الحوار المتمدن - موبايل



سكيتربوليس الرومانية، بيسان الفلسطينية، بيت شان الإسرائيلية والذاكرة فلسطينية!!

نبيل عودة

2018 / 3 / 17
القضية الفلسطينية


سكيتربوليس الرومانية، بيسان الفلسطينية، بيت شان الإسرائيلية
والذاكرة فلسطينية!!
*اذهب والتقِ هؤلاء الناس، تجتاحني رغبة جنونية لأعرف ماذا يقولون، وكيف يشعرون،
وبماذا يفكرون؟ وهل أستطيع أن أكون مطمئنة من أن الذي قتلني وورثني، لا يكرهني؟*

بقلم: نبيل عودة

الكتاب: " يمشون على الريح – او هي عودة الى بيسان"
الكاتب: سلمان ناطور
اصدار: إصدار "مركز يافا للأبحاث" – الناصرة
******
الكاتب سلمان ناطور، من أبرز أدباء الكتابة التوثيقية بما فيها التحقيقات الصحفية التاريخية، في الأدب العربي داخل اسرائيل. وما زلت أرى ان أبرز تحقيقاته التوثيقية هو ما كتبه عن المجازر التي ارتكبت في عشرات البلدات العربية الفلسطينية في حرب عام 1948، واقامة دولة اسرائيل، وأعتقد انها من أجمل وأبرز أعماله (كتاب "ما نسينا").
كذلك عرفناه كاتبًا قصصيًا ومترجمًأ!
في كتابه "يمشون على الريح" أو "هي عودة الى بيسان" يعيدنا سلمان الى رحم المأساة من زاوية غير متوقعة.
الكتاب صدر قبل عدة سنوات، لكن السنين لم تفقده حرارته، واليوم عندما أعيد قراءته من جديد، أعيش مرة أخرى أجواء النكبة، ولكن من زاوية غير متوقعة .. ينجح سلمان في تجسيمها أمامنا، عبر مأساة شخصية لفلسطينية تحلم بالوطن، الذي لا تعرف من تفاصيله غير الانتماء والألم والحب الذي لا ينتهي، وأمنية ان تصبح جزءا من ترابه وأشجاره وسمائه. بعيدا عن الكراهية للآخر .. الذي يحتل بيتها وأحلامها.
الكتاب مقسم الى عشرة مقاطع – روافد، تلتقي في مصب واحد، اسمه بيسان، تلك المدينة المرهقة من كثرة مغتصبيها عبر التاريخ، وخاصة أشرسهم، الذي يحاول ان يزور تاريخها وانتمائها، ويمحو من ذاكرتنا الجماعية مكانتها. انها بيسان التي يربو عمرها على ستة آلاف عام. والتي خلدتها فيروز في أغنية تخترق اعماق الذاكرة وتجعلها نابضة بالحياة .. وتجعل من مأساتها، تجسيما لإحدى أكبر جرائم التاريخ. جريمة تشريد شعب عن أرضه وتنفيذ عمليات تطهير عرقي ضد أبنائه، دون ان ينتفض العالم قلقا ودفاعا عن حق الانسان بأرضه وبيته وسمائه ووطنه .. خاصة بعد التجربة المؤلمة التي مرت بها الشعوب الأوروبية والشعب اليهودي على يد النازية الألمانية.
أحيانًا تبرز بيسان باسمها الروماني "سكيتربوليس" وأحيانًا باسمها الفلسطيني "بيسان" وأحيانًا باسمها الجديد – العبري "بيت شان" ... واختلاف التسمية لم يكن صدفة، انما لنقل الواقع والموقف والتغيير الحاصل...
تبدأ الحكاية من باريس وروما... حيثُ التقى سلمان ناطور بشاعرة ورسامة فلسطينية، اسمها فدوى حبيب.
والفنانة فدوى في العقد السادس من عمرها، والأصل من بيسان، هربت مع أهلها من الموت المباشر، الى الموت البطيء في عواصم رمادية، بلا هوية وبلا كيان تنتسب اليه، وعبر تدفق كلمات مونولوج مأساتها الخاصة، يتجدد في نفوسنا ما بدأ يتلاشى في الذاكرة، ترجع لمخيلتنا المأساة بوحشيتها، تتجسد النكبة بعمقها اللاإنساني، نلمس معاني التشرد والشوق للوطن المفقود، وتبقى مسألة غير مستوعبة، أصعب من ان يهضمها العقل... حقيقة الانسان بلا وطن، بلا ملاعب الطفولة، بلا ذكريات .. ربما نتخيل معنى ذلك، ولكننا لن نفهم صعوبة هذه المعاناة ووحشيتها المجسمة بالضياع في متاهات لا تنتهي... كما يعيشها ابناء شعبنا، المحرومون من وطنهم وذكرياتهم وتواصلهم مع تاريخهم وأرضهم.
