الحوار المتمدن - موبايل



الفراغ في الشعر: مقاربة للفراغ في ديوان -سلاما وليشربوا البحار-للشاعر المغربي عبد الله راجع

أحمد القنديلي

2018 / 3 / 15
الادب والفن


الفراغ في الشعر
مقاربة للفراغ في ديوان " سلاما وليشربوا البحار" (1) للشاعر المغربي عبد الله راجع

" كل كتابة عرس، عرس للعين والأذن و الباطن..." عبد الله راجع (2)

توطئة:
يمثل الفراغ ( الصمت / البياض ) عنصرا بنيويا من عناصر الخطاب الشعري. فبدونه يصعب اكتناه شعرية الكتابة الشعرية اكتناها شاملا. إن هذه المسلمة تستبطن ضمنيا أطروحة نظرية ومنهجية مفادها أن التأويل لصيق بالقراءة. إن كل قارئ يمارس التأويل حتى وهو يرفضه." بل إن تأويل نص ما يبدأ لحظة الشروع في قراءته " (3).
إن الفراغ/ البياض/الصمت يتكلم حين يصمت الملء / السواد / الكلام. غير أنه حين يتكلم لا يتكلم، بل يوحي بالكلام فقط. وبهذا يثير عملية التخيل في كيان القارئ الضمني بناء على شروط لا يضعها الشاعر، بل يضعها النص المقروء (4) في علاقته بالقارئ ليس من حيث هو مجرد قارئ، بل من حيث هو نص، ضمن سياق القراءة من حيث هو نص أيضا (5). ولكي تتم القراءة على هذا النحو، لابد من افتراض موت الشاعر." إن القراءة تبدأ حينما يتوقف المؤلف نهائيا عن الإجابة " (6).
وفي سياقنا فإن موت الشاعر ـ الذي نرفضه في سياق ونقبله في سياق آخر ـ يسعفنا هنا في إقامة مسافة فراغ أخرى بينه وبين النص. فبقدر ما تنكتب القصيدة ينمحي الشاعر في ليلته البيضاء. وبانتهائه من كتابتها يكون قد انتهى تماما.
وبهذا فقط تنفتح القصيدة على مستقبلها (7) الذي يتحين في كل لحظة قراءة من حيث هي لحظة تأويل، ليس لما يظهره النص، بل لما يخفيه ويسكت عنه، أو تسكت عنه اللغة حين تحتمي بالإيحاء أو بالصمت. إن المرء ليشعر بالفراغ حقا حين يغيب الشاعر. ولكن ألا يعتبر الغائب حاضرا حضورا مضاعفا؟
بوفاة الشاعر المغربي عبد الله راجع يكتشف القارئ الغياب النهائي لتلك القصيدة المعجونة بالطين التي كان شاعرنا الكبير يبحث عنها بعنفه الباطني اللامحدود، وبلغته الوحشية / الأليفة، المرتكنة إلى الهامش، والمرتبطة بالعمق والمناهضة للمركز. إنها اللغة الغامضة / الواضحة، الهادئة / العنيفة، والقلقة / المنتشية.
كيف الوصول إذن إلى سر قصيدة عبد الله راجع وهي التي تقول كل شيء، ولا تقول شيئا حين تفتح أمامنا عن قصد فراغات والتواءات خطية لا متناهية؟
وعلى الرغم من احتفال الشاعر بالبياض ضمن احتفاله بالخط المغربي، (8)، فإننا لا ندعي قدرتنا على القيام بقراءة تشكيلية للبياض. وعليه، ستعتمد مقاربتنا على الوصف بغية الوصول إلى المعاني المحتملة التي تحكمها بداهة قواعد شكلية (9) يصعب تجاوزها.
إن الشاعر ـ في جميع الأحوال ـ يريد أن يقول شيئا ما. وإلا لما همَت به الكتابة وهمَ بها. وهو حين يقول قوله يلعب باللغة، ومهما أمعن في اللعب الشكلي، فانه لا يلعب بدون قواعد. إن البحث عن المعنى وعن القواعد التي تحكمه، عمل دلائلي بامتياز (10) .
تكمن قيمة الفراغ في كونه يجعلنا أمام نص مضاعف أي أمام نص يخفي نصا آخر (11). أما النص الآخر فهو الأفق المشتت الذي يحتاج إلى صياغة نسقية من قبل المتلقي من حيث هو نص منتج (بالفتح) ومنتج (بالكسر) في ذات الوقت.
وكما يقول بول إيلوار فإن " للقصائد دائما هوامش بيضاء كبيرة، هوامش من الصمت تحترق فيها الذاكرة لتعيد خلق هذيان بلا ماض." (12)
1- أيقونة الدوال المهاجــــــرة:
وعيا منه بصعوبة قراءة الفراغ من قبل المتلقي العادي والسيميائي على السواء، يهندس عبد الله راجع قصيدته " في البدء اغتاب همومي زمن القمل " بطريقة تعليمية؛ ليضع القارئ أمام بعض نقط البياض / الصمت، وليرشده كي يعلمه أبجدية قراءتها.
وهكذا يزحزح بعض الوحدات المعجمية أو التركيبية عن مواضعها.
وبالنظر إلى هذه الوحدات نلاحظ أنها تحمل جميعها دلالة الهجرة أو الخروج أو الهروب .
أ ـ غائب
ب ـ أكون الحاضر وال...

