الحوار المتمدن - موبايل



سؤال الأرض

سامي عبد العال

2018 / 4 / 2
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


لم يعد بإمكان ثقافة العرب إطلاق أيَّةَ وعودٍ حتى ولو كانت وطناً مأمولاً لوجودها العام. لأنَّ من لا يمتلك إرادته عليه أنْ يركن حياته بجوار الأوغاد، ويواصل الزحف تحت الموائد منتظراً فتات الأفكار والقرارات. هو أشبه بالقط الذي يموء وما من مجيب رغم فداحة الألم وتآكل الأرض بسكانها... إنْ لم يكن هو نفسه أحد الأوغاد القلائل المخاتلين لسرقة الآمال والمستقبل. لقد باء العربي المهزوم بمصير يرقد داخله كقبر ضخم هو مجمل وجوده في عالم الأحياء.

هذا أقل ما يقال بصدد ذهنية عرب فلسطين وعرب العرب المتأخرين حول قضايا: دلالة الأرض ( الوطن )، مفاهيم الأرض ( عقلانية المكان )، جغرافياً الأرض ( صور الحياة وتنوعها الثقافي )، إرادة الأرض( دول متقدمة وقوية )، خيال الأرض ( الحضارة بأشكالها )، صياغة الأرض ( العمران المتطور )، تحرير الأرض ( الحرية )، ثورة الأرض ( انهاء أشكال الاستعمار )، صناعة الأرض ( تكنولوجيا الزمان والمكان )، ابداع الأرض( سؤال الوجود الإنساني )، عصر الأرض( مواكبة الإنسانية وتطوراتها ).

كل ذلك غائب تماماً، لا يأتي على أولويات الثقافة العربية من الأصل. وحتى لا نستبق الخطوات سريعاً، إذا كان ثمة آلية تسير بها، فهي ذاكرة رأسية هرمية تخضع لمستويات عليا من الهيمنة بخطوط مختلفة: الدين، السلطة، الحاكم، القبيلة، العقيدة، الايديولوجيا. الشعوب العربية الاسلامية مهووسة بالتكبير بينما إرادتها مستعمرة ولا تمتلك حياة مبدعةً، تزعم أنّها لا توحد إلاَّ الله بينما تتنازع الأرض فرق وجماعات. وحدت قبلتها تاريخياً بينما تصلي متفرقة في أحضان الاستبداد والديكتاتورية.

يا تُرى ما معنى كون العرب عاجزين عن إطلاق الوعود الأرضية؟ أليس الوعد خطاباً تاريخيا أم يجئ لدينا كلاماً هوائياً؟ كيف لا يعي العرب - وبخاصة الفلسطينيين- بإرادة الأرض رغم كونها مستباحة، محتلة، ومنتهكة يومياً؟! هل الاكتفاء بالبكاء على حدود إسرائيل هو الحل الأمثل لذنوب تاريخية تحولت إلى أقدار من قبل المحتل؟ هل تحولنا إلى طريدة كل آمالها أنْ يسقط بعضها على الحدود حفاظاً على البعض الآخر؟ هل ذهب بعضنا الفلسطيني لتلقي الرصاص بصدر عارٍ من أجل إثارة المشاهد أمام العالم وكفي؟

وإلى السؤال الأكبر في تاريخ العرب والمسلمين: لماذا لدينا عقائد كزبد البحر حول السماء والإله والتكفير والجنة والنار بينما لا نجد بجرابنا الحياتي أية فكرة متماسكة حول الأرض؟ لماذا تنبت أراضي العرب الطواغيت والسفاحين بينما تعجز عقيمة عن ولادة المقاومين والثوار؟ لماذا كانت إرادتنا معلقة بالغيب الميتافيزيقي وفشلنا في شق طريق إلى الفيزيقي المستعمر؟ لماذا نتضرع إلى الحكام والسلاطين بأسماء الإله وأفعاله في حين إرادتنا أرض لم نستطع تحريرها؟!

