الحوار المتمدن - موبايل



ميتافيزيقا الارهاب: الجماعة المستحيلة (5)

سامي عبد العال

2018 / 3 / 29
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


لا يوجد الإرهابي منفرداً عادةً، لكنه داخل جماعة دينية تعبئه عنفاً وكراهية. هو ليس أكثر من رصاصة قاتلة تنطلق من فوهة بندقيتها. صحيح قد يقوم بعملياته الانتحارية تحت لافتة الذئاب المنفردة، غير أنَّه يخضع لخطط التنظيم كالكائنات الآلية التي يتم التحكم فيها عن بعد. والفكرة هنا ستطلعنا على حس الجماعات التكفيرية، ومدى تأثيرها على الفرد. فأيُّ فرد لا يصبح بين يوم وليلة تكفيرياً، هو عنصر ضمن " حزمة بشرية " ناسفة تصنعها كتلة لاهوتية ذات طابع جمعي.

ومن ثم فالجماعة الدينية قاعدة مفارقة تحدد آفاق الأفراد وطرائق التعامل إزاء الأغيار. وهي في هذا تنغلق على أصحابها بلا رجعةٍ، وتتعلق بمجهولات تخصها اعتقادياً واجتماعياً وزمنياً، بحيث لن يدرك مَنْ بالخارج كيف يطرق أبوابها. لأنَّه لن يُفتح له إلاّ بحسب قوانينها، كما تعلق وعي هؤلاء القبعين داخلها بالزمن والمعرفة الخاصين بها رغم تغيرات التاريخ. ومن جانبها تقسم العالم إلى جغرافيتين، عالمين، حياتين، فريقين متناقضين(نحن وهم).. إلى أخر التقسيمات.

يُخطئ كل الخطأ من يظن أنَّ الجماعة الدينية تبدأ من الممارسة، إنها سياج ميتافيزيقي قبل كل شيء. فلئن كانت الجماعات البشرية تنطلق من متطلبات حياتية نتيجة المصالح المشتركة، فالجماعة الدينية تمثل عنق الفكرة المثالية، إنَّها تجسيد مادي لجوهر ليس لها، يطلقون علية الايمان أو المعتقد. ونتيجة الطقوس والشعائر تترسب عناصرها الأخرى في جوف بنيتها ضامة الممارسات التالية.

وحدها الجماعة الدينية تهبط من أعلى إلى أسفل، لأن الفكرة تقدها على مقاييس غير واقعية. وتوجد هنالك في اللا مكان حيث احتشاد المشاعر والأحاسيس والعواطف، مما يجعل عناصرها غائبين عن الواقع، ويعيشون في أصداف فضائية هائمة يعتقدون أنها اليقين التام.

لعل الجماعة الدينية – بغيابها عن الحياة- تمثل قبراً متحركاً ينقل أجداثاً أينما ذهبت رغم أن سكانه أحياء. وما أكثر القبور المتحركة في الثقافة العربية الإسلامية والتي لا نشعر بها إلاَّ مع الكوارث السياسية وأعمال القتل. لأنه أصحابها فجأة يشعرون بأن هناك أناساً غيرهم يعيشون على الرقعة المسماة بالحياة العامة. فالإخوان والسلفيون - مع التحولات السياسية - احتاجوا الناس لدى صناديق الاقتراع. وأخذو في الظهور على قارعة الدولة التي هي بوابتهم إلى العالم. ورغم تخوفهم من الديمقراطية إلا أنهم انخرطوا بدوائرها مؤقتاً ليظفروا بخرافة فكرة الجماعة التي تمهد لالتهام الدين والدولة معاً.

إن السلفيين أو الإخوان أو غيرهم يعلمون تمام العالم أنهم يهادنون الديمقراطية للانقضاض عليها والفتك بمؤسساتها. وهم لا يدركون أن الديمقراطية توجد أولاً لكشف ألاعيبهم وأنها لقادرة على إظهار نواياهم المعلقة كتمائم على جوانب الممارسات العامة. ولئن كان ذلك يوضح شيئاً، فإنه يعرفنا ازدواجية الجماعات الدينية من جهة كونها تنظيما لآليات العمل السري وفي الوقت نفسه يتم اعدادها وشحذ أسنانها لهضم ما تأكل من خارجها.