هجرتك إلي
ت ـ لتكن الآن من اللحم

ج ـ أنا الوطن الباحث عمن يعشقه من أعلى الرأس
إلى
أسفل منطقة في القدميــــــــن


خروجـــــي

د- وأشهد أن من جسدي


هـ - حتى يخرج من لحمك هذا اليدعـــــى أنت

و- عاشرت الباعة والشحاذين وعمال المينـــاء
وأسيادا
باريس .. من .ملابسهـــــم ...يبتاعـــــون ..أسيادا
( ص 109 وما بعدها من الديوان )
إن هذه الوحدات المعجمية المهاجرة إذ تهجر أمكنتها تتركها صامتة فارغة بيضاء ذا ت قابلية قصوى للتأويل. غير أن حضورها الخارجي يحيل على هذه الأمكنة ويشحنها بالدلالات المضاعفة. إن كل عملية تخيل تثيرها فراغات النص، إنما " يقوم بها القارئ بناء على شروط يضعها النص. " (13)
غير أننا إذا تأملنا مجمل هذه الوحدات المعجمية المهاجرة نلاحظ أنها تحيل على الآخر سواء كان ذاتا، وقد دخلت منطقة الغياب أو منطقة التشظي ( أ- ب – ج )، أو كان آخر/ أنتِ وقد أصر على أن يبقى آخر للذات، أو كان هو الآخر فعلا وقد أصر على أن يكون سيدا يبتاع ملابسه من باريس.
وفي جميع الأحوال يمارس البياض فعل النفي: إن كل دال مهاجر يعبر عن رغبة النص في النفي: نفي الذات عن ذاتها. ونفي آخرها عنها مادام يرغب في ذلك، ونفي الآخر باعتباره آخر فعلا.
تنفي الذات ذاتها عن ذاتها مكرهة وقد فقدت الانسجام الداخلي، وتنفي الآخر عنها لأنه يرغب في ذلك، ولأنها ترغب هي الأخرى في ذلك.
إنها إذ تمارس هذا النفي المتعدد؛ فلكي تدخل حربا ضد " الصئبان " ( ص: 117 من الديوان ).
2- أيقونــــة الالتباس:
ان الإيحاء هو الأرض الخصبة التي تنبت الالتباس. ومذ كان الشعر كان الالتباس إلى هذا الحد أو ذاك. إن الشعر شعر لأنه لا يقترن بالوضوح.
أما الشاعر، هذا الضوء البعيد، فان أهم صفة يتصف بها هي العقوق. فما أن يرضع لغة الأم حتى يبحث لنفسه عن لغة ثانية ضابطها الإيحاء الذي يقلب المعادلات اللغوية والمنطقية المتعارف عليها، يزوج المؤتلف بالمختلف، ويماهي بين النقيض والنقيض ...ولهذا يصدم القارئ الذي ينفتح بدهشة على النص ليجد نفسه مرغما على كتابته ثانية وهو يسعى إلى قراءته، إن " كل قراءة للنص كتابة له، وبقدر ما تتعدد القراءة تتعدد الكتابة " (14). غير أنه من المفيد الإشارة إلى استحالة كتابة نص ما مرة ثانية ما لم يتضمن هذا النص الجديد تجاويف قابلة للملء وهذا معناه أن قراءة النص الإبداعي من حيث هي كتابة، إنما هي في نهاية المطاف كتابة لحاشية أو أكثر من حواشيه.
في قصيدة " في البدء اغتاب همومي زمن القمل " يحضر الالتباس بين الذات والموضوع و بين خصر المرأة ورائحة الوطن.
غير أن هذا الالتباس يتحول إلى تماه بين المرأة والوطن، وبين الجنس والحياة. (15) ولكن المفارقة المأساوية تكمن في أن هذا الوطن ـ العزيز معزة لا توصف ـ يحكمه زمن القمّل المقيت. هكذا يصبح العشق منكسرا، مشوبا بالإحساس بالقرف. فكيف يمكن إذن للعشق أن يكبر في وطن يتحول إلى فضاء للعذاب في صورته القصوى:
أصابع تومئ من خلل القضبان
سعال مسكون بالدم
(ص:128 من الديوان)
إن الشاعر يعيش في عالم ملتبس، يعجز عن الكلام وعن الفعل. ولذلك يتحول إلى بياض. وفي هذا البياض يقيم حزنه الأقصى:





تقول امرأتي: حزنك أكبر من نزل






(ص:113 من الديوان)
وفي حضور خطاب المرأة هذا، تتكون مسافة فراغ مأساوية هائلة بين المتكلم والمخاطب. إن الخطاب هنا ذاتي في صيغة موضوعية أو إنشائي في صيغة خبرية. وهذا معناه أن الذات التي تتحدث لا تتحدث عن الموضوع، بل عن ذاتها من حيث هي الموضوع ذاته. وما تتحدث به يجعل العالم فاقدا لكل معنى، يملأ الفراغ فضاءه، ويمتلئ هذا الفراغ المطلق بالجنون...
وفي قصيدة " نهايات الزمن الجاهلي " يحضر الالتباس من خلال العجائبي:
" فما أغرب ما تبصره العينان
شجرا يتحرك بالأذرع والسيقان
أمواجا تطلع من صدأ القصدير، وقافلة
من طير أبابيل تفاوض سرا أفيال الأحباش
تقدم يا زمن البعثة، كن بردا وسلاما
إنا ندخل باسمك مملكة المغضوب عليهم
ندخل تاريخ الطقس الفاتر
مضطهدين، ومكبوتين ومتسعي فتحات الشرج
وندخله بالرأس المرفوع، تقدم
كن عرسا في العين
حرفا يملأ مابين الفكين
يكفينا أن الأشجار تطول إذا انبطحت منها
الأغصان.
(ص 20 من الديوان )
في هذا المقطع الشعري يبني الاختلاف المعنى. ومؤكد أنه "حيث ينعدم الاختلاف ينتفي المعنى" (16). إن الشاعر وهو يتكلم يوهم بواقعية المجازي الذي يصوغه:
" فما أغرب ما تبصره العينان "
وبهذا يبطل فاعلية المجاز فيما يضاعفه حين يدخله مجال الغرائبي. هكذا يبدو العالم غريبا عجيبا يثير فزعا مركبا:
- الأول فزع جميل بسبب طبيعته المعجزة: يتحرك الشجر بأذرع وسيقان، وتطلع الأمواج من صدأ القصدير فاتحة الزمن على الآتي.
- الثاني فزع بشع يقلب كل شيء إيجابي إلى ضده. وقد شخص الشاعر هذا الفزع بأسلوب ملتبس من خلال ممارسة تناص خاص مع النص القرآني (17). إن المعجز الذي ينطق به النص القرآني في هذه السورة ( طير أبابيل ) يتحين في فضاء القصدير فيتحول إلى ضده. وعوض أن تدك حجارة السجيل أفيال الأحباش دكا، توهم طيور أبابيل الأفيال برمي الحجر، لكنها تفاوضها سرا.
هكذا يقوم التناص بلي ذراع النص الأصلي. وبهذه العملية يتم " إبطال" مفعول المجاز: تتصل الأشجار بذواتها الأصلية، وترتد الأمواج إلى مجالها الأصلي / البحر. ويرتد المتخيل إلى واقع ممعن في النثرية. وبهذا الانقلاب تستقيم أمور أفيال الأحباش، فتتسع أشراج المغضوب عليهم.
إن الالتباس جوهر العجائبي. إنه يفضي بنا إلى الجنون، وخصوصا حين نجهل طبيعة الأشياء المدركة. بيد أن القسط الضئيل مما ندركه يفضي بنا ـ في هذه الحالة ـ إلى الإحساس بالقرف. أي قرف إذن أقسى وأقصى من اتساع فتحات الشرج فوق قارورة منكسرة صدئة؟
3- أيقونة الرموز المظلمـــــة :
" إن الرمز موضوع يشير إلى موضوع آخر، لكن فيه ما يؤهله لأن يتطلب الانتباه إليه لذاته كشيء معروض." (18) إن هذا الوجه الزئبقي للرمز يجعل حضوره ملتبسا بالغياب، ولذلك يسكن البؤر الأكثر بياضا في الخطاب. كثيرة هي الرموز التي يحبل بها ديوان عبد الله راجع. ومن المفيد تخصيص دراسة مستفيضة لها. غير أننا سنكتفي هنا بمقاربة شكل ودلالة حضور رمز البحر في قصيدة " جغرافية الفيضانات العليا ".
يهندس البحر فضاء هذه القصيدة، بحيث لا يكاد يغيب عن أي سطر من أسطرها. وبحضوره الرمزي المتعدد الإيحاءات يسكن البحر الفضاء الأبيض للنص، ينفي الفضاء الأسود بصورة شبه مطلقة؛ الشيء الذي يؤدي إلى خلخلة السيرورة المنسجمة لسياق القصيدة (19) .
في بداية القصيدة :
" وطيور البحر تسافر أو تلهو
جارحة نكهة مسك الليـــــل.." ( ص: 58 من الديوان )
يحضر البحر هنا بحرا، وبذلك يوهم المتلقي وكأنه سيشكل البنية الموضوعاتية للنص، غير أنه لا يلبث أن يهرب؛ ليسكن بحمولاته الرمزية أفق النص:
يا بحرا يستوطنه محبوبي
ويهاجر في لحمي
ويصادرني ليلا ( ص: 58 من الديوان )
