الحوار المتمدن - موبايل



نقد العقل الديني -3-

إبراهيم الوراق

2018 / 3 / 29
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


نقد العقل الديني

3

يتبع

لمحة تاريخية

وحقا، لم تكن هذه الأزمات إلا نتيجة حتمية لما يدبر كيانها من تفاعلات متناقضة بين ما هو حلم طوباوي، تنشأ عنه صورة تلك المعاني في الخارج الذهني، وتتولد منه مصاديق الوقائع المتراكمة مع التجربة البشرية بسبب مقاومة تأججت نيرانها بين الظاهر، والباطن، ومجابهة امتدت بين الطوائف الدينية سنين طويلة، ومقارعة اجتازت مراحل كثيرة في التقعيد، والتأصيل، والتفريع، وانتهت بامتزاج المقدس بالمدنس، أو الديني بالسياسي، وانسجامهما في بؤرة تضمن وحدة المشترك المتآلف عليه تنصيصا، واستدلالا، واستئثار الأخير منهما بالحضور الفعلي الملازم لآليات التسيير، والتدبير، والمصاحب للقدرة على الامتلاك، والاستيلاء، إذ يعتبر القوة النافذة في تطبيق رسوم العقيدة، وعلوم الشريعة، واليد المطيقة لأن تفل حد الشرور، والفتن، وتقمع سطوة المعتدين، والمتربصين، لأن تطبيقات الدين، والتزاماته التي أفضت إليها التجربة في مسار التاريخ المتراكم من عراك الإنسان مع ما يستجنه الغيب من قوى خفية، وما يضمره الحدث الخارق من تفسيرات ميتافيزيقية، يعتقد أن لها تأثيرا في ماهية كل الحقائق المادية، والروحية، تحتاج إلى سلطة حاملة لحقيقتها، وحامية لطبيعتها، وناقلة لمعناها، وحارسة لمبناها، إذ استمرار ذلك المعنى الإلهي في الكون، وبقاءه مطلقا في قضاياه المتجاوزة للمنطق، وقواعده في التفكير، لا يعتريه النقص، ولا يشوبه النقض، هو الذي يضمن صيرورة كثير من الحقائق المؤسسة لمفاهيم الاجتماع البشري، ورغباته في دوام الكينونة، وحماية الهوية، وحالاتها الاجتماعية، لأنه لا يمكن أن نفصل في بدايات تأسيس ماهية المجتمع بين هذا المعطى الذي يرسم لنا مثال تلك الحقيقة في الزمان، والمكان، وما يتصل بها من طبائع الأشياء المتناقضة النتائج بين عالم الإنسان، وعالم الملائكة، وبين ما تفجر عنها من معان جديدة، كانت سببا في تأسيس ما نعنيه نهاية بالدولة، وحاجياتها الذاتية، ورغباتها الطبعية، إذ فصل ما آلت إليه وضعيات ذلك عن تاريخه، واجتثاث بذرته ، واستئصال شجرته، لن يفسر لنا تفاصيل كثير من الحلقات التي امتدت عبر الزمن الطويل، وتطورت من نمط إلى نمط أرقى منه، ومن سياق إلى سياق أرفع عليه، يكون القديم فيه متجاوزا بعاداته السابقة، وتقاليده البالية، والحديث فيه مرغوبا بحالاته الشعورية، وما انطوت عليه من تصورات، وقناعات. ولذا، فإن استيعاب ذلك، وإدراك ما فيه من تجارب متماسكة، واعتبارات متكاثرة، يهبنا القدرة على تحليل ما هو إلهي، وتفسير ما هو بشري، لأنهما وإن اتفقا في عصر من العصور على اختيارات معينة، لها اتصال مباشر بما يموج فيه من اندفاع، واستطلاع، فإن ذلك لا يدل إلا على حلقة شاردة في الزمن المتناسل، التبس فيها ما هو إلزام ديني بما هو التزام أخلاقي، ثم استحالا عنصرا واحدا، يتحقق به الإجماع على القصد المشترك، والغاية المسيطرة لاشعوريا على الوعي الذاتي، وهو ما يكسبه كل واحد من المصلحة المتواطئة على حد من الحدود في الأنصبة، والحظوظ.

ومن هنا، فإن بقاء تلك العلاقة المرتبطة بعالم السماء في عملية الاجتماع البشري، والحفاظ على ما يترتب عنها من تفاعلات على مستوى الأفراد، والجماعات، هو الوجه الثاني المعبر عن الإيديولوجية التي تفرض ناموسها على المجتمع لدافع من الدوافع الكاسبة للجرم المكاني، والحيز الزماني، والضامنة للاستقلال الذاتي، والسيادة بين الشعوب، والهيبة بين الأمم، إذ ذلك ما يمنحها مظهرا بارزا في الحقيقة، وملمحا كاشفا لها بين الموجودات المتفاعلة في مصالحها الضرورية، لأن بناء سياق خاص بالتجربة الأكثر استعدادا للقاء مع التاريخ، والإنسان، ولها فعالية في الواقع، يفرض وجود ناموس تنتظم به الكليات الجامعة لمعنى الكيان المادي؛ وسواء كان ذلك مرتهنا بجهوزيته الذاتية، أو بصلوحيته للتقابل مع الآخر المواجه له في الرغبة، والغاية، إذ ذلك مما يؤسس لهوية موحدة في المنطق، والإرادة، تضمن معنى الاستقلال في الشكل الخارجي، والانفعال في بؤرة تحددها أنماط معينة في العقيدة الدينية، والأخلاق الاجتماعية، والتجارب السياسية. وذلك ما يقتضي أن تختارها طواعية، أو أن تلتزمها بعنف الرغبة المزدوجة الملامح، لما تضيفه إلى النسق من مهابة، ومكانة، لاسيما إذا ارتبط به حق الوجود في السياق، واتصل به ما يحدد مفاهيم البقاء، أو الفناء، ويقيد حرية الإنسان في كسب مرام غرائزه، ونزواته، وانتقاء أنماط علاقاته التي تصله بذاته، أو بغيره.