الجماعة بالمعنى السابق بمثابة بذرة التكوين الديني البديل للمجتمعات إذ تعيش بين جنباتها. ومثلها مثل الكائن الغريب الذي يتضخم متغذياً على قدرات سواه. ويظل ينهش في تلك القدرات حتى يمتص وجودها لصالحه. ولذلك تهدف كل جماعة دينية إلى فكرة التنظيم السري (المخصوص به أهله) حكراً على تراتب وظيفي بعينه. وكلما كانت المجتمعات تتوافر على فراغ فكري وثقافيٍّ، امتدت الجماعة الدينية عبر تلك المناطق وتوغلت، إذ تملأ الفراغ كبديل ليس مؤقتاً ولا مشروطاً إنما كوجود جذري، تأسيسي.
وهذا نتاج عدة مستويات من الاعتقاد الميتافيزيقي العنيف:

أولاً: الايمان المطلق absolute faith، الآخذ في التجسد عبر أشخاص وعلاقات ومظاهر وحياة مستقلة. ولدى الجماعات الاسلامية يكون الاختيار الالهي ممزوجاً بإمكانية الخلاص اليومي والتاريخي. والجماعة من جهة كهذه تماثل الفكرة الصهيونية القائمة على الاختيار الالهي لشعب بني اسرائيل. لكن لدى الإرهابيين يبث في وعيهم أنهم هم الاصفياء وعليهم تكملة المشوار تحت عين الله بتقديم أنفسهم للجنة ونعمائها.

الخلاص اليومي يكون من المعاصي كنقيض اخلاقي للمجتمع الأعم. فيتهم المتطرفون مجتمعاتهم بالخروج عن الشريعة وأنَّ أفرادها ينهمكون في الذنوب والقبائح والفسق والفجور. وبالتالي يقابلونها بالتحريم في البداية، تحريم الفنون والاختلاط والعلاقات مع الأغيار ثم ينتهي الأمر بالتكفير كوسيلة ردع من العيار الميتافيزيقي القاتل.

ليس أمام المتطرف إلاَّ أن يزج بالناس العاديين تجاه الله مباشرة. لأن دراما المعاصي هي نصْب محاكمة ميتافيزيقية في قلب الحياة اليومية بما يشوبها من تفاهات. ويظل يلح على تفسيق المجتمع حتى يخضع لما يقول. وهذا يفسر ليس فقط ما يفعله، إنما يوضح العنف الاخلاقي في الخطب الدينية.

ولعلنا ندرك كون الارهابي ينخلع عن واقعه بنظرة أخلاقية تمثل الهوس اليومي بالازدراء، ولذلك كثيرا ما ينخرط عبر خطبه الدينية في نوبات اللعن المتواصل للحياة والناس والظروف والأفراد والكفار. واللعن هو الحيلة الدفاعية عما يفعل ويرى أنه يحتاج إلى تبرير. ولو امتلك مستمعوه عقلاً يقظاً لقالوا أنت لا تختلف عما تلعن في قليل أو كثير. بل الأولى بك أن تفهم ما هو الواقع حتى لا تقول ما انت قائل.

أما الخلاص التاريخي فلكون الإرهابي يتشبث بالفكرة التي تحشو دماغه. فكرة أنه يجب أن يعيش في زمن غير هذا الزمن، ومع أناس غير هؤلاء الناس، ويمارس طقوسه وشعائره بشكل أفضل مما يعمل الآن. وبالتالي فأي تقصير منه أو فهم خاطئ لن يكون مصيرهما النظر إلى نفسه، بل إلى ضباب التاريخ، الذي غيب من هم أولى بالحضور إلى جانبه أو كان هو أولى بالحضور إلى جانبهم.

والدعاء المتواصل" اللهم احشرنا في زمرة الصالحين والمؤمنين..."، فليس يعرفه تمام المعرفة. لأنَّ المؤمن يفترض أن يسئل مسؤولية تامة عما يفعل، وعندما يُضم إلى سواه فليس ذلك إلاَّ لتوثيق إيمانه. ولئن كانوا هم صالحين فماذا عنه هو حصراً. ألم يكن الأجدر به أن يكون هو على قدر صورتهم إن وجودوا حتى يحقق ما يريد. لكن نفس الدعاء يكشف عن الخيال الجمعي الذي يدعوا للاحتشاد كفكرة عنصرية دينياً بمنطق السياسة.

ولذلك إن وجد المطلق الجمعي في واقع ليس أقل من تسيس الحشود باسمه، فأخطر شيء أن يتحول المثال إلى شيء، هو في تلك الحالة أشبه بالذخيرة الحية التي ستنفجر خلال أية لحظة. وما لم يخضع للشروط المادية لإنتاج العلاقات والوقائع المادية، سيظل يهدد الواقع نفسه. ولذلك تحرص الجماعات التكفيرية على غرس هذا المثال بصيغة رفض أحوال المجتمع وطرائقه في الحياة.

