الحوار المتمدن - موبايل



دراسة نقدية في الفكر الشيعي. ح2

عباس علي العلي

2018 / 3 / 29
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الفصل الأول.....
الوراثة
بإنتهاء عصر الراشدين عام 40 هـ كان أول نهاية فترة التحولات الأولى في المجتمع الذي ما زال عربيا خالصا بالرغم من فتح العراق والشام وجزء من بلاد فارس وأطراف من أفريقيا الشمالية وجزء من شاطئها المطل على البحر الأحمر، لكن بقيت الدولة الراشدية في عمفها الفكري دولة عربية إسلامية تنبع قيمها من الدين الجديد بطعم الواقع في الروح والجوهر، لذا يمكننا أن نصور حتى النزاعات التي حدثت والخلاف والأختلاف لذي جرى بعد رحيل الرسول الأكرم ص وحتى أستشهاد الخليفة الرابع علي ع كان خلافا عربيا عربيا بين قطبي المجتمع العربي مكة والمدينة وما تمثلانه من ذاتية تحكمت بها البيئة والطبع العربي تماما.
لم يكن هناك أي شواهد حقيقية على تدخل أو تأثير قوى أو محركات فعلية وحقيقية لهذا التنازع من خارج المجتمع العربي الجزيري خصوصا يمكن أن يشار له على أنه واحدا من المؤثرات الغاعلة بقوة، قد يكون هناك تأثيرات جانبية لمرحلة الفتوحات والغزوات التي أوصلت حدود هذه الدولة إلى مناطق لم يكن للعرب فيها وجود فعلي، أو تعتبر جزء من الأمتداد التاريخي لهم أو لوجودهم الحضاري المتميز بالبدوية أو الأكثر تطورا دةيلات المدن كما هو معروف تأريخيا، المهم في هذا التنازع والأختلاف كان المحور الظاهر في التنازع هو موضوع الوراثة في موضوعي السلطة منتسبة للنبي وحده، والنقطة الأخرى أحتضان الفكرة الدينية ورعايتها كواجب يلتصق بالأول ولا يفترق عنه.
أول بوادر هذا النزاع كان موضوع الخلافة وما جرى كما هو معروف تأريخيا وتحت هذا العنوان في ما يعرف بقصة السقيفة، بدأ من أدعاء الأنصار حق الوراثة بأعتبارهم الفاعل الجوهري الذي تحمل عبء بناء الدولة وما قدموه من حاضنة قوية لأستمرارية الرسالة بقيادة المهاجرين وعلى رأسهم النبي محمد ص، كان الموقف الأخر والمنتصر هو الأكثر تشددا في جماعة المهاجرين، تحديدا من قريش ومن ذوي السبق في الدخول للإسلام مدعين الوراثة السببية والنسبية، بأعتبار أن حسم موضوع الخلافة ليس فقط بالمطالبة بالسلطة وحدها، بل بتبني منهج يراد له التأصيل والديمومة ثم الأستمرار عليه، وأن القرابة والسبق هما عماد هذا التواصل وأساسه وبموجب قواعد الدين ومنها موضوع الإرث والوراثة {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ}البقرة180، حتى أستقر الأمر على ما هو عليه في الرواية التأريخية، ليتحول موضوع السلطة الدينية والدنيوية من مبدأ الإيمان الأوجب إلى مبدا الوراثة بالنسب والحسب.
لم يمر أمر الوراثة هذا بالسهولة المتوقعة والتي جرت وقائعها في سقيفة بني ساعدة وإن أنتهى الأمر بها، خاصة مع وجود عنصر أساسي ومهم ويتمتع بهذه الميزة المدعاة وبتفاضل واضح، وهم بني هاشم من أعمام وأولاد عم النبي وأبنته وسبطيه وما يشكل من إحراج حقيقي لسلطة السقيفة المنتخبة مكيا ومن ثم مدنيا، وكان رمز هذه المجموعة هو الإمام علي بمنزلته وقربه وقرابته مع سبقه وجهاده وما عرف عنه من إيمان شديد بالدعوة وألتصاقا بها، لذا كان موضوع الوراثة موضوع محرج خاصة لمن كان يتوقع أنتقال الخلافة من بعد سلطة السقيفة إلى زعيمها الجديد وبنفس الأعذار والعلل، التي مكنت من بسط هذا المبدأ كأول نظرية سياسية ظهرت في المجتمع الإسلامي بعروبيته لا بقاعدته الإيمانية المفترضة، وهذا يعني أنتقال الخلافة وحصرها بورثة الخليفة الأول وأمتداده إلى عقبه ليتحول لنظام حكم وراثي ملكي خارج مبدأ الأصلح في الإمامة الدينية.
أمام قوة المعارضة الهاشمية المكية القريشية السابقة في الإيمان والجهاد ومجموعة الحجج التي كانت تطرحها في فساد القاعدة التي نشأت بها الخلافة الأولى، تحول المزاج العام السياسي والسلطوي إلى مقاربة أقرب للمنطق العملي، ألا وهي خيار الوصية المسبقة ومن نفس النص السابق وإن كانت لا تعني الوالدين والأقربين بمعناها الحرفي، فهي وإن كانت غير وراثية ظاهرة إلا أنها تخرج من المبدأ الأول وفي أطارها العام الدلالي، فتم التوصية للخليفة الثاني بنفس الأعذار والعلل السابقة وإبعادا لمبدأ التوريث العيني في سلالة الخليفة الأول، فسرها البعض أنها جزء من أتفاق مسبق بين زعماء السقيفة وتبادلا للأدوار بينهما، وأيا كان سبب التحول بقى موضوع أنتقال السلطة محكوما بقاعدة الوراثة بعنوانه الأعم وليس الأخص تحديدا وتخصيصا.
