الحوار المتمدن - موبايل



المَثل الشعبي الفلسطيني

مهند طلال الاخرس

2018 / 3 / 28
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


يعرف المثل الشعبي بأنه “تجربة إنسانية في لفظ وجيز ومعنى شامل، قيل في مناسبة ما، وينسحب على تجارب مماثلة".

ويعرف الفارابي المثل بأنه "ما ترضاه العامة والخاصة في لفظه ومعناه حتى ابتذلوه فيما بينهم وقنعوا به في السرّاء والضراء، ووصلوا به إلى المطالب القصيّة، وهو أبلغ الحكمة لأن الناس لا يجتمعون على ناقص، ولذا فالمثل قيمة خلقية مصطلح على قبولها في شعبها. وهو يمرّ قبل اعتماده وشيوعه في غربال معايير هذا الشعب، وينمّ صراحةً أو ضمناً عن هذه المعايير على كل صعيدٍ وفي كل حال يتعاقب عليها الإنسان في حياته".

والأمثال الشعبية مخزون في ذاكرة الناس، يعملون على توظيفها في مواضيع تواجههم بشكل يومي، وكأنهم يحيونها من جديد، وكثرة سماعها يعني التشدد بها والتأثر بها.

والأمثال الشعبية قصص عتيقة وحكم مأثورة ولغة رمزية اخترقت الخطوط الحمراء ودخلت كل البيوت من أبوابها الواسعة وحملت بين طياتها شيئا من العبرة، اختزنت الأحداث وحافظت على الموروث الشعبي.

والأمثال الشعبية نرددها كثيرا ولكن الكثير منا لا يعرف مصدرها و لماذا قيلت ومن اين جائت. فهي جائت من حكاية حقيقية أو قصة شعبية تحمل ملاحظات دقيقة أو تجربة إنسانية، وربما تحمل بصمات تراثية من أغنية شعبية
أصيلة ممتدة الجذور في أعماق الحضارة، سهلة الحفظ، يحفظها ويرددها الجميع، تتناقلها الألسن كمسلمات أحياناً ودون تفكير في أحيان اخرى، بعيدة المغزى مجازة اللفظ واضحة المعنى ذات جرس موسيقي متناسق ومتناغم.

والمثل قول مأثور وجملة مفيدة موجزة متوارثة شفاهةً من جيلٍ إلى جيل، وهو جملةٌ محكَمة البناء بليغة العبارة، شائعة الاستعمال عند مختلف الطبقات. ويلخّص المثل قصة فرح او ترح عبر تجربة حيّة اختبرتها الجماعة فصدقته واعتبرته مرجعا محكما عبر الاجيال، فصدّقوه لأنه يهتدي في حلِّ مشكلة قائمة بخبرة مكتسبةٍ من مشكلة قديمة انتهت إلى عبرةٍ لا تُنسى. وقد قيلت هذه العبرة في جملة موجزةٍ قد تغني عن رواية ما جرى، ومن هنا اصبح المثل الشعبي رموز منقولة عبر الأجيال سمعها آباؤنا عن أجدادنا و سمعناها عن آبائنا ورددناه حتى اصبح جزء من حياتنا.

وتعود اهمية المثل الى أنه يؤثِّر أعظم الأثر في مسار الأمور وفي سلوك الناس. فالمعنى والغاية يجتمعان في كل أمثال العالم وهي، وإن اختلفت في تركيب جملها أو في صلاحها أو مدلول حكمتها أو سخريتها، كتابٌ ضخم يتصفّح فيه القارىء أخلاق الأمة وعبقريتها وفطنتها وروحها.

وكما أن الأمثال الشعبية هي تعبير واقعي عن الحياة الاجتماعية؛ فهي وسيلة من وسائل التعبير المتاحة عند الآباء والاجداد تعود لنسيج الحياة الاجتماعية والبيئة، وتأتي كتعبير وكصورة عن مخرجات النتاج الثقافي والبيئي للفرد القائل والمجتمع المتلقي، وتعبر ايضا عن درجة الوعي والقيم والاخلاق السائدة ومساحة اهتمام المجتمع وانشغاله بمسألة ما.