وذلك ما يستوجب أن تسخر في قصدية هذه الرغبة كل الوسائل الضامنة لجوهرها الذاتي، وأن تعبد في سبلها كل الطرق المؤدية إلى كشف حقيقتها، وإخراجها إلى العالم المرئي؛ وهي كل ما يمكن أن يكون سببا للاستبداد بالقيمة الذاتية، أو الميزة التاريخية، أو المرتبة الاجتماعية، وسواء أعرب على ذلك ما تظهره من صرامة في تطبيق رسوم الدين، ونظرته في الملكوت الإلهي، أو ما تخفيه من ترهيب في إخضاع المجتمع لنمط يحدد جنس الذائقة الأدبية، ونوع الحاسة الأخلاقية، وهو الناطق بلازمه عن قضية الانتماء إلى مساحة مجردة على بساط الأرض، والبارز بلاحقه فياة تنبني عليه قصة الانتساب إلى فكرة معينة، يتشكل بها المظهر العام عبر صراع التاريخ، والإنسان، أو أفصح عنه ما أنتجه الفقهاء من تأثيل للفروع التي ترسخ حدود هذه المبادئ في الصورة الذهنية، وتوطد لحركية هذه المفاهيم في حيزي الزمان، والمكان، على اعتبارها مثالا للحقيقة المجسدة للنيابة عن الإله في كون الإنسان، والمعنى الذي تقوم به جواهر الأشياء في لوحة الوجود المتحدث بلا نهاية، لأنها لم تقم في عملية الانتساب إلى دائرة معينة بين مكونات المجتمع المترابط بقيم تتوافر به الحاجيات، والكماليات، إلا بدور الوسيط الذي يصل بين العوالم البشرية، والأكوان الإنسانية، إذ لا يمكن لذلك التواؤم بين القصدين المتنافرين الأعراض، أن يحدث في محددات كل واحد منهما، ويلتزما بصيرورة معينة في التحكم، تتحدد بالتفريق بين ما هو مستوجب للظهور من قناعات الداخل، وبين ما هو مستلزم للاختباء في دلالات الخارج، ما لم يكن وجه الفعل متحدا على مساحة معينة في التقدير لحقائق الخفاء، والجلاء.

ولهذا، فإن ما حدث من فرق بين السلطة الروحية، والمادية، وما انعكس من ذلك على مرآة الروابط المتفاعلة بين كل مكونات الكيان الكلي، وما لازم ذلك من اختلاف في حدود المعاني الموجهة للصراع بين معايير الحقائق التي يندفع إليها اللاشعور الباطني، والوعي الخارجي، ومقاييس الرغبات التي تتأسس عليها القواعد الأخلاقية، والاجتماعية، لاسيما بعد بروز خِطط عديدة في كيان الدولة، واختيار ما يناسبها من وسائل تستخدم في كسب الحماية للذات، والرعاية لطبيعتها اللابسة لثوب شهواتها المكبوتة في الأعماق، والأذواق؛ ولو دانت بالمطلق بطرق دقيقة، وغالت في طمس بشرية الإنسان لطهرانية مزعومة، تكون هي الإشارة الأولى المعبرة عن مضمون الرسالة، ومحتواها المطلوب قصدُ تمكينه، وترسيخه، إذ بعد ظهورِ مظاهر ملتبسة بما انطوى عليه وازع الصراع بين المنطلقات والنتائج في القيم النفسية، والسلوكية، تكاد تتسم في جدة خطابها بعلمانية تفصل بين الحدود المنطقية التي تنضبط بها قواعد الممارسة الدينية، والسياسية، والثقافية، والاجتماعية، ولو لم يكن ذلك الانفصال الذي يفصح عن تباين صورة الدين البرانية مع معانيها الجونية مُبَيِّنا لما يعانيه العقل من ألم الاختيار لأحد النسقين؛ وهما سيان في وفرة المكسب المحصل عليه، وغزارة ما يلتبس به من وسائل الدعة، والرفاه، لأنها ولجت تحت تأثير المستحدث أو المبتدع عوالم التخصص المقيد لفاعلية الجماعة، وحريتها في إتمام ما اهتدى إليه كل فرد من وظيفة تغذي حلم البقاء، وتنمي أساليب الرفض لما هو مخالف لقانون الاستقرار، والاستمرار، وإن كانت الغاية من قيام دوره، وكسب نتاجه، هو تحسين وضع الحياة الإنسانية، وتلطيف ما فيها من أجواء تنفث سموم الأنانية، وأصلال الاستعلاء، لأنها الغاية التي ينشدها الكائن العاقل من هذا اللقاء الحاصل بينه وبين ذاته، وبينه وبين ما يحيط به من عوالم غامضة، يسلتزم القبض عليها كل ما يُبذل في سبيلها من جهد مضن، وكد مقلق، وسواء ألبسه ثوبا لائقا بعرس سمائه، أو مرغه بين وحل عقله المحترق بتسارع نزواته في الاستيلاء على ما يشفي أورام إحساسه بالعجز، والنقص، إذ التعبير الأوحد الذي ناجتنا به قوى الخفاء، وخاطبتنا به في رسومها المعلنة، والصريحة، هو ما نشعر به من يقين في أن ما نطيق أن نكسبه بسهولة، لا نعود فيه إلا إلى طريقة وصولنا إليه، وبلوغنا إلى ما فيه من مكنون الأسرار؛ وهي كل الوسائل المتعقلة بالوجوديات المادية، والموجودات المتعارضة في الصيرورة المقبولة، وما لا نمتلك القدرة عليه، فيبقى في طي الرغبة المنتظرة لحدوث خلل ما في الناموس الذي يربط بين الأشياء بلا اختيار منا، فيصير الممنوع وجوده ملموسا في جسه، أو في اللذة التي تظهر فيما يضيفه من بهجة إلى الوجه، وبسمة في الفم، ومسرة في القلب، وانشراح في الذات.