المعارضة السياسية للخلافة بمبدأ الوراثة لم تكن بعيدة عن ذا المفهوم وإن توفر لها حجج أضافية ومعطيات تخفف من أثرها إلا أنها بقيت تدور في أطار التوريث ذاته، مستندة على نصوص مجموعة من المناسبات والروايات والأحاديث والوصايا التي كان النبي ص قد حدد بموجبها أطار الخلافة من بعده، منها ما نص بالتحديد على الوراثة ومنها ما نص على الولاية وغيرها من العناوين التي لا تخرج عن هدفية السلطة ليس لذاتها بل لما تمكن هذه الخلافة من أستمرارية المنهج الرسالي كما تعتقد وحددتها بمفهوم الإمامة، بسبب فكري وعقائدي أن أشتراط الخلافة وجوب تساوي السلف مع الخلف في المرتبة والتفضيل حتى يمكن أن يستخلف الأخير محل الأول وهذا محال عقائديا، لذا كان موضوع الإمامة هو المدخل الطبيعي لذلك وحسب النص القرآني المحكم {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}الأنبياء73.
أنتهت فترة الخلفاء الراشدين في أربع تجارب متباينة في أعذارها وطرق تشكيلها ودوافعها الأسية في أختيار الحاكم الإسلامي، جميعها كانت تحت العنوان الأول وراثة النبي بأعتباره قائد الأمة ومؤسس المجتمع الإسلامي، الذي تحول إلى دولة مترامية الأطراف تحكم مركزيا من قبل الخليفة وبموجب قاعدة الولاء المطلق له المستند لنصوص القرآن وحكمه الخاص {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }النساء59، حتى بداية الحكم الأموي وأنتقال العاصمة السياسية من المدينة للكوفة ومن ثم الشام تحول الأمر إلى وراثة كاملة بكل شروطها الخاصة والعامة وحصرها في نسب وسبب الحاكم دون الألتفات للمبدأ الأول وهو قريشية الحاكم من أي فرع كان فيها، لتستقر في فرع واحد وتنتهي به.
هذا التحول الدراماتيكي لم يكن مفاجأ ولا جرى بمعزل عن نفس القاعدة الأولى وهي القرابة المفترضة مع النبي، لكن التحول هنا صار تحصيصيا وحصريا في الخليفة الأموي في صراع علني هذه المرة بين مكة بمدرستها المحافظة جدا وبين المدينة التي رفضت التوريث من أول يوم، وما جرى كان تتويجا لمحاولات جر المنصب السياسي من قاعدته الدينية إلى فضاء دنيوي وجرى لأول مرة فصل حقيقي بين السلطة السياسية والسلطة الدينية في شخص واحد إلى وجود مؤسستين وإن كانت المؤسسة السياسية السلطوية تحتفظ بحق إمارة المسلمين وأعتبار الخليفة قائد للمجتمع الإسلامي إلا أن بروز ظاهرة الصحابة وأهل العلم والقراء وطبقة العلماء والفقهاء طرحت نفسها بقوة لتتزعم السلطة الدينية وإن كانت في معظمها موالية ومسخرة للأولى، هذا لا ينفي وجود جزء مهم وأساسي في المؤسسة الدينية الإسلامية بقى محافظا على المنهج الرسالي ولم يهادن أو يساير السلطة وخاض معها صراعا ميريرا كان دمويا في غالب الأحيان.
وبعيدا عن السيرة التأريخية نعود لدراسة موضوع الوراثة والتوريث فقهيا ومن مصادر النص وقصدياته لنتبين مدى أنطباق التجربة الأولى وما تلاها من تداعيات فيما يخص أصل قضية التوريث وهل من حق الحاكم السياسي الإسلامي أن يمارس عملية الإستيراث أو يدعي بأحقيتها في مجال تداول السلطة، ولا بد أيضا أن نفهم حدود الوراثة في منظومة الفكر الإسلامي ومدى نفاذها في حق الأخرين خارج دائرة الورثة والمورث، عند ذاك يمكن لنا أن نتبين جلية الأمر ومشروعية ما جرى ليس من باب الأنحياز لفكرة أو الخوض في وحل التأريخ الميت ولكن لتصحيح مفاهيم مؤسسة قادت إلى واقع مشوش وضبابي تعيشه أمة الإسلام على مدى أربعة عشر قرنا من الزمان دون حل أو أفق لحل.







اخر الافلام

.. آلاف الأقباط والمسلمين يشيعون جثمان شهيد سيناء بـ«الدقهلية»


.. اتفاق تاريخي بين الصين والفاتيكان لتعيين أساقفة


.. وزير الأوقاف يتفقد كلية الدراسات الإسلامية




.. ما سر غرفة -المسجد- في منزل الكاتب الفرنسي بيار لوتي؟


.. هذا الصباح- المئذنة الملوية تحفة إسلامية بأسلوب معماري فريد