الحوار المتمدن - موبايل



موقف العقل المعتزلي من فكر الأخر.

عباس علي العلي

2018 / 3 / 28
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



القيمة الفعلية للعقل المعتزلي وهو يقرأ الوجود بما فيه الدين أنه يتعامل مع مجموعة من المتناقضات الواقعية المتبناة من أتجاهات عقلية أيضا تقر أنها تختلف على قضية واحدة أو مجموعة قضايا، بمعنى أنه يتعامل كناقد وحكم ومقرر لذاته، وعليه أن يكون صاحب رأي منطقي متفاعل ومتجرد وموضوعي وليس بمنعزل ولا حيادي عن أفكار ورؤى الأخر، ولا يمكن أن يكون نقيض أفتراضي بالضرورة لكل ما في الواقع من مقولات وأحكام وقراءات، وهذا ما يتطلب منه في النهاية أن يتمتع بقدرة على الإحاطة الضرورية والواجبة التي يستطيع من خلالها أن يصدر حكما موضوعيا في القضية، البعض يرى في الأعتزال رفض سلبي لكل ما على الطاولة من أختلافات وحتى قبل مناقشتها أو بحثها لأنه يعتمد على فكرة أن وجود الأختلاف في قضية واحده سببه قصور عقلي في إدارك الواجب والمتوجب فيها.
هذه النظرة السطحية ليس نطرة عقل ومنطق ولا يمكن عدها من مبادئ المعتزلة القائمة على أمتحان عقلي لكل قضية على إنفراد بمعزل عن من يناصرها أو يعارضها، فالأعتزال بحقيقته هو البحث عن حجية الدليل وقدرة هذه الحجيى على الخضوع للبرهان المنطقي وبالتالي فالرفض أو القبول مبني على ما في ذاتية الفكرة من موضوعية سليمة وليس على ما في ذاتية المفكر أو صاحب الرأي، هنا يظهر العدل بأعتباره واحدة من ركائز الفكر المعتزلي وأسسه المنطقية دوره وحقيقة تمثل العقل له، وهذا ما يجعل من العقل المعتزلي عقل عملي وعلمي بعيدا عن التصنيفات المسبقة أو الأراء القبلية، فالعقل الإنساني لا يمكن أن يكون مخطئا على الدوام ولا صائبا على الدوام طالما أن يستخدم نظمه وألياته ويقتنع به ويتيقن منها، فكل طرف من أطراف التنازع الديني أو الفكري لديه قدرة وقوة على التفكير بناء على مقدماته ومعطياته وقد يبلغ الحقيقية أو يقترب منه في أحيان وفي أخرة نتيجة نقطة عارضة أو تفصيلية صغيرة قد تغير مساره نحو الوجه اللا منطقية.
إذا حينما نتعامل مع طرفين متناقضين كل منها له القدرة التي يملكها العقل المعتزلي ذاته أن يكون حريصا على تتبع مسار الفكرة كما ولدت وتطورت وأعادة تقييم ما جرى، ثم ملاحظة أسباب النجاح أو الفشل في الفكرة كي لا يكون نسخة أخرى من عقل من يسعى لقراءته ومن ثم تقرير ما يمكن تقريره من أحكام، هذا يتطلب دراية وملكة نقدية حساسة للجزئيات التي في كثيرا من الأحيان لا تبدو للعقل الأعتيادي على أنها ذات تأثير في النتائج، مثال عقلي ممكن نسوقه هنا للتدليل على أثر الجزئيات في تضليل النتائج، لو تأملنا هذا النص التالي {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}المؤمنون100، الغالب من المسلمين والشائع في كتاباتهم أن البرزخ هي المسافة الزمكانية بين حياة الدنيا والأخرة التي ينتقل فيها الإنسان بعد موته، وأظن أنها من المسلمات التي لا يتناقش فيها أحد.