وهذا ما يمنح كل واحد في صراع الإرادات استقلالية تضمن تداخل التخصصات في وحدة الكيان الجمعي، وتقابلها في عالم نسبي، يستهدف غايةً في الاستقرار على نمط معين من الحياة الناعمة، والاستمرار على إيديولوجية حامية للكيان، وحارسة له من التفكك، والانهيار، وهو مسمى الدولة بكل معايير الاجتماع القائم فيها وضعُه بالتسامح، أو طبعه بالعنف، وهي بكل مقاييس الاستحقاق لماهويتها المجردة، تشتمل على كل الأنماط الإنسانية المواجهة لما يجود به ناموس الكون، ويدخره قانون طبائع عناصره المنطوية على خيراته، وبركاته، إذ لا يمكن لأحد أن يدعي أنه الوحدة التي نشأت منها هذه الكثرة في الاعتبارات العقلية، أو الجنس الذي تفرعت منه الأنواع في الطبيعة الإنسانية، ولا أن يرى ذاته قادرة على فعل كل شيء يستوجبه الاجتماع على رقعة معينة، ويتطلبه رغب الفرد في كل ما ينجز سعادته بين أمداء الوجود، ومدار الحياة. ولذا، لا قدرة لرجل الدين مع تطور هذه الترتيبات التي احتوت على كبد الإنسان في صياغة المثال الأعلى للحياة الفضلى، وانطوت على سر المعاناة في حصر المكاسب التي تبنى بها أسس الماهية المثلى، على اتخاذ ما يتنافى مع وضعه الاعتباري في سلم الطبقات التي يتشكل منها الكيان مهنة، أو حرفة، أو وظيفة، أو شغلا، أو فعلا خارجا عن دائرة الطهارة المحددة بأوضاع معينة، والمقيدة بعادات مغروزة في العقل الباطني، لكي يكون رأيه فيها هو الأنجع، وقراره هو الأنفع، لأنها تخرج عن حيز تخصصه، وتعلقات دوره في المراتب الاجتماعية، إذ هي علاقات منتظمة مع سياق لا يُكسبه القوة على تحديد قصديتها المتآلف عليها بين رغبات تستبطن المصلحة في تفاعلها، وانفعالها، إلا في حدود العناوين الكبرى التي تعرب عنها الكليات المؤسسة لماهية الهوية الجماعية المشتركة، وتفصح عنها الخيارات الدينية، والاختيارات الثقافية، وتوضحها كل الممارسات التي تنجلي في السلوك الخاص، والعام، إذ ما انطوى عليه التخصص من قيود، وما اتصل به من حدود، قد وضع مدارا لكل سلطة، وشروطا لازمة لامتهانها، وظروفا خاصة بمزاولتها، ومهما اصطبغت بالدين، أو بما تعارف عليه المجتمع من تقاليد، وأعراف منظولرة بعين التقديس، لأنها اعتبار كلي، وموجه معنوي لكل القضايا المشكلة للوجود على رقعة جغرافية، لها خصوصياتها العرقية، واللغوية، والثقافية.

ومن هنا، صار الفصل بين المراتب ضابطا يحدد نوعية الصلات الاجتماعية، وما ينشأ عنها من استجابة في صراع المثل بين الخاصة، والعامة، إذ يميز كل فئة مجموعةٌ من القيم التي تثبت الوجود الفعلي داخل هرم المجتمع، وترسخ لمفهوم أخلاق الرعاية، وما تقتضيه من نظريات تلبي حاجيات الأفراد والجماعات في الحرية، والعدالة، والمساواة، لأن تمام الانتماء إلى المشترك المحدود بتحقيق قضايا ائتلافية في صوغ كنه للمادة، ومدار للروح، هو الذي يفرق بين دور المثقف، ورجل الدين، والسياسي، والحرفي، وغيرهم، ويرسم لكل واحد شخصيته المجردة في التنظيمات المتآزرة، إذ كون كل واحد له خصوصيته المميزة له عن غيره، قد أدى إلى الفصل بين المجالات التي تؤسس لكلية الدولة، ومكوناتها، وماهيتها الهوياتية. لكن، تناسى الفقهاء ذلك الدور الأول في التقويم لفعل السياسة، والتسديد لمسارات العلاقات الاجتماعية، والروابط الثقافية، والصلات الأخلاقية التي تجمع بين طبقات المجتمع، وانحاز في النهاية إلى تسويغ الممارسات المخالفة لمقتضى العهد الذي تواطأت عليه المؤسستان (الروحية، والمادية) بعد حروب شرسة، وانجر إلى التفاعل مع ما هو موجود واقعا، ولو لم يكن له سند في التجربة الأولى، لكونه يحمل في عمقه إغراء، أو إطراء، يقود إلى تأسيس مناطات أخرى في التعامل مع النص، ومع المكلف به على جهة الإلزام، يتحقق بها ما يسوغ مظاهر الجدة التي تقتضي السعة والمرونة فيما هو مندرج بين مساحة الفراغ، أو العفو، ويبين منطقة الاجتهاد في تحصيل الحكم الشرعي، وتحقيق مناط علته الخفية، والجلية.

وذلك ما أحدث الفجوة بين رجل الدين، وبين ما يتكون به هرم المجتمع من صلات، وصفات، وإن أبان ذلك عن عدم امتزاج الأمرين في بؤرة رجل السياسة، لكونه لم يحتج في كثير من مواقفه إلا إلى عنصر القوة، وهي المالكة لكل مسارب الرأي، والقرار، إذ كل واحد منهما، لم يقم في تاريخ البشرية إلا بصوت المظلومين، والمحرومين، والمنكوبين، ولم يكن له سوط الإنكار إلا بسطوة الحشد الملتف حول دائرته، والمجتمع على رغبات محدودة في الأهداف، والوسائل، والغايات؛ وهم كل البائسين الذين تجمهروا حول دعوات التحرر، والتحرير، فكانوا قوة فاتكة في تاريخ الإنسانية، و كلمة مزلزلة للقلاع المشيدة بدماء البرءاء، والشهداء. ولذا، لا نكاد نجد دعوة تقوم بوظيفتها في المجتمع البشري، وتتغيى وفرة الجماهير، ما لم تتبن هذه الغاية الموجهة لمصير الإنسان، ومسيره بين مشاعب الحياة المتعددة، وتتحلى بتلك الرغبة التي تؤسس لقيم مصارعة غيرها على حصة الوجود، والفضيلة، والسعادة، لأنها بمقدار ما تتكاثر أعداد أفرادها، وتتعاظم حميتها، وتتفاقم أثرتها، تستطيع أن تكون مؤثرة، وفاعلة في الآخرين، ودافعة بالمجتمع إلى التفكير في المصير الموحد، ومحققة للانتصار على القوى المعادية للحوزة، والكيان.