سلمان يعيدنا عبر فدوى، عقودا عدة الى الوراء، الى بيسان المدينة التي تحمل عبق التاريخ بامتداداته الكونية، وتتحول بيسان، بيسان الفلسطينية الفيروزية، الى محور لهذا الكتاب، الى ملتقى المصائب... ملتقى الأحزان، يتركنا سلمان، ربما بقصد... نكتشف عمق الجريمة التي ترتكب، والاغتصاب المتواصل لتاريخنا وانسانيتنا وذاكرتنا وكرامتنا.
فدوى تزوجت من مغربي، والده كان شريكًا لتاجر يهودي، أولاد اليهودي غادروا المغرب الى اسرائيل، ربما يسكنون في بيت فدوى، في بيسان. تقول فدوى لسلمان:
- اذهب والتقِ هؤلاء الناس، تجتاحني رغبة جنونية لأعرف ماذا يقولون، وكيف يشعرون، وبماذا يفكرون؟ وهل أستطيع أن أكون مطمئنة من أن الذي قتلني وورثني، لا يكرهني؟
هل هناك انسانية أعمق وأكبر من انسانية فلسطينية صودرت أحلامها، ونكبت بوطنها، ويقلقها ان لا يكرهها قاتلها ومغتصب ملاعب صباها؟
وها هو سلمان ينفذ رغبتها، يتجول في بيسان، ويحاول أن يدمج بين الماضي والحاضر.
المقطع الثاني يتحدث عن الشاعر العبري الإنساني "عمانوئيل بن سابو" الذي اشتهر بقصائده الاحتجاجية ضد الاحتلال ونشاطه في دعم الحقوق الفلسطينية، وكان ينشر قصائده في صحف عبرية، ويوقعها باسم "خميس توتنجي"، وهو اسم سائق تكسي فلسطيني قتله متطرفون يهود عام 1985 قرب مفرق "معليه ادوميم" انتقامًا لمقتل سائق تكسي يهودي.
سابو نشأ نشأة دينية، وتربى تربية صهيونية، بكل ما يحمله هذا التعبير من معنى، ساهم مع "تساحي هنجبي" وأمثاله بمحاولة "إنقاذ" أرض إسرائيل الكبرى، ورفض الانسحاب من سيناء المصرية في وقته، ونشر سابو ديوان شعره الأول عام 1982، وكان ديوانًا يطفح بالقصائد الشوفينية المتطرفة، ولكنه سرعان ما اكتشف ضلاله وأنقذ إنسانيته، ورفض النهج الشوفيني، نهج غوش إيمونيم وارض اسرائيل الكاملة وسائر الفاشيين الغلاة، وانحاز الى جانب الانسان، الى جانب الحق، الى جانب السلام والمساواة والعدل. الى جانب الحقوق المشروعة والانسانية للشعب الفلسطيني.
يجمع سلمان بين مصائر الناس، يدفع سابو للقاء عائلة خميس المقدسية، عائلة سائق تكسي قتله المستوطنون الفاشيون، وينقل نتائج اللقاء... ربما هي صورة صغيرة لضرورة اللقاء بين الشعبين، وليسَ بين أفراد فقط، انها شهادة على طيبة الإنسان، بغض النظر عن انتمائه الاثني أو الديني .. إذا ما عاد الى انسانيته.
ومع ذلك لي بعض الملاحظات... صحيح انني أتحدث عن مأساة قديمة، ولكن التاريخ لا ينسى ولا يهمل المآسي ما دامة مسببها قائما ونعيش نتائجها كل يوم بل كل لحظة، ويواصل المغتصب كل يوم ارتكاب ما هو أكثر بشاعة، وأكثر وحشية بحق شعب سائق التكسي وصاحب ارض بيسان.. وربما هذا ما دفعني لإعادة صياغة ما سجلته في دفاتري عن كتاب سلمان ناطور "يمشون على الريح ".. ونشره في الشبكة العنكبوتية، للمعرفة والتوثيق بنفس الوقت .. لأننا نعيش كل يوم فصلا جديدا، وعلينا ان نبقى على صحوة .. ان لا نفقد انسانيتنا، لأنها أقوى سلاح نملكه ... وآمل ان يتمسك شعبنا بهذا السلاح الذي لا يهزم ..
ومع ذلك لا بد من ملاحظات للنقاش ... وللتفكير من جديد.