ومجموعة الأمثال الشعبيّة على تناقض بعضها، تكوّن ملامح فكر شعبي ذي سمات ومعايير خاصّة، فهي جزء مهم من ملامح الشعب وشخصيته وأسلوب عيشه ومعتقده ومعاييره الأخلاقية.

فكلام الهوان والضعف والانهزام مثلا؛ لا يخرج إلا من شخص متشائم وانهزامي ونتيجة تأثره بواقعة انكسار او هزيمة عميقة أثرث فيه وفي من حوله من افراد المجتمع تأثيرا سلبيا، حتى صارت الهزيمة لديهم امرا مألوفا واعتياديا، وبالتالي تأخذ الهزيمة صورها التعبيرية المتعددة في حياة الفرد والمجتمع، وأحد اهم هذه الصور والتعابير لدينا نحن الفلسطينييون الامثال الشعبية، وهذا ما نجده بشكل صارخ في مجموعة الامثال الراسخة في وعينا عن الهزيمة والانكسار مثل:" حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس، الإيد اللي بتضربك بوسها وادعي عليها بالكسر، إذا كان لك عند الكلب حاجة قول له يا سيدي، بوس الكلب من تمه حتى توخد حاجتك منه، الكف ما بتناطح مخرز، احفظ نفسك عند مخالفة الدول، ايد وحدة لحالها مابتزقف، امشي الحيط الحيط وقول يارب الستر.

بينما نجد على الجانب الآخر ما يناقض هذه الامثال ويدحضها بأمثال اخرى تقوم فكرتها على بث روح الانتصار والتعالي على الجراح والاعتداد بالذات واحترامها والحث على مواجهة الظلم والطغيان ومقاومة الاحتلال. وهذا ما نجده ايضا في مجموعة من الامثال لدى المجتمع الفلسطيني مثل: "ما بجيب الرطل إلا الرطل ووقية، وقالوا لفرعون مين فرعنك؟ قال: ملقيتش حدا يردني، كل ظالم وله يوم، وما يضيع حق وراه مطالب، والله ما بسمع من ساكت، وما حك جلدك مثل ظفرك، ولو بتخاف عكا من البحر كان ما قعدت جنبه، ومابحرث الارض إلا عجولها، الخير في الجيات، اذا ما خربت ما بتعمر واذا ما عكرت ما بتصفا، عليّ وعلى أعدائي، الرصاصة اللي ما بتصيب بتدوش، والسما زرقا، وبرضه راكب.

وتلك المجموعتين من الامثال المتناقضة او ذات الصور السلبية على ما يبدو، والتي يتبادر للذهن احيانا أنها تحث على الانهزام والانبطاح والذل والهوان؛ فذلك التناقض الظاهر بين المجموعتين يبيّن أن الحكمة الشعبية ثرية ثراء لا يوصف وانها دبلوماسية بإمتياز وتراعي تقلب الحال والاحوال وتعرف إتجاه الريح، إذ جعلت لكل حالٍ حكمة، ولكل احتمال عبرة بهدف حفظ الذات ابتداء والمصالح ثانيا وصون المجتمع من الذوبان والانهيار لا سيما عندما يكون "القوي عايب" او "تكون الحيطان إلها آذان".

وظيفة الأمثال ليست قطعاً إظهار الشعب في مظهر ملائكي موحد ومتحد ومتطابق ومتجانس؛ بل الأمثال ديوان الامة والمجتمع كما الشعر ديوان العرب، حيث تتراكم فيه صور الحياة واحوالها وتفاصيلها "الصالح والطالح" "بعجرها وبجرها".

من هنا كان المثل الشعبي الفلسطيني معبّر أصدق تعبير عن حياة الفلسطيني في كل تفاصيله وكل اطواره وفي حله وترحاله، ومن هنا اكتسب احد اهم اسباب بقائه وديمومته ومصداقيته.







اخر الافلام

.. إعادة تدقيق أصوات الناخبين في العراق


.. قرقاش: ليس أمام الحوثي إلا الانسحاب من الحديدة


.. اليوم العالمي لليوغا تحت شعار- اليوغا من أجل السلام-




.. المقاومة اليمنية تصعد من عمليات تأمين خط الساحل الشرقي


.. ميركل تلتقي العاهل الأردني في عمان وعملية السلام على رأس جد