ومن ثم، لا يمكن الاستغناء عن هذه العلاقة الجدلية بين صورة الفكر، ومادته المرتبطة بحواضن أخرى في التأليف الاجتماعي، تتفق لزمن، وقد تتنافر لمنافع مكتسبة، ومضار مستبعدة، لأنها تقيم حبل الوسط بين تطرفين، وهو القادر على أن يحدث تغييرا في بنية الأشياء، وطبائعها المختلفة. وقد يكون مع الزمن يمينا، أو يسارا، وذلك على اختلاف الدور بين حرص المتغلب على مركز القرار، وحرص الباحث عنه، إذ حد الوسط الذي ينظم الأشياء المتناقضة، هو الذي يحكم ولادة التطرف، ونشأته، ويقضي عليه بإحدى الوجوه المستغلة، لكي ينجب من عمقه تطرفا آخر، يحتاج في ديناميته إلى وسط آخر، يكون هو المحرك لعجلة رغبات الإنسان، وتطلعاته إلى ذلك الغد المأمول.

وهكذا، لا نكاد نتصور وسطا حقيقيا في عملية الاجتماع على قيمة مشتركة، تكون إفرازا حقيقيا لجدلية الصراع الطبقي، وأساليب تفكيره، ووسائل سلوكه، ما لم نستوعب ناموس اللعبة القائمة بين المطالبين بحق الإنسان في الحرية، أو المدافعين عن مصادقها في السياق العام الذي يقوم به المجتمع البشري، أو في النظام الذي يبنى به نسق السلطة، إذ لا يمكن أن ندرك وسطا حقيقيا بين ناقضين متلازمين، ما لم نعرف مم نشأ ذلك الوسط، وما هي ممهداته التي أخرجته إلى الوجود، وما هو استشراف انتظاره ، وكيف يحاول أن يصل إلى بغيته المرجوة بطلب موصول، لأن معرفة ذلك الترابط بين الفكرة، والشخص، وبين الشخص، والغاية، وبين الغاية في الفرد، والغاية في الجماعة، هو الذي يفسر لنا آليا مم يتكون اليمين، واليسار، وكيف يتحقق ظهورهما، وخفوتهما، وصعودهما، وهبوطهما، وكيف يكون قوة، أو ضعفا.

ولذا، لم يستوعب رجال الدين هذه المعادلة الصعبة بين الفعل المنجز للحدث الموجب، والفاعل، وبينه وبين الانفعال الذي يكون أثره بالسلب، أو الإيجاب، فتحولوا مع طول التجربة إلى أحد الطرفين المتنابذين، وهم إما المحافظون على المكتسب الذي نالوا نصيبه في الحظوة، وإما المطالبون لحقهم في مبرات المكان، ومسراته، إذ كل واحد منهما يجسد خطابا معينا، يتناقض مع الآخر، لوجود ثنائية في الأشياء المطلوبة لذاتها، أو المرغوبة لما تدل عليه من قيم في المبنى، أو المعنى، إذ لا وجود لأحدهما إلا ببروز الآخر، وظهوره كفعل حقيقي، وهو سببه في الحياة، وسره في البقاء، لأنه نقيضه الذي يتشكل منه في الحدود المتماسة مع بعضها. وهذا الخطاب المتصارع بالنقيض، والمتعاند بالضد، هو الذي يوضح لنا صيرورة العلاقة القائمة بين المجموعات البشرية، ويجلي لنا ما يكمن خلفها من خلفيات عقدية، وفكرية، ومذهبية، لأن مقتضى التكتل في بؤرة فكر معين، يستوجب شيئا يتم به تحديد الانتماء إلى هوية متميزة بذاتها، ولها استقلاليتها، ومركزيتها في إنشاء المصائر المشتركة، وسواء كان ذلك الناظم دينا له رؤية إلى كل رغبة في الإنسان، والطبيعة، والكون، أو كان ثقافة تتراكم من معاني اللغة، أو العرق، أو الجغرافيا، أو كان حكاية تنتهي إلى رمز من الرموز التي تدل على كيان له جرم وحيز في الزمان، والمكان.

