الحوار المتمدن - موبايل



قراءة تحليلنفسية - يقدم هذا المحكي أسس العلاقة بالآخر

الحسن علاج

2018 / 3 / 17
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


قراءة تحليلنفسيـــــــة
" يقدم هذا المحكي أسس العلاقة بالآخر "

الخطيئة ؟ أي خطيئة ؟ كيف أصبح آدم وحواء على علم بغيريتهما بفضل الحظر ؟ نحو قراءة منحرفة وخصّاءة للأسطورة ، تفضل المحللة النفسانية ماري بالماري Marie Balmary) ( تأويلا مُؤَِلِّها .
حوار مع ماري بالماري
أجرى الحوار : أودري فيلاّ
ترجمة : الحسن علاج
كتبتم في كتابكم الأصل الإلهي ، بأن الله لم يخلق الرجل والمرأة ، لكنه قدم أحدهما إلى الآخر . ما هو إذن رهان لقائهما ؟
ـ قبل القيام بأبحاث حول هذا الموضوع ، كان لدي نفس الافتراض مثل الجميع : خلق الله الإنسان . يوجد في الفرنسية ، العديد من الترجمات تقول : " خَلَقَ الله الإنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ ، عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ ، خَلَقَ الرَّجُلَ وَالمَرْأَةَ . " وقد نتج عن ذلك العديد من التفاسير ، القابلة للنقاش في تصوري . حينما قرأت النص العبري ، مع باحثين آخرين ، وجدنا أن الترجمة كانت خاطئة .ففي المحكي الأول من الخلق ، المتعلق بالأيام الستة والسبت shabbat) ( ، نقرأ : " ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمَا " . ينتهي هذا المحكي دون أن يتم التلفظ بعبارتي " رجل " و" امرأة " . شيء غريب ! ثمة الآدم فقط ، البشري من )التراب ( ، الأرضي ، ال" ترابي " كما يدعوه الكاتب أندريه شوراقيAndré Chouraqui) ( . على أنه لا وجود بعد لرجل وامرأة .
ظهرت العبارتان في القصة الثانية من الخلق ، حينما لم يجد آدم من معين له من بين جميع الحيوانات ، حينئذ ، فأوقع الله سباتا على آدم فنام ، فأخذ المرأة من ضلعه . وعند يقظته ، قال البشري : " هَذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلحَمٌ مِنْ لحَمِي . هَذِهِ تُدْعَى امْرَأَةٌ لأَنَّهَا مِن امْرئٍٍ أُخِذَتْ " . هناك ظهرت إيشا isha ، المرأة ، وإيش ish) ( ، الرجل ، من خلال لقائهما . نلاحظ أن كلمة " امرأة " جاءت قبل كلمة " رجل " في التوراة ، وهو شيء لا يمكن إهماله .
إن هدف ذلك اللقاء هو في المقام الأول لقاء ثقافي . وكما هو الشأن في كل الأساطير ، فإن الإنسان ينفصل عن الحيوانات . ففي القصة الأولى ، قيل : " لِتُخْرجَ الأَرْضُ ذَوَاتِ أَنْفُسٍٍِ حَيَّةٍ كَجِنْسِهَا " ، وهو ما ينسجم كثيرا مع نظرية داروين . خلقت الحيوانات " بحَسَبِِ جِنْسِهَا " . الحيوان مهيأ للتكاثر ، يبني أعشاشا ، وليس قبورا ، ولا معابد ... ولاثقافة . خلق الآدمي " عَلَى صُورَةِ اللهِ " ـ وليس بحسب جنسه . كذلك فإن الإنسان ليس مجبرا على الإبقاء عليه في التناسل . إنه من خلال تلك الصورة العجيبة لله ، الذي هو البشري ، ذكرا وأنثى ، وليس الرجل أو المرأة وحده . إن الصورة الإلهية تعتبر علاقة . إن رهان تلك العلاقة ، هو الكلام ، الغيرية ، الشيء الذي ينتج عن ذلك الوضع الفاني الذي تم خلقه من أجل الوصول إلى وضع إلهي غير مخلوق . فإذا خلق الله الآدميين على صورته ، كي يصلوا إلى مشابهة مع الله الذي تجنب القيام بذلك . إن ذلك يعطي بعدا متميزا للحياة البشرية : بلوغ الحياة الإلهية .
