الحوار المتمدن - موبايل



وسط الزحام

علاء الدين احمد ابراهيم

2018 / 3 / 29
الادب والفن


سجينا بأبنيتها الشاهقة خلف قضبانها الضيقة ، لحظة تخاذُل جلادها هربت خفية الى "الكنتين" المجاور لمركز التأمين الصحي لعلي اجد ما/من ينتشلني من دوامة الاحاسيس المُربكة تلك ، وقتها اتحد عقربا الساعة مع الدقائق ليشيرا صوب الرقم اثنا عشر ، جالساً القرفصاء على صناديق مشروب "الكولا" المرصوصة على احد جانبي باب الكنتين واضعا يديه على ركبتيه ، شاحب و منتفخ الوجه قليلا ، كث اللحية مع القليل من التجاعيد و الوشوم الدائرية على وجهه الضخم ، لم التقط تفاصيلها بدقة لتأملي المُبالغ بأبداع الريشة الخفية التي لم تفوِّت السانحة في استغلال الغبار مع بعض العرق في تشكيل لوحات فنية اتسمت بالقبح و الجمال لمدن فاضلة بعوالم تائهة في ذاكرة الخيال ، لكن لونها ضمن تدرجات الاخضر ، يبدو انه يرتدي تلك الفانيلة مع ذلك القميص البالي منذ فترة مديدة ، شخصيته تبدو مرِحة جدا ، ساقني الفضول للغوص في عمقه للتنقيب عما يتوارى خلف ذلك قناع المرح و السرور و راحة البال و هو بهكذا حالة ، امتعض من حديثي و أسئلتي الساذجة ، شرعتُ بتطتبيق أفكار سوسا عن فن التعامل مع من يسميهم المجتمع بالـ "المجانين" التى ناقشناها الأسبوع قبل الماضي بالنادي الثقافي ، فعلتها بغية تقدمي خُطوة بمضمار ذلك الفن ، تجاهلني ، اكتفى بفرقعة أصابعه المتسخة و توجيه سهام نظراته الثاقبة نحو الأرض الغضة المرتوية بلعابه ، سلمه صاحب الدكنتين كرتونة متوسطة الحجم مع أغراض ملفوفة بالجرائد القديمة داخل كيس نايلون غامق لا يكاد يُرى ما يحتويه قبل ان يتسلم منه مبلغ من المال اظنه لا يكفي لشراء تلك الكرتونة و هي فارغة ، تسائلت عما بداخل الكرتونة ، أيعقل ان تُهرب بهذه الطريقة الماجنة ، انه غير محترف بفن الجريمة ، قلتها لنفسي ، لا ، هذا مجرد مجنون متسول ليس الا ، لا يملك حتى الارادة الحرة بتصرفاته و أفعاله ناهيك عما يدور بذهني الذي لا يحسن الظن ، تحرك مبتعدا عدة خطوات عن الكنتين قاطعا عرض الطريق حيث إطارات السيارات المتقاعدة نصفها متوغل بالأرض قرب منزلٍ يبدو مهجوراً من الخارج ، لوّح لي بيده تبعها بعبارات قريبة لحشرجة الموتى أكثر منها للكلام ، اظنها رداً لأسئلتي السخيفة لكن لم أفهم سوى اللا شيئ ، لم يطيل الجلوس بالاطارات ، انحرف قليلا ناحية الشمال الجغرافي ، استمر بالسير محاذيا للشارع لخطوات قبل أن يقف ثابتا بمكانه دونما تحرُّك ، أسندتُ كوعي على فخذي و ذقني على كفي ، أُراقبه عن كثب بتمعن ، عيناي تلتهم تفاصيل حركاته البلهاء بنهم و شراهة ، نهضت بسرعة ، اسرعت الخطى نحوه ، نظر الىّ للمرة الثانية ، نظرة يكسوها الغموض و الارتياب و شيئ من الحدة ، تبدلت تعابير وجهه عما كان عليه ، لقد اصبح عبوساً ، لمحت الضيق من عينيه الجاحظتين اللتان تنضحان غضباً و إشمئزازا من فضولي الغير مُبرر ، اه لقد غيّرت رأيئ فيه انه غير مرح تماما ، رائحته نتنة ، شاربه مقزز جدا ، شكله قبيح ، حزمت شجاعتي ، اقتربت اكثر منه ، عند اصابته بالذكام ذات مرة ناوله أحد أصدقاءه المحترمين مناديل ورقية لم يكتشف انها كانت موضوعة مع كيس الكوكايين بنفس جيب البنطال إلا مؤخرا عندما أخبره أحدهم بذلك بعد فوات الأوان ، مثلت تلك الواقعة عود الثقاب التي أشعلت شرارة إدمانه الكوكايين لاحقا ، تأثرت بقصة شقيقه الذي كسب الرهان ضد الموت عندما افلت بشق الأنفس من بين انياب عصابة مجهولة الهوية بأحد دول الجوار ليعود مرتميا على احضان وطنه الحنون منتشا بلذة انتصاره قبل أن يحفر بعدها بأيام قبره بيده المباركة بأحد مناجم التعدين التقليدي بسنقو ، لتبقى روحه النحسة خالدة في وجدان أخيه لا تفارقه للأبد ، حكايات اخرى كثيرة و محيرة أظنها من نسج خياله الذي لا يحده شيئ ، بعضها مضحكة مبكية و البعض منها مثيرة للشفقة و أخرى اعادت لي روح المغامرة التي كنت أفتقدها منذ سنوات ، ذهبت لغرفتي ، تنهدتُ طويلا ، انزويت بأخر ركن بها ، في لحظة تواجدي بالغرفة تسائلت مِن مَن هو المجنون ، او بعبارة أُخرى كلٌ كان يرى الآخر غير سوي و مجنون و كِلانا مُحِق ، لكم تمنيت ان أكون هو!!! ، نعم أقصد هو هو!!! ، استرجعت بعض أجوبته بمخيلتي ، بعضها كنت أراها تافهة لا تمت للمنطق بصلة بكل المقاييس لحظة وقوفي معه ، لكني ادين لها بالشكر ، لقد ازاحت ثوب الحشمة عن أسئلة فاتنة عشعشت طويلا بذهني الفوضوي أيام الطفولة البريئة قبل أن تفقس لتفرخ ثم تطير بلا رجعة لعوالم مجهولة عند بلوغي سقف عقدي الثاني.
