الحوار المتمدن - موبايل



الكرْنفالْ -- الجُّوطية

سعيد الوجاني

2018 / 3 / 30
مواضيع وابحاث سياسية


منذ بداية الستينات والى اليوم ، نفس الطقوس ، نفس الممارسات ، ونفس المسرحيات . ما تغير هم اللاّعبون الاساسيون ، والموظفون ككراكيز وخشيبات في تغْريز ( غُرزة ) اللعبة المسرحية .
المستفيد من المسرحية مخرجها بدرجة أولى ، واللاّعبون الاساسيون ، ولاعبي الاحتياط الذين يوظفون لتغليب كفة على أخرى ، او لعرقلة وصول جماعة من الجماعات ، التي يرى المشرف الرئيسي على اخراج المسرحية ، ان دورها لم يحن بعد للعب الأدوار الحاسمة .
منذ الستينات والى اليوم ، نفس الأحزاب ، نفس العقليات ، نفس الممارسات ، نفس الانتخابات ، نفس البرلمانات ، ونفس الوضع . أي لا شيء يكون قد تحسن او تغير نحو المطلوب الشعبي . وكأننا لا نقول ان وضعنا اليوم يتدحرج من سيء الى أسوء ، لكن يحق لنا القول مع اعتراف الملكين الحسن الثاني ومحمد السادس ، بان السكتة القلبية بالأمس ، والسكتة الدماغية اليوم ، وباعتراف الملك بان النموذج التنموي قد فشل ، وهو اعتراف بفشل حقبة غالية لو تم استغلالها ديمقراطيا لما كُنّا على ما نحن عليه اليوم ، واعتراف بفشل وتبخر طموحات جيلين من الشباب ، مثلما فشل وتبخرت اطماح أجيال واجيال من الشباب منذ الستينات والى 1999 .
فحتى متى اللجوء الى سياسة الإيهام ، وبث الوهم والتضبيب ، والبحث عن الصُّغيّرات لتعويم سياسية الإلهاء والاحداث تتسابق بسرعة قياسية ، وتتراكم كطنجرة ضغط كبير قد تنفجر في اي لحظة ودقيقة ؟
بل ان تطورنا اليوم لم يكن نحو خدمة القضايا الاجتماعية والاقتصادية لإسعاد الشعب المسكين والمغلوب على امره ، بل كان تطورا نحو الإفلاس ، افلاس كل المشاريع السابقة ، بسبب غياب الدراسات وغياب المحللين ، واسناد كل شيء على التجريب فقط التجريب ، وكأننا في مختبر للفئران وليس في ( منظومة متكاملة ضمن مشروع او برنامج عام ) باسم نظام زادت عزلته دوليا اكثر من العزلة وطنيا ) . ولي ان أتساءل هنا : الم يكن اكبر افلاس واكبر فشل ، هو الوضع المأساوي والخطير الذي يهدد وحدة المغرب ترابيا وبشريا ؟ الم يخسر النظام بمقارباته الخاطئة ملف الصحراء المهدد بالانفصال ، وقد دخل المرحلة الأخيرة من حساب عده العكسي ؟
اين وصل المجتمع والشعب من درجة اليقظة من الاخطار التي ستعصف بالجميع ؟
وبتساؤل لطيف : حتى متى الاستمرار في سياسة الكرنفالات والجّوطيات ، وسوق عام ، والواقع قد كذب وبالعين المجردة ، سياسة النظام منذ الستينات والى اليوم ؟
وأخيرا وليس آخراً، هل سيقبل النظام بان يصبح الاتحاد الأوربي بمثابة مقيم عام اجنبي يتدخل في تحديد مسارات السياسة الداخلية لنظام يدعي الاستقلالية في القرار، والتمايز في الخصوصية؟ .