يمتلك الرجل والمرأة دورا مهما يلعبانه هنا . " لا ينفصل أحدهما عن الآخر أبداً لن نتمكن من التوصل إلى التخلص من الموت " ، كتب بول كلوديل Paul Claudel) ( . إنه مثال كل علاقة مع الآخر . لا يمكن للرجل والمرأة الإسهام في أي شيء إذَا كانا منصهرين في بعضهما البعض . إن اختلافهما هو الذي يسوغ العلاقة . إنهما لا يتعاشران ، يرغبان في التعارف . حيث يتحدثان إلى بعضهما البعض .
انطلاقا من وجهة النظر هذه ، كيف تفسرون " الخطيئة الأصلية " ، بمعنى خرق تحريم تناول فاكهة شجرة معرفة الخير والشر ؟
ـ لا وجود لل"خطيئة الأصلية " في التقليد اليهودي . لقد طورها القديس أوغسطين ، للأسف . أين جرى هذا المنع ؟ بين خلق آدم وتكوين المرأة . شيء مثير للاهتمام . لأنه حينما خلق الله آدم قال : " مِنْ جمِيعِ شَجَرِ الجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً ، وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا ، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تمَوتُ . " لقد قدم الخالق هنا هبتين : الغذاء والمنع . إن هذا ال" قول ـ بين " inter – dit) ( هو " كلام ـ بين " ، يسمح بأن الكل ليس موضوعا قابلا للاستهلاك ، قابلا للأكل . إنه الولوج إلى القول ، المنفذ إلى السلب . وبالفعل ، فإن " أكل " هو فعل أكثر فقدا للمميزات . فلو شئنا الحفاظ على اختلاف ما ، فلن نتمكن من البرهنة عليه بشكل أفضل سوى بواسطة [عبارة] " لا تأكل " . فلو تناولت هذه الفاكهة ، فإنها تتحول إلى أنا ، تختفي . إن [عبارة] " لا تأكل " يمكن أن تفتح معرفة أخرى ، لن تصنع عبر " أكل الآخر " ، بل عبر الاستماع للآخر . يتم الخروج من حقل الطبيعة من أجل الوصول إلى حقل الثقافة ، [حقل] الكلام ، الغيرية . في تلك الأثناء ، لم يُقرأ التحريم كمعطىً بواسطة الله كي لا يتحول البشر إلى آلهة ، التي هي قراءة الحية ـ واللاهوتيين الذين يعلمون بأن الخالق احتفظ لنفسه بالمعرفة ! على خلاف ذلك تماما ، فإن ذلك التحريم يسوغ الوصول إلى معرفة جيدة . فبواسطة " لا" وجد الآخر ، المعاشرة ، الحب ، ارتباط ذات بذات أخرى . والله نفسه يحترم هذا التحريم لأنه في وقت من الأوقات قال لآدم : " أيْنَ أَنْتَ ؟ " يفترض من ذلك : " لا أعلم أين تكون ، لا أعرفك ، لم أتناولك بالأكل ، إني أناديك . "
ما الذي ترمز إليه الحيَّة ، وما هو دورها في ذلك " الاختبار الأصلي " ، كما سميتموه ؟
ـ لأمد طويل ، رفضت ربط الحيَّة بالذَّكَرِ . إنه أمر كان في غاية السهولة وأكثر " سيكولوجيا " . ومع ذلك ، فلو اقتربنا أكثر من النص ، فإن الحية يأتي ذكرها تماما بعد لقاء الرجل والمرأة . " لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَداً وَاحِداً . وَكَانَا كِلاَهمُا عُرْيَانَيْنِ ، آدَمُ وَامْرَأَتُهُ ، وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ . " ثم " وَكَانَتِ الْحَيَّةُ عَارِيَةً )أو أَحْيَلَ ـ إنها العبارة ذاتها عمليا ( جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتيِ عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلَهُ." فلو كانت الحية تمثل في المخيال ذَكَراً مفصولا عن الجسد ، فكيف تتم قراءة النص إذن ؟