هكذا على الهامش يتقاطر الفلسطينيون سنوياً نحو حدود كيانهم المحاصر في فلسطين للاحتفاء بيوم الأرض، هؤلاء هم الجروح المعلقة كالمسيح الناصري المصلوب على خريطة الانهيار العربي وكوارثها. إنَّ مأساة فلسطين إزاء الأرض أكبر من محاولة جمع اسم المسيح( عيسي بن مريم ) داخل جميع قواعد النحو. لماذا لم يجمع بسهولة، أهو الإله الفرد، أهو النبي غير القابل للتكرار، أهو المأساة المعلقة في سقف الخداع والخطاياً؟! فلقد كانت المشاهد خطيرة في تحويل يوم الأرض إلى مناسبة لإيقاع الضحايا من أجل الصراخ والعويل. أي لم يكن فعلاً إنما نوع من المقاومة التي ترتد إلى صدور أصحابها.

ربما كان المسيح مفرداً في شكل كل فلسطيني فقد بيته( عالمه الخاص)، وظل أسيراً في شوارعه وساحاته تحت نظر ألة اسرائيل العسكرية. الفارق بينه وبين المسيح أنه لم يجد إليها حتى اليوم من يجنبه الآلام. حتى غدت حياته عنواناً لآلام يتحملها بدلاً عن كل حبات الرمال التي تحتويها أرضه المغتصبة، فالآلام نزيف سياسي ووجودي بلا ثورة، تستوطن أحشاء الأرض دون تمرد كالحياة بلا أمل.

وكأنّ محمود درويش يستحث انسانية المتألم: "أصرخ لتعلم أنك ما زلت حيّاً وحيَّاً وأنَّ الحياة على هذه الأرض ممكنة". فالصراخ يساوي كياناً إنسانياً يكاد يحمل ألمه بحجم أرضه، بحجم الحياة. فهل يتألم من كان ميتاً؟ وهل يستحق العيش على الأرض من لم يكن نابضاً لو بالجراح. واللافت في عبارة درويش تلك الإلماعة بين الصرخة كإعلان حياة واعلان التمرد والتمسك بالأرض. لكن لماذا لا تكون مقاومة شرسة حتى يتم التحرر؟ الارض هي الجسد الذي يؤلمنا لدرجة فقدان الحياة لو نظرنا إلى المسألة بالعكس.

الاسلاميون يتحدثون عن الجهاد بينما لا يعرفون الوطن ولا الأرض. والمفارقة بادية للعيان في أن لاهوت الجهاد يطرح بلا وطن مهما يكن الزمان والمكان. فتكون محصلته غموض رمزية الأرض ودلالتها، وقد يكون المعنى دون أية قيمة من الأساس. لأن الجهاد يفترض قدرة الخلافة الاسلامية المتخيلة على هدم حدود الأوطان والدول، هي تعتمد على هذا الهدم الحتمي لما نعقد أنه حدود سيادية. فالسيادة الوطنية هي العدو الأول للخلافة ودون سيادة الشريعة تسقط الأنظمة. ويغدو الولاء الاساسي لما تؤمن به الجماعات من اعتقاد حول ما يوجد بشكل افتراضي.

وقريباً أو بعيداً - كما في أذهان الاسلاميين - لن تكون هناك خلافة إلاَّ على انقاض المجتمعات والحضارة، وأقرب الأمثلة جغرافيا الخراب التي تركها الاسلاميون بعد الربيع العربي ومازالوا ينتجون هذا الصنف الفذ من الموت الحيواني. والأنكى أنهم يعتبرون الأنقاض والخرائب والجثث والعظام المتآكلة جزء من بناء الأوطان. فلكي يبلغون حياتهم المنتظرة عليهم تحويلا الأرض إلى برك من الدماء والأشلاء.