فكيف نفهم ان المفوضية الاوربية أدخلت إجراءات خطيرة على تجديد اتفاقية الصيد البحري تمس بالسيادة وبالقرار الوطني ؟ ماذا حين تربط المفوضية الاوربية تجديد الإتفاقية ، بمراقبة حقوق الانسان ، وبمراقبة الديمقراطية في الصحراء ، والتحكم في صرف الفوائد المالية المترتبة من ثروات الصحراء على الصحراويين الموجودين بالأقاليم الصحراوية المغربية ؟ وماذا حين تهدد المفوضية الاوربية ، بإلغاء اتفاق الصيد البحري ، إذا حصل اخلال من قبل النظام لشرط من هذه الشروط الماسة بالسيادة الوطنية ان كان لا تزال هناك فعلا او شيء يسمى سيادة ؟
وماذا حين يحدد الألماني كوهلر في احاطته لمجلس الأمن ، على وجوب التفاوض المباشر مع جبهة البوليساريو وبدون شروط ، وتركيزه فقط على حل الاستفتاء المؤدي الى الانفصال ؟
ولتحليل اعمق للكرنفال ، الجوطية ، وسوق عام الذي يحشر فيه من القوم من كل الأصناف والاشكال ، تائهين فاقدين للبوصلة ، ومُزكّي بمقابل يدفع من دافعي الضرائب ، فانّ أي مجتمع وكيفما كان من منظور البنيويين هو مجموعة بنيات : بينة اقتصادية ، وبنية سياسية ،وبنية أيديولوجية ،وبنية اجتماعية . وهو في نظر أخرين ( بورديو مثلا ) مجموعة مجالات او حقول ، ولكل مجال قوانينه ومعاييره وفاعلوه الاساسيون والثانويون ، ورهانه الأساسي ، أي القيمة او البضاعة التي يدور حولها الصراع بين مختلف ( الفاعلين ) في المجال ، بهدف تملكها واستثمارها وتوظيف نتائج حيازتها في اكتساب المزيد من الثروة والسطوة والحظوة .
لكن الا يمكن النظر الى المجتمع من خلال استعارة اقتصادية ، ترى فيه مجرد سوق كبيرة ، يتشكل من مجموعة من الأسواق الفرعية ؟ فبالإضافة الى السوق الاقتصادية ، هناك سوق أيديولوجية ، وسوق اجتماعية ( الم يتحدث الأنثروبولوجيون عن تبادل النساء كشل من اشكال التبادل الاجتماعي ؟ ) ولم لا كرنفال سياسي كما لاحظنا منذ الستينات ؟
البضاعة الأساسية في الجّوطية السياسية ، في الأنظمة الديمقراطية او شبه الديمقراطية ، هي الخيرات المتمثلة في تدبير شؤون الجماعة وحيازة قسط من السلطة يُمكّن من الوصل الى ذلك .
فما يروجه ويوزعه الفاعلون الاساسيون ، هو حزم الخطب ، والبرامج ، والوعود ، والآمال ،والخدمات الإدارية ، والتوسطات التي يبيعها مختلف الفاعلين السياسيين ، هيئات وافرادا ، لعموم الجمهور . وهنا يمكن التمييز بين البضاعة الرمزية ، الأفكار ، المبادئ ، الأيديولوجيات ... لخ ، والبضاعة العينية ، خدمات ، توسطات ، حماية ... الخ . وكثيرا ما تتخذ الهيئات السياسية من أحزاب ونقابات وجمعيات ، صورة شركات سياسية ، تنتج ، وتوزع ، وتروج بضاعة أيديولوجية من لون معين : بضاعة ذات لون ليبرالي ، بضاعة أيديولوجية ذات لون اشتراكي ، بضاعة ذات نغمة عرقية ، بضاعة اسلاموية ... الخ .
وغالبا ما يتم تكييف هذه البضاعة وفق مقتضيات ووضعية المشتري او المستهلك . فالبضاعة السياسية الموجهة الى الفئات الدنيا في السلم الاجتماعي ، هي بضاعة الاحتجاج والأمل ، بينما البضاعة السياسية القابلة للرواج لدى الفئات الوسطى والعليا ، هي بضاعة الشكر والحمد والتبرير .