وهكذا، فإن محددات الحقيقة في نشوء التكتلات، وبناء التشكلات، لا تنتسب إلى حقيقة واحدة، تكون هي الدين وحده، وكفى، وما بعدها يكون ثانويا في الحصر، والتقدير، إذ لا يحق أن يسمى مراح قوم محلا للاجتماع فيما بينهم، والتآلف عليه حول قيمة معينة، ما لم يكن الإنسان حاضرا فيه بكل ما بين دهاليز عمقه من خير، وشر، وصلاح، وفساد، لأن ذلك، هو ما يركب جوهره المتسم بروابطه المنسوجة من وظائفه العلمية، والعملية، ويمنحه صورة لها حدود في عالم الموجودات المتقاربة الملامح، أو المتنافرة المطالع، ويجعله قادرا على استغلال أرض من الأراضي الذي يأنس بالسكن عليها، والعيش بين أمدائها، ووجيها في استعمال كل قواه للمحافظة على حوزته، والالتزام بكل ما يجعلها قائمة، وممتدة في الوجود، ومستمرة في الشهود، إذ هو بدون أن يشعر بهذا الشعور الممتلئ بالسرور، والحبور، والمتناقض في نياته، ورغباته، لا يمكن له أن يصير قوة مهابة، ترهبها الأقوام الأخرى، وتخشى من جبروتها، وقهرها. ولذا، لا يحق لنا أن نقيس ظاهرة الاجتماع بما يقع في الغابات من تطاحن حول القوة المجردة، وتحاربٍ حول مرتبة الأقوى الذي يطيق بشدة افتراسه أن يكون حاضرا بلا غياب، وقابضا على الزمام بلا منازع، لأن انتقال الصورة من ذهن البداوة إلى عقل المدنية، قد شذبها بشيء من التهذيب، وصاغها في قالب إنساني، يسوغ التآلف على حقيقة واحدة، لا تتأثر بالنزعات الأصيلة في الكائن العاقل، ولا تتغير بالظروف الاجتماعية الممكنة، على اعتبارها ضرورة في تجسد الماهية، وما يلتزم بها من هوية، إذ هي في سابق عهدها، لم تختر الاستقرار وجهةً لرغبتها، ولا غاية لكبدها، بل كانت تبحث عن الكلأ والعشب بلا ارتباط بالأرض، ولا التصاق بالمكان الذي تتقرى عليه القرية، وتستوطنها بأمل البناء، والنماء، ولكنها في طورها الثاني، لم تطلب القرار فقط، بل طالبت المكان بالامتداد في الزمان، لكي يكون لها تاريخ، وحضارة، تحقق سعادتها في حيز تختاره، وتقيم عليه مواسمها، وأعيادها، وأعراسها، وأقراحها، ومآتمها، وهذا ما جعلها تحارب المستحيل من أجل أن تبقى لها صولتها المقاومة لشراسة الطبيعة، وقساوة أحداثها الفاتكة، والمواجهة لكل طارئ تخاف عواقبه، وتهاب مآلاته، إذ لا يجوز لها أن تعيش الأمن في محل يغشاه الخوف، ولا أن تحيى بما تتصوره من قوة على الكسب المطلق، وهي ترى كيف تربك الأقدار غايات الأفعال في عالم الحس، والمعنى.

وإذا كان الصراع نتيجة جدلية لوجود وسط يمكن له أن يكون بديلا عن الطرفين عند زوالهما في عملية البقاء للأصلح، وتولد التيارين من تأويل الرغبات المتفقة على حد من الحدود، فإن ما مر معنا من تجارب بشرية، كانت محط نظر في التاريخ الإنساني، قد أدت إلى إفراز صيرورة مشتركة بين رجال الدين، والسلطة، على اعتبار تلك العلاقة وسيطا يحكم على وفرة الظواهر التي تعتري الديار الملتبسة بالنقائض، ويقبض على صولة الإنسان الذي ينشد طلباته في حياته، ويطلبها مما هو في طاقة الإمكان، ودارة الممكن، فإن رجال الدين، قد غدوا مع طول التجربة في لعبة السياسة يمينا أو يسارا، فأحيانا يوالون هذا الطرف، وأحيانا يتبرأون من ذاك الطرف، وأحيانا يترنحون بينهما، لأن ما يتوالى من أحداث متصارعة، هو الذي يسوغ تناقض الآراء من فترة إلى فترة، إذ المصلحة تختلف من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، وإذا اختلفت أسبابها، وعللها، تنوعت مظاهر التعامل معها، لاسيما إذا كان سلم الوصول إليها يحتاج إلى مطلقات غيبية، تذلل الطريق، وتوضح الغاية، لأن محصلات الصراع الذي دار زمنا مع المكلفين بتنظيم الحياة بمحددات القهر، والقوة، لم تنتج في نهاية دمويته إلا تآلفا معينا على مصلحة مشتركة، وهي رعاية العقيدة، وحمايتها من شوائب التحريف، والتزييف, وصيانة الشريعة من بدع المضلين، والمبطلين. ولا غرابة إذا توسعت في إدراج كثير من القضايا الحياتية في مسماها، لكي تضمن تفسيرا لما يموج به الواقع من أحداث بذلك النظر الفوقي، وهو نسبة كل شيء إلى الإله أصالة، إذا كان خيرا، وإلى الإنسان إذا كان شرا.

وهذا التوسع قد أفضى إلى اعتبار كل شيء يجوز له أن يندمج في ناموس الكد البشري، ويندرج في قانون الصراع بين القوى المتحاربة على المواقع الاعتبارية، ليس موقعه عالم الأرض الذي هو محل للبسه، واختلاله، بل هو مرتبط بالسماء التي حدث اليقين فيها بأنها جميلة، ولو كان متجليا فيما يحدث من غلاء، ورخاء، وشدة، وبلاء، إذ انطفأ صوت المعارضة لما هو خارج عن نطاق العقيدة الحقة؛ وهي تمييز حدود الخفاء بما ينجلي في حقيقة الجلاء، كما زال دور الوسط من القيم المعرفية التي تؤسس لبناء ثقافة المركب الجمعي، كما زال المعنى عن كثير من المعاني الموجهة لأدوات التفكير العقلاني، لأن العدو المتربص بالدائرة المحددة انطولوجيا بالأرض، والتاريخ، والثقافة، هو الإنسان الذي أراد أن تكون له ضمانات في سربه، ورزقه، وحياته؛ وهو كل مقهور يصر على أن يطلب ما هو حادث في مساحة الجلاء، إذ عيشه مرتبط بها، ومتصل بما في مكنته من تعقل، وتبصر، لا بما تخفيه الطبيعة من نظامها، وتضمره من حقائقها، لأن ذلك مرتبط بسلطان العلم الذي لا يتفاضل فيه الناس إلا بالاستكشاف، والاختراع، لا بمقتضى الادعاء للمعرفة المتشكلة من المطلقات الغيبية، والأنانيات المستعلية، إذ ذلك لا يتأتى دوره إلا في المجتمعات المتخلفة، والثقافات المتدنية.