لو عدنا لنصوص القرآن الكريم والبحث عن هذا المعنى نجد أنها وردت في ثلاث مواضع مختلفة تجري في نسق معنوي واحد يصب في النهاية بقصد محدد وهي الحجز والأمتناع عن التخالط أو الأندماج بين حاليين متناقضين، فلو طبقنا المفهوم المتسالم به وهو المسافة الزمكانية مع نسقية المعنى لا نجد أي مصداق فيها، أو دلالى على وجود زمن ما، بل كل ما تثيره الكلمة من معاني هي حالة مكانية فاصلة بين حال أبتدأ بالتمنى وأنتهى بالأمل والجواب الرباني جاء نفيا جازما وقاطعا على أن هناك تداخل بين الشك والتمني وبين النية والصدق والجهد في إتيان العمل الصالح وتأجيل القرار النهائي فيها إلى يوم يبعثون، هذا التدبير يتناقض مع الكثير من المسلمات التي يدعيها الناس بأعتبار أن الحياة إذا أمكن تسميتها (الوسطى) بين الدنيا والأخرة هي عالم البزخ الذي كثيرا ما كتب وبحث فيه الباحثون وأجتهد الواصفون في التدليل على وجوده وأنا عالم حقيقي ومنفرد وفيه ما فيه.
النقطة الجزئية التي غيرت مجرى المعنى وخلقت فكرة جديدة غير حقيقية أعتمدت على تفصيل جزئي صغير وهو معنى برزخ، وبالتالي فكل ما تم بناء على هذه الجزئية لا يمكن قبولها ولا التعاطي معها أصلا لأن الفكرة القرآنية بكل ما تطرقت له لم تشير لا بالتصريح ولا بالتلميح لوجود عالم ثالث بين الحياة الدنيا والأخرة، وكل ما أشارت له النصوص هي رمزيات لوقت معلوم جاءت على سبيل التحديد البين (يوم الحساب، يو تذهل كل مرضعة عما أرضعت، يوم تبلى السرائر...) الخ من المفردات التي حددت طبيعة عالم الأخرة وما فيه، وتكرر منطق الحياة الدنيا والحياة الأخرة بشكل جلي لا لبس فيه ولا تأويل ممكن أو يقبله العقل، فمن أين جاء أختراع عالم البرزخ وما يجري فيه من حساب وعقاب وعتاب وعذاب؟.
سقنا هذا المثل ليس لأثبات فكرة أو نفيها بقدر ما نشير إلى أن العقل النقدي المنطقي في تناوله للأفكار لا يمكن أن يتساهل في جزئية بأعتبارها ليست ذات أهمية، فالفكر بشكل عام والفكر الديني بشكل خاص يتعامل مع سلسلة متشابكة ومترابطة ومتواصلة من جزئيات تنجح في إدارك النهاية المطلوبة حين تتناولها بصورة حقيقية، بتجرد وحيادية وبدون أن نضخم من أهمية تفصيل أو تتساهل في أخر، لأن النتائج في النهاية سيصيبها خلل ما، عليه فالفكر المعتزلي حين يتعامل مع أفكار يحاول إعادة قراءتها عليه أن ينتبه لهذه الإشكالية وأن يتجاوز مبدا الأنتقائية، فالعدل والمنطق والحقيقة يجب أن تسيطر تماما على حركته الإقرائية وأن تساير في خطواته البعد القصدي النسقي الذي أنتظمت به ولأجله الفكرة.