هذا في ما يخص استقطاب واستجلاب الجمهور في الحالات العادية . اما في ما يخص الديمقراطية فان قانون الكرنفال السياسي ، هو القانون الذي تخضع له العملية الديمقراطية . فهذه الأخيرة في نظره منافسة ( مناقصة او مزايدة ) عامة بهدف الاستيلاء على مواقع سلطوية في الدولة ، حيث يتزاحم الرجال والنساء معا ، على الوصول الى مؤسسات مركزية ، تشريعية او تنفيذية مركزية ( برلمان – وزارة ) ، او جهوية ( مجالس بلدية ، حضرية ، قروية ، جهات ... ) . والوصول الى هذه الغايات القصوى يتطلب أولاً ، العمل على الاستيلاء على الكرنفال السياسي والتحكم فيه ، وذلك بكسب اكبر قدر من أصوات الناخبين الذين هم بمثابة زبائن او مستهلكين سياسيين .
ان ما يزكي هذه الصورة الميركانتيلية للعملية الديمقراطية ، الأهمية الخاصة للمال والاعلام في العمليات الانتخابية . فرواج المال في هذه العملية معناه ، ان البائع في امس الحاجة الى هذه البضاعة ( صوت الناخب ) مما يدفع هذا الأخير الى المطالبة بالأداء العيني المباشر والمقدم ، بدل الأداء او التسديد بالتقسيط عبر تقديم خدمات طيلة المدة النيابية للمرشح .
هكذا يطال قانون البضاعة كلاً من الشاري (المرشح) والبائع (الناخب) ، حيث لا يكتفي المرشح بان يبيع بضاعته الأيديولوجية ، والسياسية ،والخدماتية لزبونه السياسي، بل يجد نفسه مضطرا لان يقلب له المشتري ظهر المجن ، فيتحول بدوره الى بائع لصوته بتسديد فوري .
وككل شاطر ، فان المرشح يميز القيمة التبادلية الآنية ، والقيمة الاستعمالية الطويلة المدى لصوت الناخبين . فإذا دفع الآن درهما واحدا ، فسيجني منه خلال مدة صلاحية البضاعة ( فترة الولاية الانتخابية ) اضعافا مضاعفة . فالتمثيلية السياسية في هذا الاطار عبارة عن استثمار اقتصادي مضمون وذي مردود مجزٍ.
وقد فهم النظام هذه اللعبة ، فرفع أجور النواب والوزراء ، واصبح لهم تقاعد مريح ، كما رفع امتيازات الهيئات التمثيلية تمييعا للعملية الديمقراطية ، وتحويلاتها الى سوق اقتصادية لترويج البضاعة السياسية .
اما عن الاعلام فقد اصبح هذا الأخير بمثابة عنصرا ملازما للعملية السياسية عامة، والديمقراطية خاصة . فاكتساب الأنصار لا يتم الاّ إذا كانت الخطة الإعلامية ناجحة وناجعة ، لان دورها هو تلميع البضاعة ، وتلميع صورة حاملها لضمان ممارسة الإغراء والجاذبية اللاّزمين لرواج اية بضاعة . بل ان المنطق الذي يسود الاعلام السياسي خلال الانتخابات هو المنطق نفسه الذي يتحكم في اشهار البضاعة : صابون أُمُو ينظف كذا ، صابون التّيد ينظف كذا، صابون أريالْ ينظف كذا ...فكل هيئة تدعي انها طاهرة وناصعة ، وقادرة على تحقيق الآمال والوعود المعسولة اكثر من غيرها .
فهل هذا التماثل الكبير بين الكرنفال السياسي وبين الجُّوطية السياسية من حيث الشكل والآليات ، بل من حيث خضوع المجال السياسي لقوانين الجّوطية السياسية ، او سوق عام السياسي ، هو مجرد تماثل شكلي وسطحي وعارض ، ام هو تماثل عميق ؟
هل يعود ذلك الى طبيعة الرأسمالية الوسخة كنظام يبضّع ويضفي صبغة سلعية على كل شيء ، بما في ذلك مجال التسيير والتدبير ( السياسة ) ومجال القيم والمعايير ؟