إذن ما هي صورة الأرض؟ لقد تم نزع الأرض من موطئ إرادة الإنسان وجسده وروحه ليتم اعتبارها أرضاً لله. وبمنطوق نص القرآن ( ألم تكن أرض الله واسعة ) في حديثه عن ضيق الحال والهجرة. وطالما أن أرضاً لا ينتمي إليها الإنسان إلاَّ عبر السماء، فالذاكرة تصبح سرداً لصور اللا أرض المتتابعة باختلاف الجماعات الدينية. أي كل كوكب الأرض متاحاً لمن يستطيع فتحه على حد الاصطلاح التراثي. وبالمقابل قد تمسي الأرض موهومة لمن يمتلك الصورة في شكل اعتقاد. ولذلك فهم الارهابيون القضية، فأخذو بنظرية الارتباط الشرطي بين الخلافة وانعدام الأرض في حضور الله.

إن الجماعات الاسلامية التي تتغنى بكون الدين وطنا نسيت شيئاً مهماً أنها تدعو الناس إلى العزوف عن ارادة الأرض، فما لم تكن الحياة متاحة في أرض عليك أن تغادرها بلا عودة. وهكذا يساعد المتطرفون الاستعمار بل يشجعون عليه، لأن الأوطان دوماً ليست أرضاً، ليست هنا. بل هناك وعليك أن تنتعل الأرض احتقاراً لكيانها لمجرد نمط الحياة السائدة عليها.

بكلمات واضحة كما يقول بن تيمية: " الدنيا كلها ملعونة، ملعون ما فيها، إلاَّ ما أشرقت عليه شمس الرسالة، وأسس بنيانه عليها، ولا بقاء لأهل الأرض إلا ما دامت آثار الرسل موجودة فيهم، فإذا درست آثار الرسل من الأرض وانمحت بالكلية خرب الله العالم العلوي والسفلي وأقام القيامة".
ابن يتيمة يوجه خطابا مضمراً لترك الدنيا، كل الدنيا. فليس ثمة لعنة أكثر دماراً منها. واللعنة سابقة حتى على كافة مخلوقاتها، هي مجعولة بهكذا لعنةٍ دون إبداء أسباب ودون مبررات منطقية. وليست الدنيا كحال بشري تاريخي، إنما كل ما داخلها من بشر وثقافات ومجتمعات تدخل تحت غطاء اللعنة.

وهذا التصور لابن تيمية يدمر فكرة الدين نفسه، لأن الدين لم يطرح اللعنة كعملية من تلقاء نفسها. ولذلك في رأيه حينما تتطهر الدنيا من اللعنة لن يكون ذلك سوى من باب من أحل بها اللعنة (الله). واستعارة الرسالة الدينية، أي الوحي، هي مجاز لهيمنة الصورة الاعتقادية على عقلية الاسلاميين إلى اليوم. وهي ذاتها المجاز الذي يجعل الدين خطاباً جامعاً مانعاً لكل شيء. فمن حيث احتقاره للأرض( بسبب اللعنة) تضيع البلاد تحت سنابك الجهاد والغزو. وهو السبب نفسه الذي يدعو الجهاديين لاحتلال الأرضي الخاصة بالغير والمجتمعات الأخرى.

وتتعلق الأرض جميعاً باستعارة الطهرانية التي تطارد لعناتها. ومن ثم فالأرض لا أهمية لها إجمالاً من هذا الباب فما بالنا إذا كانت وطناً خاصة بشعب من الشعوب؟ والدعوة المبطنة هنا تتم للتنصل من فكرة الدولة والحدود الجغرافية لها، كما أن الله - بتصور ابن تيمية - يقف بالمرصاد لعلاقة الأرض بالسماء، فلئن لم يكن هناك تعلق كلي بالأخيرة، فالأرض ستشهد نهايتها المحتومة. هل ابن تيمية جزء من العلاقة الالهية لدرجة جزمه بالنهاية المؤكدة؟ وماذا عن أرض الشعوب التي لا تؤمن برسالة السماء؟

وبجانب ذلك هناك مدونة لاهوتية تحط من شأن الأرض باعتبارها تراباً، وهو مادة خلقنا الأول الذي يوحد الأصل البشري. لكنه تمشيا مع ذلك سيطوينا التراب داخل مفارقة الخالق والمخلوق دون إرادة خلق جديدة للمادة التي صنعنا منها. ومن ثم تتحول الأرض لدينا إلى مجرد حفرية كبيرة تضم الأصول والأجداث والعظام النخرة. ولكنها ليس طاقة على التحرر والاستقلال والحب. وهذا التصور يأخذنا إلى تجنب الأرض كفكرة حرية، لأنه سيناريو لعودة البشر إليها ثانية كما هو موجود في النصوص القرآنية.