وهنا ينتج جو مشحون بالأحكام المتفاوتة بين الرفض، والقبول، لأن مقومات الكيان الذي يضبطه توجه معين، تستوجب أن تكون هناك فرضيات فكرية، واحتمالات معرفية، تدعم هذا المبتغى، وتوطده واقعيا، وتحميه تدبيرا، وتسييرا، إذ يستحيل أن تبقى ثابتة، ما لم تكن قادرة على حماية حصون رغباتها، وقلاع غاياتها. وذلك ما تفسره كثير من الأدبيات التي تحدثت عن علاقة الإنسان بالنظام المرتبط به عقديا، أو إيديولوجيا، فإما أن يقبل ضمن الدائرة، ويصير واحدا من أفرادها، يجري عليه ما يسري عليهم جميعا، وإما أن ينبذ، ويغرب عن داره، ومحل تلاده، ومنشأ أحلامه، ومرفأ آماله، فلا تبقى له صلة بالأرض، وعلاقة بنسبه، ولو كان جسده من ترابه، ودمه من شجره، وعجينه من زرعه، وإدامه من شجره، ورزقه من ضرعه، لأن تفسير بعض الظواهر التي تقع في الجماعة، وتجتاحها بالفقر، والمرض، والجهل، إن أعيد الكلام فيها إلى عالم السماء، كان ذلك إيذانا باتهام كل من تحدث عن تغييرها بالمروق عن الجادة، لأنها قدر لا محيد عنه، وإن أعيد فيها إلى الإنسان، فإما أن نقول بأن ذلك نتيجة الذنوب، والخطايا، وهذا ما يجعلها قضاء، وحكما، وإما أن نقول بأن مسبب ذلك، هو الإنسان المستعلي على غيره بقوته، وجبره، إذ ما يوجد في كامن الطبيعة من خيرات غضة، قد يكفينا جميعا عند الائتلاف، ولا نحتاج معه إلى البحث عن بديله بذلة، ومهانة، واستعباد، واستضعاف.

ولذا، انتحى رجال الدين التفسير الروحي الذي يعيد كل القضايا إلى السماء، وينسب أخطاء الإنسان إلى انحراف يحدث في صلته بالعقيدة، والشريعة، ولو اقتضى ذلك أن يجرد الظالم من طغيانه، ويعرى المظلوم من كسب حقه في ناموس أرضه، ونظام طبيعته، لأنه إن لم يجر رأيه في هذا المجرى الذي يفصل بين ما يعود إلى القدر، وبين ما له ارتباط بالتفاعل الذي يحدث في دوائر متعاركة حول المصلحة الذاتية، أو المنفعة الجماعية، فإنه لا محالة سيصطدم بالتفسير المادي الذي يجعل القضية نتيجة حتمية للعلاقة التي تجمع بين المتآلفين على عقد اجتماعي، يصوغ كل العلاقات بلازم الاشتراك حول المصلحة العامة، إذ هو يرى ذلك الاختلال ناشئا عن سوء تدبير، أو عن تبذير لا مسوغ له فيما صاغه الإنسان من علاقة مع المطلق، ثم مالت عنه القصود بالأنانية المفرطة، والدعاوى التي يقيمها كل طرف على أفضليته، وميزة مرتبته. لكن، تجاوز هذا التفسير المادي، وغمس العقول في استخراج تفسير له من العالم الروحي، قد أوجد مناخا قابلا لتقعيد عقائد موازية لمهد ولادتها، وتأصيلها بما تضمنته آلية التأويل لمعاني النص الأبدي، وما يحتويه نظامه من عبارات، وإشارات، لأن القاعدة التي تقوم عليها التنظيمات الدينية في التاريخ الإسلامي، وترتكز عليها في استحقاق دور الموجه إلى حقيقة الإله، هو إعادة كل شيء إلى أصله المكتوب على لوحة الأزل، والمنقول إلينا عن طريق النبوة، والرسالة، إذ تفترض وجود كل شيء في مبدأ الدين، وكلياته الماهوية، ويستلزم ذلك أن يكون ما تفهمه منه شارحا للكون بشقيه المادي، والروحي.

ومن ثم، يغدو القول بتدخل السماء في قرارات الإنسان المتصلة بحياته، وما يتفاعل في أعراضها من بنى عقلية، وقيم معرفية، وقوانين أخلاقية، أمرا ضروريا في عملية صياغة العقل الديني، وصناعة مداراته التي يحلق حولها بآماله العريضة، لكي يتم بوساطته تفسير الحقائق التي تنشأ من تقابل الإرادات المتفاوتة، وصراعاتها حول تحديد المصلحة، وتقديرها، وتدبيرها، إذ هو المسلك الذي يريح الجانب، ويبعده عن الانتقاد الموجه إليه، وإن أضمر في غوره لغة الاحتجاج التي تبدو عند الرضا اهتياجا بالشوق إلى ما يُكسب من متعة، ولذة، بل هو الذي يبقي الصيرورة متحكمة في نتائجها التي تقتضبها أفعالها المرجو ما تضمنته من نفع، ودعة، ورفاه، لأن حقيقة ذلك، لا تظهر إلا فيما يمليه الانتماء إلى رقعة جغرافية، يسوقها عقل موحد إلى ما يحقق مناط المصلحة المحددة حصصها بالتساوي، إذ ذلك، هو الذي يغري بالتضحية من أجل هذا المبدأ، أو التخلي عنه، وسواء اعتبر تحررا من عقد لم يثمر نتيجته، أو اعتبر خيانة تجري بحكم الإبعاد لفتنته، والإجهاز على ضرره، لأن مجرد الانتساب لا يكفي، بل لا بد أن يعضده فعل مسئول، يتضمن كل الخصائص المطلوبة منه واجبا، وينطوي على سر الخصوصية التي تتمايز بها الجماعة مع غيرها، إذ ذلك يعني الاستحقاق لما هو مقسوم بين الأفراد المتعاهدين على أقيسة معينة، على اعتبارهم متساوين في الأنصبة، وما يحصل بينهم من تميز في المكانة الاجتماعية، فإنما هو لمزيد بذل، أو فضل.