يتحول البحر هنا إلى فضاء للمحبوب، يتحول ماؤه إلى ما يشبه الدم، فيهاجر في لحم المرسل ليبث دبيب الحياة فيه، لكنه لا يلبث أن يتحول إلى طرف يصادر صاحبه، ويلقي به في غيابات جب لا قرار لها.
إلى هذا الحد لا يبتعد البحر الثاني عن البحر الأول إلا قليلا. وبقدر ما نستمر في قراءة النص / البحر نستمر في الغوص فيه، ومعرفة حقيقته:
أنتِ البحر وأنتِ كتابته حين على الرمل يجر خطاه
وأنتِ طريقي عبر المرتفعات الوحشية
(ص:61 من الديوان)
تتحول المحبوبة هنا إلى بحر، ويتحول البحر إلى حبر للكتابة، وتتحول المحبوبة إلى كتابة.
هكذا نصبح أمام ذات هي الكاتبة والحبر والكتابة. إنها ذات مطلقة هي عين صفاتها وأفعالها. إذا أرادت للكينونة أن تكون كانت، وإلا فليس ثمة سوى العدم.
غير أن البحر هنا، وفي مواقع أخرى كثيرة من النص ليس إلا قناعا لبحر آخر يسكن المواقع الأشد بياضا.
أنتِ بدايات الموت على حشد نبوءات
تترجل في حضرة بحر لا يعرف للصمت مذاقا
تترجل عارية الأقدام
كأنثى اختيرت للبحر المزهو بشاربه، أنتِ
(ص 65 من الديوان)
العري هنا في غاية التحديد، إنه جزئي. وما أقسى الجزئي! إنه السواد الضيق المفتوح على بياض لا حد له.
يمكن اعتبار هذه المتوالية مجازا مرسلا، غير أنها في ذات الوقت كناية عن شهوة مشتعلة بقدر ما تسكن عارية الأقدام تسكن البحر المزهو بشاربه في ذات الوقت.
وأن يجعل الشاعر للبحر شاربا، وأن يجعل البحر مزهوا بشاربه، فهذا معناه أننا أمام بحر مؤنسن من أنصع صفاته الجموح الذي لا حد له.
غير أن هذا البحر المنتشي إلى حد الهذيان لا يحقق انتشاءه الأبهى إلا إذا تم عصره (ص: 62 من الديوان )، أو إحراقه (ص 68 )، أو إذا تم تقطيعه أشلاء في فضاء المجزرة. (ص 66)
وإذا كان الشعر في جوهره تشفيرا، فكيف نفك شفرة البحر التي ما فتئت حتى الآن تحتل منطقة بيضاء ما في جسد النص من حيث هو جسد الشاعر؟
لكِ الليل فانزلقي فيه مثل اشتهاء عميق، لك البحر
دسي جبينك في صدره مثل قوقعة أنكرتها
الصخور
يمينا إذا فتح البحر أبوابه وامتطى صهوة المجزرة
(ص:67 من الديوان)
إن الشاعر لا يأمر، بل يتوسل مخاطبته لكي تنزلق انزلاق قوقعة ملساء لزجة ليلا؛ لتدس جبينها في صدر البحر، لا سيما وأن هذا البحر فتح أبوابه وامتطى صهوة المجزرة .
الصدر في اللغة مقدم كل شيء، وصدر القوم رئيسهم، والقلب صدر لحلوله به، وذات الصدور أسرار النفوس وخباياها. والصدر الانصراف عن الماء. (20)
إن الشاعر يتوسل لأنه أكره على ذلك من قبل بحره الذي يرأسه ويأمره في صمت. ولهذا البحر أسراره التي لا يعلمها أحد سواه. إن الخطاب هنا خطاب للبحر الذي لا يتكلم، يتكلم النص مكانه كي يشفي غليله، أو لنقل للدقة يتكلم الهو مكانه ـ كما يقول لا كان ـ لا سيما وأنه مبعد عن الماء، ويعاني من العطش إلى درجة العجز عن الكلام.
إن صدر البحر هو تلك القوقعة ذاتها، تبحث عمن يعصرها حتى يقفز من بين شقوقها زبد الشوق. ( ص: 62 من الديوان )
وإذا كانت القراءة حلا للتشفير، فإننا لم نعمل حتى الآن إلا على تشفير المشفر. ولكن التشفير لا يمكن أن يتم بطرائق " مضبوطة " إلا على صعيد شكل المحتوى. أما على صعيد المحتوى فإن أي حل لشفراته لا يمكن أن يكون إلا تأويلا مبتذلا يتعامل مع الرمز وكأنه لغز. ولكن هذه القراءة موجودة وجودا كامنا لدى كل متلق يبحث عن المحتوى. إن الرمز في نهاية التحليل يرتد إلى ذاته.
إن لغة الاحتقان هي المهيمنة في هذه القصيدة. تستمر في الحضور الى تخوم الجملة الأخيرة؛ الشـيء الذي يعني انفصال الشاعر عن كل شيء بما في ذلك ذاته:
هنا الموت، كل اشتهاء له وجهتان، التمزق والمقصلة
هنا الموت، أرسم حول انكساري سياجا
تكشف عن سرها المرحلة.
(ص: 76 من الديوان )