هل هناك ثمة فاصل واضح بين من يعيشون تحت الضغوط النفسية و الإجتماعية و المجانين المرحين؟؟؟
هل هناك ضرورة انسانية او أخلاقية تلزم الأسوياء من البشر "إن صح التعبير" أرجاع من تغرّب عن عالمنا الذي نراه جميلا الى عوالمه الخيالية حيث الأمان و الجمال و المتعة و كل شيئ؟؟؟
هل يحق لي أن اطرح اي سؤال؟؟؟
كلتُ السباب و الشتائم بأبشع الالفاظ و ابذئها على هاتفي النَّكد الذي أعادني بقبح برنينه من خيالاتي التائهة و تأملاتي الهادئة بأجوبته و ردوده المتناقضة بل و حتى شخصه ، لم يخلِّف ما يدل على وجوده معي سوى الكرتونة مع الكيس و آثاره الغير منتظمة علي طول الطريق الذي بدأت الحركة تدب عليه على شاكلة طلبة الثانوي مع بعض المارة ، بذلك استبعدت فكرة تقصي أثره بين الطلبة ، مللت الجلوس بالاطارات ، ترددت كثيرا ، انتهى بي المطاف على الطريق المسفلت " الظلط" بعد تغيير قناعتي فيما يتعلق بمسألة تقصي أثره ، كدت اتقيئ من رائحة احتكاك الاطارات بالاسفلت ، استنشقت بعمق عبق البنزين المتسرب من العوادم السيارات ، انسدت اذناي ببوري عربات النجدة المتسابقة للمطار لأستقبال شخصية دبلوماسية ذائعة الصيت لا اعرف اسمها ، شعرت بالأستياء من بعض تصرفاتي الاولى و انطباعي الأخير عنه ، لم يجيب عليها لعلمه بأني سأجدها بتتبعي لحوارات صوفي أمندسون مع البرت كونكس بين ثنايا "عالم صوفي" عند فتحي الكرتونة ، رحلة تتبُع شاقة و ممتعة لم أعد منها خالي الوفاض ، عدت بالأثر لنقطة تحركي من أمام الصيدلية ، لتنتهي قصة تفاهتي التي كنت أُمارسها طوال ذلك الحين ، كنت ابحث عن ذاك المجنون و هو أنا! ، نعم كنت ابحث عن نفسي وسط الزحام ، احسست بالخيبة و الدهشة ، انه لمن المحزن التيه وسط الزحام برحلة البحث عن الانا ، حتما سأجد الأنا التائهة و سط الزحام يوما ، حتما سأجدها ، طال الزمان او قصر ، سبحت الطيور بالماء او حلقت الاسماك بالسماء حتما سأجدها ، بين اروقة الكتب او جموع الاطفال المشردين ملتحفي الارض و ارصفة الطرقات.
حتما سأجدها ،
بين صفحات ارشيف الذكريات المتخفية بكهوف الماضي حزنا من وطأة الحاضر او داخل فناء معبد مقدس ، حتما سأجدها يوما.
لم أجد عذر لعدم ردي على اتصالاتها المتكررة ، لم أخبرها بما حصل لي ، كدت اطير فرحا لقد وجدت بقايا ممزقة منها ، لقد وجدتها بحطام انقاض احلامي التي هدّمتها عواصف الانتظار ، اخترعت كذبة لتبرير تأخيري بالكنتين ، تهت بين ابتسامتها المتسللة من بين شفتيها و مفردات عتابها ، ككلمات قصيدٍ لعاشق وفي اضناه المحبوب بطول غيابه ، يا إلهي لم يسعفني خيالي المتمرد هذه المرة ، اخفقت بصياغة الكذبة بأسلوب سلس كما في كل مرة ، قرأت ذلك من تقاسيم وجهها الحريري ، اومأت برأسها مُتقبلة ما قلته ، ابتسمت ثانية ، صدقوني لم تكن مصطنعة.
النهاية...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الكنتين: دكان صغير بالحي
*سوسا: شخصية خيالية بالقصة تتميز بالحكمة و حسن التصرف
*سنقو: محلية بحاضرة ولاية جنوب دارفور/السودان
*عالم صوفي: رواية للكاتب النرويجي جوستاين غاردر تعتبر عالم صوفي مدخل لعلم الفلسفة.







اخر الافلام

.. جوائز بالجملة لفيلم -حرب باردة- في اختتام مهرجان السينما الأ


.. العربية.نت اليوم.. هذا سر ابتسامة الفنان السعودي عايض


.. عرين عمرى: الفنان الفلسطيني عبر عن فلسطين أكثر من السياسيين




.. -موسيقى من أجل السلام- في بيروت


.. -موسيقى من أجل السلام- في بيروت