وهكذا، يكون رجل الدين منطويا على صراع قديم بين الإنسان، وقواه الظاهرية، والباطنية، لأنه في اللحظة التي هو مطالب بكشف ما بين ذاته، وموضوعه، يتحول إلى موجه لهذا النزاع في الآخرين، ومرشد إلى سبل النجاة من هذا الألم الدفين في الأعماق، وإن كان لم يستغن عن ذلك في كسبه لليقين الذي لا يتأتى إلا بمجاهدة النفس، ومقارعة ما فيه من انحلال، وانسلال، إذ حين وضع سلما إلى السماء، ورسم خطا تصاعديا للخلاص من خواطر الذات، وهواجسها، ورغباتها الفاسدة، فإنه قد فرض طريقا خاصا للسير إلى الحقيقة، ومعلما محددا للسلوك على الطبيعة، وما عداه ذلك، فهو المضل للركب عن محل الأمان، والمُزل للأقدام عن جادة الصواب. لكن، هل يمكن أن يكون هذا صحيحا في تبعاته المتعلقة بمخاض الكينونة، ما دمنا لا نطيق أن نقول: إن كمال البشر في وضعياته المختلفة محض خرافة، ولازم عن نظرة مقتضبة إلى الكيان الإنساني، لأن حقيقة الصراع الذي نواجهه في حياتنا، ونعانق كثيرا من أضراره، وأوضاعه، قد أثبت الأزل حتميته في طريق التكامل، لا في سبيل الكمال، إذ محال ذلك على أحد في الخليقة؛ ومهما بدا موضعه جميلا في المعلوم للأنظار، والمنظور للأفكار، ما لم يكن مرادا لعين الرعاية الإلهية، فيكون الخير فيه ملكة، والصلاح موهبة، والحب طاقة، لأن تجاوز ضعف الإنسان، وقصوره عن مراتب الكمال، هو الرغب المستحيل بلوغه، والطلب الذي لا يطاق تحققه، إذ ذلك مرتبط بماهيته الذاتية، وهو كل ما يتفاعل في باطنه وظاهره من فاعلية، تقبل الخير اعتبارا، وترفض الشر امتثالا، لأن ذلك قصارى ما يمكن أن يصل إليه في عملية التربية، والتهذيب، وكلاهما يمحصان الحقيقة في الكيان ابتلاء، إذ مفارقة أحدهما للآخر، ما لم يكن في حدود التكليف، لن يخلق مناخا معتدلا في طبائع الإنسان، ولا في أمزجته، وأخلاطه، لأنهما عنصرا ممتزجان في ثنائية الأشياء؛ وهي حقيقة في كل ما فاض عن وحدة الإشراقات، وصار متكاثرا في مظاهر التجليات. ولذا، لا يمكن أن يكون ادعاء التخلص من هذا الصراع الطويل تاريخه، وهو المعبر عنه بمفهوم المجاهدة، دالا على ذلك التمام الذي يتظاهر به من ادعى الطهارة في محل تختلط عليه النيات، والمقاصد، والغايات، لأن ذلك محض الخصوصية التي تعبر عنها الخاصية الذاتية، والسمة النفسية، وهما معلمان واضحان في كل كينونة، إذ بهما يتم التفاضل، والتكامل، وكلاهما ينجزان الفعل المختلف بحدوده المشروطة عقلا، أو دينا، لأنهما ينصهران مع مكونات الجسد، وما يتناسل فيه من قوى، وبنى، لكي يوجها الحركة البشرية إلى معنى السمو، والتعالي.

ومن هنا تكون كثير من القضايا العقدية مرتبطة بهذه الصيرورة المتفاعلة حلقاتها في فضاء الطبيعة، والإنسان، والحياة، والكون، وإن اتسمت بسمة المطلق في كثير من مظاهرها الخارجية، لأنها تبين انحراف الفكر عن ظاهرة الإنسان الكلي، وانتقاله إلى مفهوم الجماعة المتضخمة بأناها المستعلي، وبإيديولوجيتها المتعصبة، وتراكماتها المتعنتة، إذ طبيعة العلاقة بين رجل الدين، وغيره من مكونات الفضاء الاجتماعي، وكيفما وضعه الاعتباري، هي إرشاده إلى طريق الصلاح، والفلاح، وإعادته إلى ما فيه اعتبار لسير معراجه الروحي، والمادي. لكنه حين صارت مواقفه تسويغا لأحد الأطراف المتنازعة حول السيادة، والمتحاربة على الريادة، وقد وجد هو بين سياقاتها المنفعلة ببعضها في تحقيق حدود المرام، وتحديد ما يلزم كل واحد منهما من حق، وواجب، لكي يقوم بدور الوسط الذي يحدث التوازن عند اختلال الطرفين، وتضارب النتائج حول الحظوظ المتناقضة، وتعارك المقاصد على المرامات المتفاوتة، لأنه الضابط لكل القضايا المستحدثة بمقتضى التكليف بالحجة، والإلزام بالبرهان، انحاز إلى طبقة النبلاء الذين يمتازون بالملكية المطلقة لسبل الرزق، وطرق العيش، أو إلى الطبقات الدنيا من الحرفيين، والمهنيين، وذوي الأعراض المحصور نظرهم فيما ينتظرونه من فجوات القدر، وثغرات النظام، لكي يتخلصوا من أزمة الواقع، وأمراضه الملتبسة بالفراغ، والضياع، لأن التفاعل مع ما يحمي الهوية الخاصة، ويضبط صيرورتها بما يضمن تفاعلها، واستمرارها، قد ألزمه بالانتساب إلى أحد الطرفين المتعاندين على الطاقات المكبوتة، إذ الأول منهما ممتلك للقوة بمقتضى الغلبة، والثاني طالب لها بمنتهى الإرادة. ولهذا، صارت أدواره حين امتزجت بالطبقة الأرستقراطية موجهة لأبعاد الصراع بين الطبيعة، والإنسان، والوجود، ومدعمة لتفسير محدد بفئة متميزة بما فيها من عصب القهر، وغرة الامتلاك، لأنه بهذا التحيز الذي يفرضه قانون الرغب، والرهب، يحدد مناطق الالتقاء حول المصلحة، ومواطن الافتراق عليها، ومحال التنافس حولها، ويبين ما يمكن أن يكون معروفا، وما يحق له أن يسمى منكرا، وما يجوز له أن يكون عدلا، أو أن يكون جورا، إذ تحديد هذه المفاهيم وفق رؤية مسبقة، ومرتبطة بسياق عقدي، ونسق معرفي، لم يكن إلا تدخلا في معانيها، وتحريفا لها عن خطها الذي أرادته إرادة السماء، وارتضت أن يكون اليد الممدودة إلى ضعف الإنسان، وعجزه عن مواجهة غوائل زمانه، ومكانه، لأنها لم تختر إلا أن يكون الإنسان حرا في إرادته، ومشيئته، وإن استعبد لرغبة مقبولة عقلا، أو شرعا، فلغاية إحجامه عن فساده، وإرغامه على ما يستلزمه نظام التآلف على الخير، والنفع.