لقد قادنا بحثنا إلى هذا : إن التجربة التي تم تقديمها للعيش هي تجربة اختلاف الجنسين . الذكر مرئي ، والأنثى غير مرئية . تبتدئ التجربة في الأسطورة بما هو مرئي . ثمة عنصر آخر في هذا المعنى : لا تتوجه الحية [بالكلام] إلا للمرأة . لماذا لا تتكلم إلى الرجل ؟ منطقيا لأنها بادئ ذي بدء هي من تقف في مواجهة اختلاف الجنسين : فهي اللامرئية ، توجد أمام مرئي )عُرْيُ ( الآخر . لا تتحدث الحية عن الاختلاف بينهما )هل هو الجنس الوحيد ؟ (.قالت لها : " لَنْ تَمُوتَا ! بَلِ الله عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَالله عَارِفَيْنِ الخَيْرَ وَالشَّرَّ . "
إنها تموضع المنع بين البشر والإلهي ، وكذلك بين الرجل والمرأة . في حين أن " القول ـ بين "ـ الذي يسوغ القول " أنا لست أنت " ، " أنت لست أنا " ـ يؤسس إمكانية الهوية الخاصة ، تقترح الحية عليهما التخلص من قانون العلاقة ، أن يكونا مثل آلهة . يكمن اختبارهما في رفض تجربة القوة غير المتميزة والتوصل إلى الكلام بصيغة المتكلم والمُخَاطَبِ ،متميزين جدا بواسطة السلب ، عارفين نقصهما . ذلك النقص الذي هو افتقار إلى القوة المطلقة ، التي تعتبر ثروة للكلام . القوة المطلقة ، هي " سوف تحصلان على كل شيء إذاً تخلصتما من الاختلاف الإلهي " . يوجد المرء ضمن عبادة الأوثان الشمولية . أي منهما ، والحالة هذه ، لا يملك كل شيء . كل واحد يضع الآخر أمام نقص ما . تتوقف المعرفة على ذلك . فإذا غاب هذا الإنكار ، فإن الوعي ، الذي هو معرفة مع الآخر وليس معرفة الآخر ، لن يحدث . بدون قول ـ بين inter- dit) (، لا وجود للوعي .
بتناولهما الفاكهة المحرمة ، حصل آدم وحواء على معرفة الحياة الجنسية والوعي بإرادة الإنجاب . ماذا يعني تحريم تلك المعرفة وانتهاكها ؟
ـ إنه لأمر سخيف جدا الاعتقاد بأن إله هذه القصة خلق كائنات حية تمتلك جنسا مع تحريم الممارسة الجنسية !كيف يمكن الاعتقاد بذلك ؟ بل ، فبعد افتقادهما قانون رابطتهما ، فإن المعرفة الناتجة عن ذلك الانتهاك وضعتهما في موضع خوف وعار . للمرة الأولى يقول الآدمي " أنا " ، فلكي يقول " إني أخاف " ـ خوف من الله الذي يسير في الجنة عند المساء . لِيَمْنَحِ " الانتهاك المحرِّر " المعرفة ، إنها رواية الحية : لو تناولتماها [الفاكهة] ، ستكونان مثل الآلهة . والحال أن الرجل والمرأة لم يصبحا مثل الآلهة ، اختبآ تحت الشجرة ،فخاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر . لم يصبحا محميين قط بواسطة إنكار لم يحترماه . فإذا لم يكتس بالكلام ، فإن ذلك العُرْيَ يكون إشكاليا .ربما ذلك هو السبب الذي تم من خلاله ابتكار الزواج ، من أجل كلمة واحدة أنا ـ أنت تفصلهما وتجمع بينهما ،والتي سوف يخلعان من خلالها ملابسهما ...
بالإمكان فهم أن الشرك هو تقدم بالنسبة لإيمان ما . لماذا نؤمن بإله يعمل على إخصائنا ؟ هذا يعني ، لا يتم نقل الحياة الإلهية بهذا الشكل ، فكل واحد ينبغي عليه شق طريقه الخاص ، طريقه مع [طريق] الآخرين . ربما هذا ما تقوله القصة الأصلية : المرء حر في أن يكون إلهيا أو لا يكون . في أي شيء يصبح الاتحاد الجنسي انتهاكا بالنسبة للإلهي ؟ إنه لا ينتهك إلا التحريم الباطل للإله الشرير ، الغول ، ال" إله المنحرف " مثلما يسميه اللاهوتي موريس بايلي Maurice Bellet) ( . إن ما هو غاية في الصعوبة هو تصور إله ليس غيورا من الإنسان . لأنه مكتوب : " يَتْرُكُ الرَّجُلُ أبَاهُ وَأُمَّهُ " ، يترك أو يتخلى عن ، هو ذات الفعل في العبرية .وبالفعل ، تسجل الحياة الجنسية العبور حيث تتم مغادرة الطفولة . وهذا هو ما يجعل المشكل مطروحا حينما ينعدم نتيجة للحياة الجنسية . إنها من السهولة بمكان على أنها لاتمتلك نفس القوة العازلة بين الأجيال .