ثانياً: الماضي السحري magic past.. هو الحنين العنيف إلى الزمن الأول في الديانة ومجتمعاتها. وهو قائم على تقسم التاريخ بحسب الشرور المتواترة من عصر إلى عصر سيكون المستقبل فيها أسوأ من الماضي.

والفكرة هنا وليد اعتقاد ديني بأن الزمن اللاحق أسوأ من الزمن السابق، وأن الخير كان في بداية الأجيال المؤمنة الأولى بينما سيقل الخير ضمن الاجيال التالية. لكن السؤال: ماذا يؤسس هذا الاعتقاد؟ إنه يدفع الفرد إلى الاحتماء بالجماعة الدينية المؤمنة مهما تكن مزاعمها صحيحة أم كاذبة!! ونتيجة تربيتها اللاهوتية المتواصلة لن يستطيع الفرد الافلات من أحبالها التي تلتف تدريجياً حول وعيه وعقله وأحاسيسه وخواطره وجسده.

والجانب السحري في المسألة أن الفرد يسير في حياته بتأثير غيبي تجاه تلك المشاعر الجمعية. حيث ينفصل عن الحياة ويبقى أسيراً لما شحن به من تصورات وأخيلة ماضوية. ويصبح الماضي في المقابل قوة خفية تحل جميع المشاكل في الواقع. ورغم تطورات الحاضر وأكثر منها مستقبلاً إلاَّ أن الماضي جاذبية تخترق جميع ذلك، وتلصق المؤمنين بها. لدرجة أنهم لا يشعرن بالزمن ولا بوجود فوارق حقيقية بين مراحله. لمرة واحدة لا يكون هناك أي تغير، من هنا ود الإرهابي اللحاق بالمجاهدين الذين سبقوه على ذات الدرب الضارب في المعارك الجهادية الغابرة وممتدة إلى الآخرة مباشرة.

ثالثاً: الطهرانية puritanism... هي صفة قداسة تحل باعتقاد فوقي في جسد الجماعة. وتلك الصفة خلاصة للمطلق والماضي السحري، لأن الطهارة تتحقق بمستوى الالتزام الديني بتقاليد وطقوس تكفل النقاء الجسدي والروحي. ولا يخفي على المتابع بكون الجماعات التكفيرية تجعل العبادات وأساليب الجهاد مقترنة ببعضها البعض. بحيث يتم الربط بين الخلوص الروحي مع طهارة الاجساد والاستعمال الدموي لها في المعارك.

وبعملية استبدال بسيطة يصبح الطهر مرادفاً لازدراء الجسد، ليس ثمة مكافأة للتخلص من الجسد من تفجيره وسط الكفار. بل قد يصبح الطهر مضاعفاً، لأن الارهابي يعتقد أن خلاص الكفار وتطهيرها لن يكون إلاَّ بالموت. أي يوكل أمرهم – كما يعتقد- لله، وليس عليه إلاَّ أن يضغط على زناد حزامه الناسف.

والجماعة عند أعضائها تجسد الطهرانية في مستواها العيني. ولهذا تعد كل جماعة دينية مقدسة، فالإخوان لم ينظروا إلى مرشدهم إلاَ من خلال هذا البعد. حيث يحملونه أفكاره ذهاباً وإياباً مما رسخ لديهم عبودية قميئة لا في الآراء فقط بل في السلوك والدين أيضاً. وكم من مرة تحدث في موضوعات تافهة ثم يصبح كلامه مصدقاً لدي كافة القواعد الاخوانية.

التقديس ليس سمة في هذا الإطار، لكنه نظام يحكم علاقات الجماعة وطريقة تفكيرها، فالسمع والطاعة جزء من التقديس وهو على صلة وثيقة بالطهرانية. وفي الثقافة الشائعة يطرح الصدق في الأقوال كمقابل للطهر. وكأنَّ الكذب نجاسة تلحق بالكاذبين. وهذا الأسلوب يعمم على أغلب القضايا لدرجة أن خطباً تشيع وسط الجماعات يتم اعتبارها نصوصاً مقدسة. ولا يغيب عنا كون الثقافة الاسلامية تكرارية تسير بطريقة عود على بدء. والاستحالة هنا تبلغ درجة السخرية، لأن الجماعة هي الرأي الخطأ بقدر ما يرتبط الأعضاء بالمعتقدات الشائعة.