الرفض المسبق والذاتي شكل من أشكال الأعتباطي في دراسة الفكر ولا يمكن أن تنجح بصورة تامة أو أكيدة في إدراككه للحقيقية، هنا علينا أن نتعامل بحذر شديد من أن نكون خصوم للكل أو نعتزل عالمهم على أنه عالم كله مخالفات وتوهمات وشبهات فكرية، العقل المعتزلي علمي في منطلقاته وعادل في رسم الصورة عن ما حوله من وجود كامل مترابط به الفكر رافد والدين رافد والعلم رافد كما البيئة والطبع البشري وحقائق الوجود كلها عوامل ومعطيات تتصارع وتتصالح وتتشارك وتتناقض في ولادة أي فكرة أو قراءتها، لذا فليس من العدل أن نصف غيرنا أنهم على خطأ تام وكامل، ومن الخطأ أن نعتقد أننا أصحاب الحقيقية اللامعة الباهرة، فكلنا نخضع لقاعدة واحدة أن العقل بقدرته هو من يقودنا لليقين، ومهما كانت قوة العقل بدون التحرر من الذاتية سيضعنا في مطبات تهتز بها الرؤية ويتسلل من خلالها الخطأ والخطيئة.
تبقى هناك قضية أخرى جديرة بالتذكير ويتوقف عليها منجز العقل النقدي والتي كثيرا ما ذكرنها في مناسبات أخرى، وهو موقف النهائية من الأفكار، أبتدأ عندما نؤمن أن الحقيقية بكاملها لا تدرك كاملة ولا يمكن التسليم بأن حدودها العامة يمكن أكتشافها وتحديد أطرها بما لا يترك أثر أحتمالي أن وراء هذه الحدود شيء، علينا أن ندرك أيضا أن الأفكار والقراءات والرؤى لا يمكن أن نجعلها مصداق كامل للحقيقة التي وصفناها، فبما أن كل شيء في الوجود يتطور ويتحول نحو أفق أكبر وأعظم ولا نقول يتغير لأن المتطور ينمو ويتضخم ولكنه لا يتغير، فمن يتغير هو إدراكنا له وفهمنا لحركته فحسب وحسب سرعة التطور وماهياته وأشكاله، وبالتالي لا حقيقة تامة بالفكر ولا نهائية لأي فكرة كانت وتحت أي جهد عقلي، لأن التسليم بالنهائية يعني التوقف عن الحركة لما بعد النهاية ومحاولة عبور النهاية من قبيل العبث الذي لا فائدة منه، وهذا هو الداء الذي وقع فيه العقل السلفي حين سلم وأمن وتيقن تماما أن ما وصلنا هو نهاية المعرفة وختامها الكامل وما علينا إلا أن نخضع له دون حراك أو حتى تبيان حقيقة هذه النهائية والختم.
إذا سيكون موقف العقل المعتزلي تجاه العقل الأخر مبني على كيفية تعامل هذا الأخر مع الحقائق أو المواضيع التي يتبناها، هل هذا العقل الأخر يؤمن بعدالة الفكر حين يتدبر وحين يتعقل؟ وهل يؤمن هذا الأخر بأن المعرفة لا تتوقف ولا تتحدد بأطار حجمي أو شكلي يمكن قياسة بمستوى واحد في كل الأحيان والتبدلات الظرفية؟ هل هذا العقل الأخر يسمح لنفسه التحرر من خرافة الكمال والمطلقية في رؤيته أو في تصوراته المجسدة؟ وهل يؤمن هذا العقل أن الحركة تجري خارج الفكر وأن أثر الحركة هو الذي يصيغ الفكرة ويظهرها أم أن الوجود كله متحرك لا يتوقف والمعرفة جزء صغير من هذا العالم اللا ثابت واللا متوقف؟ بهذه المعايير يجب أن يتعامل العقل النقدي في تصنيف متج العقل الأخر وأن لا يعني ذلك أنه أفضل أو أقدر من غيره في رسم صورة الوجود، بل لولا خطأ التجربة وتجربة الخطأ لم يكن الإنسان قادرا على تحديد خط السير الذي أوصله إلى هذه الدرجة من النضج والتطور.







اخر الافلام

.. آلاف الأقباط والمسلمين يشيعون جثمان شهيد سيناء بـ«الدقهلية»


.. اتفاق تاريخي بين الصين والفاتيكان لتعيين أساقفة


.. وزير الأوقاف يتفقد كلية الدراسات الإسلامية




.. ما سر غرفة -المسجد- في منزل الكاتب الفرنسي بيار لوتي؟


.. هذا الصباح- المئذنة الملوية تحفة إسلامية بأسلوب معماري فريد