أما الكتابة فتبقى وحدها همزة الوصل الوحيدة بين الشاعر وذاته والعالم. إنها الحلم الوحيد الذي يتصالح فيه الكائن مع الممكن والمستحيل.
هذا حلم لم تحلمه قصيدة
...
حلم وسأحمله من أجلكِ حتى تبزغ من
مغربها الشمس .

4- أيقونــــــة الخط الملتــــــوي:
لا نستطيع الحديث عن الخط أكثر ممن نظّروا له، وكتبوا به نصوصهم. (21) ولكننا سنكتفي بمقاربة بعض أشكال حضوره، وعلاقة هذه الأشكال بالفراغ. لقد جعلت القصيدة الحداثية المكان بعدا مهيمنا من أبعادها، ولكنها لم تلغ الزمان بل جعلت المكان تجسيدا فعليا له (22). ولو حدث أن فكرت في إلغاء الزمان لألغت ذاتها. لقد كان شاعر القصيدة العمودية يخاف الموت، ولذلك أولى الاعتبار للبعد الزماني كي يستمر صوتا حيا باستمرار.
في قصيدته " جغرافية الفيضانات العليا " يقف عبد الله راجع عاجزا عن الكتابة. يشله الأسود مادام سيحمل دلالة لا تسمو إلى تلك التي يسعى إلى كتابتها. وفي حضور هذا التناقض المأساوي بين الأبيض والأسود، بين الفراغ والملء، وبين الصمت والكلام... يقتحم الشاعر البياض مغامرا برسم مثلث مقلوب يختزل الدلالة الكلية التي تريد القصيدة التعبير عنها.