ولا غرابة إذا جعلت فعل الطبيعة إلهيا، ولو كان ما يقوم به في مسير الحقيقة زلزالا، وبركانا، وفعل الإنسان شيطانيا، ولو كان دوره متصلا بكمال إدارة مسار الحياة الجميلة، وقيادتها بما ينجر الحضارة الإنسانية، لأن المعادلة قد ركبت بخطأ متعمد، ووضعت مقدماتها بمنطق متناقض، فصارت قيمة الإنسان مرتبطة بتفسيره لما يقع من اضطراب في كونه تفسيرا فوقيا، لا يتصل بنواميس الأرض، ولا بمعادلاته الصحيحة، ولا بما يتولد من اجتماع الناس حول المصالح من صراع، ونزاع، لكي يدرك ما تتأسس عليه عوامل سعادتها، وروافد شقائها، إذ يبعد ذلك اللوم عن السياق الذي يترسخ على إيديولوجية دينية، تقوم بدور الوسيط بين العبد، وربه، وبينه وبين محيطه الخارجي،وتتغيى أن تخلق مناخا مناسبا لطقسها النفسي، والاجتماعي، لأن ما يمكن أن يكون ضرورة في عملية البقاء، ولو فيه وأد للحقيقة البشرية، يعتبر أمرا شرعيا، وقدرا لا محيص عنه، ما دام تتوقف عليه حياطة الحوزة، وحمايتها، ورعايتها، إذ هي المطلوبة بالأصالة، لا ما يتحقق بها من حسن الحال، والمآل، لأن تفسير ما يقع بموجب الإخلال بالمسئولية في الدور المنوط بالفرد، والجماعة، قد يحتم استعمال آلية الإنكار، وذلك ضرره خطير على النفس البشرية، إذ هي تستسيغ الركون إلى النعمة، وتستمرئ النصب في تحصيل المبتغى من الوجود، والكون، والحياة، والطبيعة.

ولعل أجلى تجل لذلك في تاريخ البشرية، وتجربتها المتراكمة من هزائمها، وانتصاراتها، هو ما ظهر في أوربا، وانطوى على سر التعامل بين المعبد، والمرقص، أو بين الكاهن، والإنسان الذي يسعى إلى أن يفسر معضلات واقعه تفسيرا عقلانيا، لكي يدرك سبب الاختلال بين الطبقات الاجتماعية، وعلة ما يقع في وضعه من عدوان على الحريات البشرية، إذ كان رجال الدين ملتفين تحت راية الإقطاعيين المالكين للثروة، والأراضي، والعبيد، واتحد القصد بينهما في حقيقة الاستيلاء على الطبقات التي لا تملك تدبير أمر سمائها، ولا قرار أرضها، فذا يفتي، وذاك ينفذ، وكلاهما يؤديان دورا مركزيا في بقاء الدائرة المحرمة، ونفاذها في تقرير المصائر المدبرة، واستمرارها على ما تجود به من مكاسب، ومجالب، وقد استمر الوضع على ذلك إلى عصر الأنوار الذي ابتدأ بانهيار العلاقة الملتبسة بين المقدس، والمدنس، وبداية عهد الاختيارات الفردية التي تفجرت من جوفها فكرة العلمانية، وصرخة الحداثة، وتمددت بما والاها من وضعيات في المنطق، والفلسفة، والعلوم، والمعارف، وإمكانات لفهم نسبية الحقيقة وسببيتها في التطور الاجتماعي، لأن هذا الصراع القائم بين ما هو مطلق، ولا تتعلق به الصيرورة إلا اعتبارا، وما هو مقيد، ويرتبط به التقدم في مجالات الحياة الإنسانية، قد أنتج مناخا قابلا لرفض كل ما لا تدعمه الملاحظة، ولا تؤيده التجربة، ولا تقوم به الخبرة، وطالبا لبدَل يكفي عما هو قائم من علاقات يشوبها الاستعباد، ويحميها الاستبداد، ويحكمها ناموس غريزي، وقانون متسام على ما يفرضه العقل العلمي من علاقات بين الآلهة، والبشر، وبين الأفراد، والجماعات، وبين المجتمع، والدولة. ولهذا تخلى رجل الدين عن وظيفة الممارسة العملية للسلطة الدينية، لكي يلتزم دوره بما يعزز الإيديولوجية السياسية، وما يطلبه ذلك من ربط لأوامر السماء بأفعال أهل الأرض، على اعتبارها نسقا روحيا يوجز طريق الفداء والخلاص في مهلكة المادة الآسنة؛ وهي الحياة الدنيا التي استهجنها الخطاب الديني بتصورات بسيطة، وإن غطس روحه في بهجتها، وغمس جسده في متعتها، لأنها الشيء الذي لا يفارقنا إلا في عالم الأحلام، والأوهام، إذ لا يمكن لنا أن نعيش فيها بدون أن نتأثر بما يسكنها من أمل، وألم، وإلا، انسلخنا عن ماهيتنا المادية، لكي نعانق أقفا متنائيا عن قدراتنا، ونصافح فضاء لن نرتقي إليه ما حييت فينا إرادتنا العصية.







اخر الافلام

.. عاصمة القرار - الحرية الدينية في الشرق الأوسط


.. أردوغان يضغط على السعودية وينتقد دولا إسلامية بشأن خاشقجي


.. بي_بي_سي_ترندينغ: حسين الجسمي يتحدث لنا عن كونه أول مطرب عرب




.. تنظيم -الدولة الإسلامية- يتبنى اعتداء ستراسبورغ


.. قناة #العراقية الطائفية تترك كل مشاكل العراق وتخصص برنامج