بالنسبة لعقاب اللذة الجنسية ـ خطأ فادح ذوعواقب وخيمة ـ ، لم يُكتب : " تَلِدِينَ فيِ الأَلمَِ " بل " بِالْوَجَعِ ، تَلِدِينَ أَوْلاَداً " . إنه النسل الإلهي ـ صورة الله ـ الذي سوف يكون صعبا ، ليس الوضع . لقد تم حذف عبارة " أولاد " في العديد من الترجمات . يأتي ذلك الوضع على وجه السرعة في القصة ، مع قابيل ، المملوك بواسطة أمه حواء ، المهيمنة هي ذاتها . لن يكون الطفل موضوعا لأبويه . وهو ما يعتبر صعبا ، لأنه لو أن الوالدين يعملان على نقل الحب والقانون ، بإمكانهما في ذات الوقت تشكيل الطفل على صورتهما . والحال أنه ،ينبغي أن يتميزا ، وهو ما يجعل الطفل والأبوين يعانون . وهذا هو سبب ثيمة الولادة الثانية السالفة الذكر . إن ديانة عادلة ، لو أمكنني القول ، تسمح بتمرير قراءة منحرفة للأسطورة إلى قراءة مُؤَلّهة .
ماذا عن مكانة الحب في أسطورة آدم وحواء ؟
ـ لقد كُتب فيما يلي من سفر التكوين : " عَرَفَ آدَمُ امْرَأََتهُ . " لماذا فِعْل " عَرَفَ "، في حين أن المعرفة تم تحريمها بينهما ؟ لماذا الواحد هو ذات والآخر موضوع ؟ كما لو كان ذلك عن طريق الصدفة ، الرجل هو ذات والمرأة موضوع للمعرفة ! أي شيء كان فعل الحب قبل أن يضيعا قانون العلاقة ؟ " يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ ، وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ ... " تعني عبارة دافاك davaq) ( [العبرية] " الاقتران معا " . لا أحد يعتبر هناك موضوعا . نقترن ، نتحد . نتوصل ماديا إلى جسد واحد ـ الزوج والولد ـ ثم ، في الكلام ، بصيغة الجمع " نحن" . " نحن " مبتكر يسمح بالعمل ، بالكلام معا ، والعبور إلى أبعد من ذلك . لأن الكلام يعتبر أبعد من الخلق .
إن أولئك الذين يعتقدون بأن رجلا ما يعرف امرأة يضاجعها ، والعكس بالعكس ، يرتكبون خطأ . بما أنه يوجد تعارف متبادل ، فإن معرفة الآخر تعتبر معرفة مفترسة: أعرفك ، أتملكك . كيف بحياة إنسانية بإمكانها العبور من صيغة الرغبة " آكلك " )صيغة الرضيع(إلى " نتحد " ؟ ثمة مراحل عديدة ينبغي قطعها ، من ضمنها القبول بعدم التملك ولغز الآخر . فهل حينما لا يستطيع المرء التوصل إلى ذلك ، في علاقة غرامية ، حيث يلجأ إلى تغيير الشريك ؟ مع من سوف يتم التوصل إلى قران سعيد حيث كل واحد يحقق وجوده ؟ إن المشروع التوراتي يعلن الإنجاز الممكن . تقدم هذه القصة في تقديري أسس العلاقة بالآخر ، باعتباره طريقا إلهيا ، حيث يعتبر الزوج آدم وحواء أول حلقة شهيرة من حلقاتها .
ـــ
مصدرالنص : مجلة عالم الأديان الفرنسية (Le Monde Des Religions) عدد 86 نوفمبر ـ دجنبر 2017 ، تمحور حول آدم وحواء .
ماري بالماري Marie Balmary) ( : كاتبة ومحللة نفسانية . تنشغل بأساطير الأصل وخاصة بالتوراة .







اخر الافلام

.. الجيدو: الكاميرونية هورتنس فانيسا مبالا تحرز أول فضية لبلدها


.. مباراة ودية بين تونس والمغرب


.. غيابات بارزة في لقاء المغرب وتونس




.. تونس.. الغرف السوداء وجهاز النهضة السري


.. إسرائيل.. تخبط حكومي وانتخابات مبكرة