رابعاً: نهاية الحياة end of life... تحول الجماعات الدينية يوم القيامة بعنوان الموت إلى فعل ملموس. لأنهم في الحقيقة يحافظون على الجماعة كدائرة من الانتحار اليومي. والأمر أبعد من هذا، فالجماعة نفسها ضرب من الموت المتحرك كما أشرت. لأنها كتلة بيولوجية خارج التاريخ وبمنأى عن الحياة بمعناها الدينامي( بحسب نقطة: الإيمان المطلق).

والنهاية تمثل يقيناً في التعامل مع الآخرين، إذ تصبح نهاية لصالح المؤمن وبالطبع معروف من هو المؤمن من سواه. على أن يكون الارهابي قد تأكد من تمكنه من الآخرة بعد الله فيكون سلوكه عنيفاً. كما أنَّ الجماعة ترسخ لدية فكرة النهاية الفردية لكن بمنطق الكل، أي أنه سيكون من الأفضل تنفيذ عملياته حتى يضح حداً لدنياه من أجل النهاية التي تكون مضمونه مع جماعته.

وفي التفاصيل ستأتي نهاية الحياة بمعنى نهاية التاريخ، حيث يتوقف التاريخ لدى معتقدات الجماعة وتطورها. وربما الأدعية التي كان يكررها الاخوان بأنهم يتمنون أن يموتوا إخواناً ويبعثون إخواناً ولا يخرجون من الجماعة إطلاقاً لدليل على كون الجماعة هي العالم والتاريخ. وليس ثمة داع لمزيد من الحياة بعيداً عنها، بل تعد علاناً للإقدام على الموت إذا كانت هناك تهديدات تمس الجماعة.

خامساً: اللقاء الأخروي eschatological meeting ، اتخذت الجماعات الدينية الآخر بمفهوم تأجيل الدنيا والحط المتواصل من قدرها. رغم أنهم يعيشون حركتها ويغترفون من شهواتها. هناك الزواج المتواصل، المتعدد والمفرد، ناهيك عن جمع الثروات وغسل الأموال القذرة لتمويل الجماعة وعمليتاها وهناك الاستثمارات الاقتصادية في ميزانيات الدول وليست شركات كما هو موجود في الرأسماليات الغربية التي تسمح للإخوان بضخ اموالهم عبر شرايين الدولة وخدماتها.

لكن على مستوى الفرد ينخرط الارهابي نهاراً في شهوات القتل وسفك الدماء والذبح والسلخ والركض وراء الفرائس البشرية، وليلاً يطوف على زوجاته اللاتي أتين لممارسة نكاح الجهاد. إذن يظل الجهاد متواصلاً دون انقطاع. وفي تنظيم داعش كان النهار والليل مملوئين بهذه الأعمال التي لا تنقطع، وشاع تجنيد الفتيات من كل حدب وطوب لأجل هذا الغرض.

يعتقد الإرهابي أن كل هذا طالما في طريق الجهاد، فإن الله سيغفر له خطاياه. والسيناريو واضح في صورة استمالة الله مع الأقدار وأفعال الجماعة وذلك لإنجاح مسعاه في تطبيق الشريعة. حتى وإن افرزت دولة خرافية تقتل وتشوه جميع الناس المؤيدين والمعارضين.

بالنتيجة عندما ينضم أحدهم إلى جماعة بهذا التكوين، يدخل ماكينتها لتغسل دماغه وتعبأ مشاعره وتقتل احاسيسه تجاه أقرب الناس إليه، وقد يكفرهم قبل الذهاب بلا عودة. ويصبح كتلة ملتهبة من الكراهية تجاه أيٍّ من يقابله. ولن يسمع ما حوله ولن يشعر بما يدور ويتغير، فقد سكنته فيروسات التنظيم ومعتقدات القطيع... فقط ينتظر الأوامر!!







اخر الافلام

.. مخاوف من أزمة جديدة مع اقتراب الكنيسة الأوكرانية من الاستقل


.. من هو جمال خاشقجي .. صديق بن لادن ؟


.. دورات شيعية للميليشيات الطائفية في دير الزور بدعم من الحرس ا




.. حملة المرشحين لرئاسة البرازيل تستهدف الكنائس ومرتاديها


.. العلويون يغزون الفيلق الخامس الذي زعمت روسيا تشكيله..السيطرة