هكذا تستقيم الأمور
( ص:66 من الديوان )
وفي القصيدة ذاتها يكتشف الشاعر ـ وقد أعياه السير دون أن يتمكن من الوصول إلى المرتفعات الوحشية ـ أن حركته دائرية. و هكذا يضطر إلى ولوج الزمن الأسطوري (23)؛ ليكتب مقطعا شعريا دلالته الجوهرية هي الدوران بخطوط حلزونية ترسم في نهاية المطاف صورة للقوقعة من حيث هي التشفير المشفر لشفرة البحر كما رأينا.
وهذه القوقعة ذاتها هي التي يرسم الخط الملتوي مجددا ثلاثا منها (ص: 74- 75 من الديوان ) اثنتان منها متساويتان موصولتان بخط أفقي، والثالثة أكبر منهما متجهة بعيدا، ومتصلة بها بخط مائل وملتو إلى الأسفل، آخر كلمة فيه هي " الخلايا ".
إن هذه القوقعات الثلاث هي المعادل الرمزي لرمز البحر المزهو بشاربه. إنه البحر/ العضو المقيم في منطقة ما من جسد الشاعر وقد تحول إلى فضاء الورق العاري، وتهندس هندسة إيروسية دالة.
وفي قصيدة " سلاما وليشربوا البحار" يستمر الأسود في فضح الهموم، بدءا من الخاص إلى العام، ومن القومي إلى الوطني إلى الإنساني. وفجأة يعجز الأسود عن الحديث عن الشروخ العميقة التي أحدثتها هزات نوعية في جيلنا. وهنا يتدخل الأبيض فاتحا المجال لالتواءات الخط كي يعبر بهندسته الخاصة عن هذا الجيل وقد شتته ووزعته النكبات والهزائم، فانقسم على نفسه إلى ثلاثة أضلاع:




اقتادوك تحركنا نحوك جيلا بثلاثة أضلاع
(0)




(1)




(2) (3)


( 0) ( 3)