كان المفكر السوسيولوجي الألماني الكبير ماكس فيبر جريئا في تعميم آلية التحليل الاقتصادي على كافة الظواهر الاجتماعية ، وهي الفكرة الملهمة التي تجد صداها قويا عند السوسيوولجي الفرنسي المعاصر بيير بورديو . وهذا ما يضفي مشروعية نظرية على مثل هذه الرؤية . فالمجتمع في مثل هذا المنظور، عبارة عن جوطية كبيرة يضم مجموعة جوطيات : الجوطية الاقتصادية ومدارها تداول الخيرات المادية وتبادلها بين الناس ، والجوطية الروحية ومدارها تداول الخيرات الروحية والاخروية ، او خيرات الخلاص من بني البشر ، والجوطية الأيديولوجية وتُروّج وتتداول فيها خيرات المعنى والتأويل والرمز والامل ، والجوطية السياسية ورهانها او بضاعتها هي مسألة السلطة ( التشريعية والتنفيذية والمالية ..الخ ) بمعنييها المركزي والموسع ، المادي والرمزي ، ولكل جوطية قوانينها واعرافها الخاصة ، وبيرقراطيتها وتراتباتها ومُثُلها وصراعاتها .
هكذا يجد الحديث عن الكرنفال السياسي بعض أسس المشروعية النظرية في هذا الطرح ، بل يجد فيه أساس تميزه ، وذلك من حيث ان الكرنفال هو سوق عام الموجه لكل الكرنفالات الأخرى ، لأنه تعبير هيگلي يعكس الإرادة العامة الجماعية ، إما في صورتها الكلية الناتجة عن الاجماع ، او في صورتها الاختزالية الناتجة عن الصراع .
ان الهدف من الكرنافل السياسي ، والجّوطية السياسية المناسباتية ( الانتخابات ) ، والمستمرة للسيطرة على الاقتصاد والثروة ، هو تمكين طبقة محدودة للاستئثار بكل السلط ( الحكم ) ، مع بقاء الأغلبية الساحقة خارج الحد الأدنى للعيش ( الكريم ) . ان المشرفين والمخرجين والساهرين على هذا التمييز المجتمعي ، والمنشغلين على إنجاح هذه الفوارق الطبقية ، متخصصين في بث سياسة الإيهام ، والوعود المعسولة ، والاحلام الكبرى المنتظرة ، قصد بث سياسة الإلهاء الفئوي والجماهيري والشعبي . فما دام الشعب ينتظر ومشبعا بأمل گودو الذي لن يأتي أبدا ، فالثورة ستبقى بعيدة ، وسياسة التّرْياقْ كافية لتطويع الجبال فأحرى البشر.
لكن الى متى هذا الإلهاء ، والى متى هذا الكرنفال والجوطية ، لان تراكمات اثنتا وستين سنة من عمر مغرب الاستقلال ، اضاعت أحلام أجيال واجيال من الشباب ، حتى وصلنا الى ان يعترف الحسن الثاني بالفشل المدوي العام عندما تكلم عن السكتة القلبية ، واعتراف محمد السادس بالفشل المدوي منذ 1999 ، وهو ما يعني اعترافا بالسكتة الدماغية التي هي اخطر واقوى من السكتة القلبية .
فمع احتداد المشاكل البنيوية ، واتساع اكثر للفوارق الطبقية ، وفشل مقاربات امنية ضيقة في معالجة قضية الصحراء المغربية المهددة بالانفصال ، ومع انتشار الظلم والفساد بكل تجلياته ومظاهره ، فإن وضع المغرب الراهن شبيه بطنجرة ضغط كبيرة قد تنفجر في اية لحظة وحين . وما يتضح ان من مصلحة بعض الماسكين بزمام الأمور، حصول الانفجار الذي قد يعتقدون انه سيخدم مكائدهم ومخططاتهم التي ستنقلب عليهم قبل ان تقسم المغرب الى ذرّات موزعة جغرافيا هنا وهناك .







اخر الافلام

.. تعرف على الراكون إيشا - أفضل طبيب نفساني للحيوانات


.. الحصاد-أميركا.. مسلسل متاعب ترمب


.. الحصاد-سوريا.. أموال عائلة الأسد




.. مرآة الصحافة 27/4/2018


.. لحظة وصول خليفة حفتر إلى مدينة بنغازي الليبية