بالفعل بعض الوثائق الرومانية (البيزنطية)، التي تكلمت عن عبد مملوك لحاكم اثيوبيا تم تكليفه بحكم اليمن والسيطرة عليها لغرض إبعاد شبح تحَكُّم الفرس على خطوط الملاحة في البحر الأحمر. وتأمين الطريق التجاري المحازي لشاطئه والذي يبعد عن موقع مكة 150 كم. فاليمن بموقعها المميز، كانت ولا زالت ذات أهمية استراتيجية في الصراع بين الدول الكبرى. هذا الابرهة قاد جيشا من ثلاثة آلاف شخص (حسب الرواية الرومانية) واستطاع قمع أية معارضة له في اليمن وتأديب قبائل العربان التي كانت تهدد خطوط أمدادته او تلك التي كانت تسبب ألمشاكل بصراعاتها واقتتالها فيما بينها على طول الخطوط التجارية في الشمال. وفي نقش مجهول المصدر، حُدِّد تاريخ كتابته بحوالي عام 552م، عثر عليه قرب بئر للمياه في منطقة تقع جنوب شبه الجزيرة، تكلم كاتب النقش عن حملة جهزها أبرهة لقمع تمرد في منطقة في الشمال، تبعد حوالي 60 ميلا (حوالي 96 كم) عن الطائف وتدعى (طرابة او طربة traba). ويؤكد النقش قيام جيش أبرهة (بأمره او بقيادته) بحملة تأديبية ضد عرب معاذ أو معد، الذين كانوا يأتمرون بأمر الفرس، وكان جند الحملة من عرب كندة. الرابط أدناه يلقي بالضوء على بعض من جوانب حياة أبرهة:
http://en.wikipedia.org/wiki/Abraha
نحن إذن في مواجهة معضلة ومأزق تاريخي، فأبرهة موجود فعلا، ولكن لا ذكر لهجوم على مكة أو كعبتها، بل لاذكر لمكة نفسها، ولا ذكر للطير الأبابيل التي رمت جيشه بجارة من سجيل. قد يقول البعض بأن السبب يكمن في عدم رغبة أتباعه ومؤرخي بلاطه بذكر هزيمته. وهذا احتمال وارد، ولكن لو كان هذا هو فعلا ماحدث، لَوَجْدنا أعداءه (الفرس) قد بادروا للكتابة عن هذا الحدث وتوثيقه، بل لا نجد ذكر لهذه الحادثة عند الغساسنه في سوريا أعوان الروم أو المناذره في العراق أعوان الفرس وجميعهم من العربان، مع أن المناذرة كانت لهم بلا شك لابد وأن لديهم مصلحة بتوثيق وكتابة هزائم أعدائهم، وكان من الممكن ان يتم أعتبار هزيمة أبرهة أنتصارا لآلهتهم، فالكعبه كانت قبلتهم للحجيج كما سنعرف لاحقًا ومركزا لعبادة آلهتهم المقدسة.
فلماذا لم يرد ذكر لهذا الحدث المهم؟ وهل كان كتبة السيرة (أبن اسحاق / أبن هشام ) يألفون تلك القصص تبعًا لخيال القرآن وحده؟. أم أن للسياسة ومتطلبات الحاكم دور كبير في توجيه سياقات الباحث والكاتب؟ الأمر الذي يحدث حتى في أيامنا هذه، حتى وإن تغاضينا عن حقيقة أن القرآن نفسه قد خضع ومازال يخضع لهذا الدور ؟
ألا يؤكد هذا مقولة أن كتابة هذا التاريخ كانت خليطا من الأدب القصصي والروايات المأسطرة وغير الموثقة في اطار جو عام من الرغبة والارادة السياسية ومتطلبات مصلحة الحاكم؟
كذلك يجب ألَّا ننسى بأن تلك الكتب التي كتبت آنذاك لم تكن تُقرأ من قبل عامة الشعب، بل من الممكن القول بأن عامة الشعب لم يعرفوا عنها اي شيء، فهي قد ألفت وكتبت للحكام والنخبة من ابنائهم واتباعهم المقربين، وكانت تمثل جزءًا من إراداتهم ورغباتهم وشخصياتهم واتجاهاتهم السياسية. إلَّا أن تدوين وفرض هذه الروايات والحكايات المؤسطرة، جعل من إمكانية تطويرها وتغييرها امرا أشبه بالمستحيل، خصوصا وانها ختم بالختم الإلهي، وتمتعت مع مرور الزمن باحترام وتقديس معظم البشر، فأصبحت مثل جسم معلق في التواء وقد تجمَّد وتصلَّب في زمانه ومكانه ليشكل حجر عثرة كأداء في كتابة التاريخ، بدل من أن يكون مصدرًا له.
ولكن ماذا دفع كتبة السيرة إلى ذكر مثل هذا الحدث إن لم يكن قد حدث فعلا ؟
إن الدافع يكمن في ضروره إثبات قدسية مكة وتاكيد وجودها الازلي وأهميتها العالمية. وفاتهم أن الكعبة في ذلك الوقت كانت مركزا لعبادة الاوثان، ومع ذلك حماها الله ودافع عنها حتى وان كان المهاجم مسيحيًّا موحدًّا به. والغريب ان هذه الكعبة نفسها تعرضت للهجوم والتدمير عدة مرات من المتأسلمين أنفسهم، بل ان الحجر ألاسود قد سرق وظل بعيدًا عن موقعة لمدة عشرين عاما من قبل القرامطة، ولم يقف الله في وجه من فعل ذلك !.
إن هذه التساؤلات والكثير غيرها، لاتجد لها اجابات شافية أو ردود كافية إلا ضمن نقاشات المتدينين، التي تنطلق دائما من التسليم بصحة الموروث بشكل مطلق. ولأن الأمر برمته ليس كذلك، فلابد من ان يتم تفسير وتأؤيل تلك التناقضات اعتماداً على قراءة اخرى لهذه المرويات، ووضعها تحت مجهر العقل والمنطق.
من كتابي الجديد: الإسلام جاء من بلاد الفرس







اخر الافلام

.. الأساقفة الكاثوليك الألمان يناقشون فضائح الاعتداءات الجنسية


.. تونس: السبسي يعلن نهاية التوافق مع حركة النهضة الإسلامية


.. السلطات الإيرانية لا تأخذ على محمل الجد تبني تنظيم -الدولة ا




.. اتفاق بين الفاتيكان والصين بشأن تعيين الأساقفة


.. مصر تقاضي عددا من عناصر تنظيم الإخوان