يتجه الخط الحامل للجملة الشعرية "جيلا يطلع من أمعاء المحنة" عموديا من الأسفل إلى الأعلى. وهو امتداد للخط الأفقي الأعلى الحامل للجملة الشعرية "اقتادوك تحركنا نحوك جيلا بثلاثة أضلاع". ويمكن اعتبار الخطين معا أصلا للأضلاع الثلاثة التي تتمحور حولها الدلالة.
أما الضلع الحامل للجملة الشعرية "من منا يصعد نحو السماوات السبع" فيتجه نحو الأعلى متسلقا فضاء لانهاية له. أما الثاني الحامل للجملة الشعرية "ومنا من آثر أن ينجو بالجلد" فيتموضع يمينا متجها نحو نهايته العدمية التي يمثلها الفراغ الذي يتوسط الأضلاع جميعها. أما الضلع الحامل للجملة الشعرية "ومنا من يطلع كي يبصر أكثر" فيتجه نحو اليسار وقد امتلك الرؤية، ثم ينحدر إلى العمق وقد امتلك الرؤيا، وغدا قادرا على اختراق الكائن و الممكن والمستحيل.
ولهذا يقتادونه إلى الغرف السوداء التي لا يلبث أن يحولها إلى كتاب أبيض لا يقرؤه إلا من امتلك الرؤيا. أما الآخرون فلا يستطيعون بداهة قراءة شيء. وإذا ما حاولوا ماتوا." فالكتاب الحقيقي يرتبط ببياض الكفن. " (24)
إن القراءة البصرية للخط والتواءاته، تمكننا من اقتحام المتخيل الشعري بغض النظر عما يقوله الأسود. غير أن لهذا الأخير سلطة التوجيه التي تحول دون تسيب التأويل.
4 ـ أيقونـــــة البشــــــــــع:
مع الرمزية والسريالية انتفى التناقض لذي كان يحكم طرفي الثنائيات الضدية، وعلى رأسها ثنائية الجميل / البشع ( 25). و مؤكد أن كل خضوع للثنائيات الضدية يستبطن قناعة فلسفية تتصور الأشياء تصورا أخلاقيا اعتمادا على معياري الإيجاب والسلب. وقد رسخت الكلاسيكية هذا المنطق، وحاولت الرومانسية تجاوزه فأعادت إنتاجه بصورة أخرى اعتمادا على سلطة الذات.
غير أن " البشع " الذي احتفل به الشاعر الرمزي بدءا من الشاعر الفرنسي شارل بودلير كان" في أساسه موقفا سلبيا من عالم مبتذل" (26). وعلى الرغم من موقف عبد الله راجع السلبي من المدرسة السريالية التي"سقطت في الهلوسات بتغليبها جانب التصورات الذاتية على حساب الآخر... " (27) فانه لا ينفي في ذات الوقت استلهام .." ما يمكن أن تتضمنه شكليا من إيجابيات ". (28)
ومؤكد أن هذا الشكل من التناص الذي يقيمه الشاعر معها يفرغها من محتواها المذهبي، ويحولها إلى حالة يمكن عيشها كلما بدا الواقع سرياليا أمام الشاعر، أو كلما أرادت رؤيته الشعرية أن تكون كذلك .
لاشيء يسعف عبد الله راجع في كتابة القصيدة غير القرف. وفي حضور هذا القرف يتجه الشاعر نحو صياغة الصورة الشعرية بخيال بكر يشكّله البشع المدهش في قالب ساخر. إن التهكم يصدر " عن نزعة داخلية في رفض الواقع والازدراء به، والتنكر للأعراف والتقاليد التي يخضع الناس رقابهم لها حين يخضعون له. " (29)
في قصيدة نهايات الزمن الجاهلي:
" حتى ينزح من أرشيف القهر صعاليك الزمن الأعرج
يأتون زرافات بالرأس المشروخ
والجسد الطافح بالأورام "
(ص:13 من الديوان)
يمتح الشاعر معجمه البشع "القهر، الصعاليك، الرأس المشروخ، الجسد الطافح بالأورام" من هوامش مختلفة: الهامش الاجتماعي، الهامش القبلي، العنف السياسي... ولكنه يحوله جذريا من دلالته تلك إلى دلالة نموذجية في الإيجاب.
وبتحويله هذا يتحول الجمع / الصعاليك إلى مفرد / " الرأس المشروخ، الجسد الطافح بالأورام " ينكل به في أقبية الموت لكنه يشمخ في عذابه راسما صورة لقديس له القدرة على استعادة الحالة النموذجية في الاستواء لكل شيء.
يستمد المعجم الشعري عند عبد الله راجع غناه من تعدد مراجعه التي يجمع بينها انتماؤها إلى الهامشي أو البشع أو المقلوب أو المنحط.
غير أن لغته الشعرية حين تبني هذا المعجم ترجعه إلى درجة الصفر، تحرره من مدلولاته المتعارف عليها، وتمنحه مدلولات جديدة تصل الى درجة اللامعنى؛ الشيء الذي يطبعها بطابع عجائبي ساخر ومستفز، بقدر ما يبعث على الضحك يبعث في ذات الوقت على القرف. وهذا ما يجعل بناء لغته الشعرية يتأسس على الاختلاف ويقود إليه.
إن المختلف في شعر عبد الله راجع تيمة وأفق. وبين التيمة والأفق يسكن المسكوت عنه / البياض (30).
لم تخلق بعد اللغة المعجونة بالطين
اللغة المسكونة بالحيوان المنوي
وآه يا مراكش
لغة أنت ولا تحملها الألفاظ المخـ
تومة بالشمع، تجيئين صهيلا
وسعالا يسكنه التبغ
تجيئين حروفا.
(ص:28 من الديوان)
إن البياض الذي يملأ كيان الشاعر يدفعه إلى العدم، يبحث عن الكتابة من أجل تحقيق الكينونة، فلا يجد غير السراب. وأمام هذا البياض المركب الفاقئ للأعين يبحث عن لغة أخرى لم تخلق بعد: لغة معجونة بالطين ويسكنها الحيوان المنوي، لغة حية لها القدرة على التلفظ بالأسماء (31) أي على قول ذاتها. لكن هذه اللغة تسكن في الآه ".. وآه يا مراكش .. " المحشوة بالصمت.
إن الشاعر يرغب في الوقوف جسدا متكاملا أمام جسد مراكش النابض باللغة؛ لكي يجد نفسه أمام اللغة البكر الأولى" الألفاظ المختومة بالشمع "، لكنه يجد نفسه أمام جسد ينطق لغة عمياء لا تقول ذاتها بقدر ما توحي بالحروف التي تحتاج إلى من يركبها، وبالصهيل الذي يحتاج إلى أحصنة، وبالسعال الذي يسكنه التبغ، ويؤدي إلى الانهيار.
يبحث عن مراكش / الفعل فلا يجد غير مراكش / القوة، وبين القوة والفعل مسافة بياض مأساوية لا تملؤها إلا لغة هيولية لم تعجن بعد بالطين. يكتبها الشاعر على مضض في انتظار القصيدة التي لم تكتب بعد .




