في كتابة يضعنا سلمان ناطور أمام اناس لا نلقاهم كثيرًا في الواقع الإسرائيلي، بحيثُ يجعلك تتوهم أن المشكلة القومية، مشكلة النزاع العربي الإسرائيلي، في طريقها الى الحل، فهم ضد الاحتلال، وضد حكم شعب بالقوة، ضد اضطهاده ومعاملته القاسية. يريدون حياة هانئة، بسلام، بلا وجع رأس، بلا خوف وبلا كراهية .. وهذا ما يجعلني أتساءل، هل حقًا الصورة زاهية بهذا الشكل؟! لا أنكر وجود قوى سلام متعقلة، بل وقوى يمينية متعقلة نسبيا، ولكني لا أستطيع ان أفهم أن يبرز الكاتب، هذه القوى، بحيثُ تحتل معظم مساحة الكتاب وجوه، تاركًا للنهج الرسمي والفاشي الحواشي... أو الحضور الملطف، مما يتناقض مع الواقع الذي نحياه...
الملاحظة الأخرى:
سلمان ناطور في عرضه لشخصياته كان مثاليًا تمامًا، ربما من منطلقاته الشخصية الفكرية ... بحيثُ أعطى الطيبة حدودًا مغرقة بالمثالية، الذي يقرأ عن يوسي ويوني ورضوان والبرت وأحمد .. يشك انه موجود في الجنة، حيثُ تجري انهار من الخمر والعسل، وعشرات الحوريات، يتجولن بين المحظوظين عند ربهم، ولسنا في إسرائيل، أو بيت شان بالتحديد، بيسان المغتصبة .. فكل شيء ملطف... المشاكل العرقية غير ملموسة، المشاكل القومية في خبر كان ... والعنصرية والشوفينّية أوهام فلسطينية ربما، الاستغلال غير ملموس، بكلمة من الرابي يستجيب المقاول ويدفع اجرة العامل العربي " !! "...
صحيح اننا انسانيون ومسالمون، ونناضل بالوسائل المشروعة، التي يسمح لنا بها مضطهدونا... لنيل حقوقنا... ولا نكره الشعب الآخر، ونعتقد أنه مضلل من قيادته، التي تلقي به وبنا في مهاوي الردى، ومع ذلك يجب ألا نغفل للحظة أو نتساهل أمام حقيقة وجود تيار فاشي شوفيني يزداد شراسة وعدوانية ضد الفلسطينيين وضد اليهود أصحاب الضمير.
سلمان جعل من كتابه لوحة ل "بيت شان" – الجرح الفلسطيني الذي لم يندمل .. وفعل حسنًا حين انهاه "بعرس في السماء" عن مقتل فتاتين، فلسطينية من نابلس ويهودية من بيت شان، في اسبوع عرسهما، كأنه يحذر من حلقة سفك الدماء المغلقة. وكأني به يقول، ها هو الجرح الذي لا يزال مفتوحًا، رغم الزمن ... وينتظر أصحاب الضمائر ليضعوا حدًا له، ولكن حقيقة المؤلمة ان ما كان هو حلقة في سلسلة نشهد كل يوم مأساة جديدة من حلقاتها، التي لم تتوقف بعد.
واضح ان مأساة الأم الفلسطينية، كأم... لا تختلف عن مأساة الأم اليهودية، كأم، وهذا صحيح أمس واليوم وغدا ودائما. المسؤول عن الموتين هو طرف واحد، وهو لم يبرز في النص، بل شعرت ان هناك مساواة في الذنب، مساواة بين المستوطن الذي قتل بدم بارد الفتاة الفلسطينية، وبين حجر الانتفاضة الذي قتل الفتاة اليهودية. نحن نرفض الموتين، ويؤلمنا هذا الموت، ولكنا نرى أن المجرم واحد، المذنب واحد... وهو الاحتلال والاستيطان الكولنيالي.
ان سلمان ناطور، يقدم لنا عملاً هامًا يحمل نكهة خاصة، ويثير الكثير من الخواطر والمشاعر، ويجدّد بالنفس مرارة وحزن الضياع، الضياع في الغربة، والضياع في الوطن، والذهول أمام أطلالنا، وتاريخنا الذي تبعثره الرياح.
ويبقى كتاب "يمشون في الريح" عملاً يحمل الكثير من الخصوصيات، يضاف لرصيد سلمان ناطور... وهو، وهذا المهم، يبرز انسانية الفلسطيني في مواجهة قاتله.

ملاحظة: سلمان ناطور أديب فلسطيني من أبناء الطائفة المعروفية ولد عام 1949 وتوفى عام 2016
nabiloudeh@gmail.com







اخر الافلام

.. -عكس ما كنا نتوقع- المقتنيات الثمينة تضر بجاذبيتك | اليوم


.. طالب يحل 6 مكعبات -روبيك- بنفس واحد تحت الماء لدخول غينيس


.. كيف تغيرت وجبة -هابي ميل- من ماكدونالدز عبر السنين




.. طهران تتحدى عقوبات واشنطن بالإصرار على تطوير قدرتها الصاروخي


.. نافذة خاصة لتغطية توافد حجاج بيت الله الحرام إلى منى لقضاء ي