الهوامش

(1) ديوان " سلاما وليشربوا البحار ": عبد الله راجع سلسلة الثقافة الجديدة، مطبعة الأندلس سنة 1981.
(2) الجنون المعقلن، مقال لعبد الله راجع ضمن مجلة "الثقافة الجديدة ". عدد 19، سنة: 1981 ص: 56.
(3) سيمولوجية القراءة: ميشال أوتن. ضمن كتاب " نظريات القراءة " ترجمة عبد الرحمان بوعلي. دار نشر الجسور، وجدة سنة: 1995، ص: 57.
(4) انظر مقال: " بين النص والقارئ " وولف غانغ إيزر، ترجمة الجيلالي الكدية، مجلة دراسات سيمياسية ع: 7 سنة: 1992 ص: 14.
(5) انظر كتاب " نظريات القراءة ( من البنيوية الى جمالية التلقي ) مرجع سابق، ص: 58 وما بعدها.
(6) موت المؤلف :نقد وحقيقة، رولان بارت. ترجمة منذر عياش. دار الأرض، الرياض ط: 1 سنة: 1413 ص: 38.
(7) نفسه، ص: 20.
(8) الجنون المعقلن: عبد الله راجع – مرجع سابق
(9) حاول محمد بنيس القيام بهذه القراءة ولكنه أكد في النهاية أن دراسته اقتصرت على الالتفات للموضوع نظرا لجدة البحث فيه. انظر كتاب "ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب: مقاربة بنيوية تكوينية" دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، المركز الثقافي العربي البيضاء. ط 2 سنة: 1985 ص: 97 وما بعدها.
(10) انظر مقال " التحليل السيميوتيقي للنصوص: جماعة انتروفيون. تعريب محمد السرغيني. مجلة" دراسات أدبية ولسانية" ع: 2 سنة: 1986 ص: 24.
(11) نظريات التلقي: فرانك شويروجين ضمن كتاب نظريات القراءة. مرجع سابق.
(12) بول ايلوار: عن كتاب ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب. م.س
(13) بين النص والقارئ: وولف غانغ إيزر مجلة "دراسات سيميائية" ع: 7 مرجع سابق.
(14) ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب، م.س
(15) ديوان عبد الله راجع ص: 109 م.س
(16) التحليل السييوتيقي للنصوص، م.س
(17) انظر سورة الفيل .
(18) جمالية الرمز في الشعر العربي الحديث. د سعد الدين كليب مجلة "الوحدة" ع: 82/83 سنة: 1991 ص: 38-39.
(19) نظريات القراءة م.س ص 77 وما بعدها.
(20) المعجم الوسيط، ص: 509-510 الجزء الأول دار الفكر.د ت
(21) انظر مقاليْ " الجنون المعقلن " / عبد الله راجع، و بيان الكتابة / محمد بنيس. مجلة "الثقافة الجديدة" ع: 19، سنة: 1981، ص: 56-99 و ص : 34-55.
(22) محمد المهدي المقدود "في تكوين شعرية النص بين المكتوب والمنطوق" مجلة "الوحدة" ع: 83-83 ص: 101.
(23)
(24) العين والابرة: عبد الفتاح كليطو، ترجمة مصطفى النحال، نشر الفنك،سنة:1996، ص: 54.
(25) " ما هو الجميل ؟ ما هو القبيح ؟ إنني لا أعرف!" كتاب " الرمزية والسريالية في الشعر الغربي والعربي " ايليا الحاوي. دار الثقافة، بيروت سنة: 1980 ص: 209.
(26) – جمالية الرمز الفني في الشعر العربي الحديث: سعد الدين كليب مجلة "الوحدة" ع: 82-83 ص: 38.
(27) الجنون المعقلن: عبد الله راجع م. س، ص: 59
(28) نفسه، ص: 59.
(29) الرمزية والسريالية، م.س، ص: 226.
(30) بالمعنى الذي يعطيه لهما فولفغانغ إيزر: نظريات القراءة م.س
(31) يتفاعل الشاعر نصيا هنا مع النص القرآني. انظر سورة البقرة الآيات 30-32.







اخر الافلام

.. هل يصبح ممثل كوميدي شهير رئيس أوكرانيا المقبل؟ | عينٌ على أو


.. إطلالة مميزة لآسر ياسين وزوجته..ومحمود حميدة يخطف الأنظار في


.. «الأسود يليق بكِ».. أمينة خليل وبشرى وياسمين الهواري في ختام




.. بتحلى الحياة – الموسيقي زياد نعمة


.. نقيب الفنانين التشكيليين يناقش التعديلات الدستورية في البرلم