وقد فهم الاسلاميون من ذلك أيضاً أن عليهم تحقير خصومهم مستخدمين لغة التراب، فالكلمات المشتقة من التراب تغطي أوجه التعبيرات الدينية، لإيقاع في روع المتلقي أن الأرض ليس تحرراً إنما دوداً وتحلاً ورفاتاً، وعليك ألا تحدد المجال الحيوي لها بل ابحث لك عن قبر عاجل تاركاً مباهج الحياة وزينتها. ويتواصل الكلام في كوننا لن نستمر طويلاً على أديم الأرض، إنما ساعات وأيام وشهور ثم تبتلعنا في جوفها.

كذلك هناك نزوع لتقديس بعض الأرض مثل الأماكن المقدسة والمساجد والزوايا والتكايا. وهذا ثقافياً يحجب قدرة الأرض على إشعارنا بالقوة التي نجنيها عملياً من الأوطان. نزعة تدفعنا أمام امكانية ضياعها في مواقع أخرى مثل فلسطين والعراق سوريا مع تدخل القوى الدولية، لأن الأرض تبقى بالنسبة إلينا خارج إرادتنا التي هي كل ما نقدس به. دوما هناك من يحرسها- الأرض- للعربي مثل المعجزة الأكبر في الحياة على غرار مقولة" للبيت رب يحميه". وليست تلك المقولة معرفية بل هي تفويضية، أي تترك الأمور على عواهنها، لعل عملية خارقة تحدث للقيام بما نفشل فيه. وأقرب دليل أن المسجد الأقصى مثّل أيقونة في القدس ثم القدس في فلسطين نهايةً.

وعلى نحو أوسع لا تمتلك الثقافة العربية فلسفة حول الأرض، كل فلسفتها تمجيداً في الاستبداد والقهر والبطولة والفتوة. وأناس العرب معلمو البشرية في إضاعة الأرض بالأوضاع السابقة، لا هوتهم الاساسي استلاب الأرض وغنيمتها لا تحريرها أو الاحساس بها.

حولت الأنظمة السياسية المستبدة مواطنيها إلى لاجئين في أوطانهم فكيف يحسون بالأرض، بتراب الأرض ورائحتها. فإذا كان هوميروس يقول" ليس أعذب من أرض الوطن"، فهذا المعنى غريب على إحساسنا العام تجاه الأرض. لقد يشعر المواطن أن له مكاناً يقطن فيه، لكنه لا يعيش إلا عرَّضاً. فالسلطة السائدة تحول بينه وبين أن يربط حياته الخاصة بحياته العامة, المجال العام الذي يحدد الوعي بالأرض كوطن هو مجال ممزق الأوصال. إن الإقامة الجبرية ليست عقوبة بل هي حال شعوب عربية بأكملها. كيف بعد ذلك يدافع المواطن عن أرض لا ينتمي إليها بفعل فاعل؟ كيف يحرر أرضاً وهو نفسه عبد لا يقوى على أن يقول أنا؟

إن الأرض هي المفهوم الإنساني لقدرة الإنسان على أن يعيش وفقاً لما ينتمي. ليست الأرض هوية أخلاقية بلا حرية ولا إحساس بالآخر، لأن العيش معاً في حدود المجتمع يسمح بأن يتبادل الفرد الشعور بما يجمعه بسواه. أو كما يقول بول ريكور إن الإنسان لا يكون إنساناً دون أن يصبح غيره، أي يشعر ويعيش في الآخر ومعه.

الأرض جعلت الثقافة اليونانية تعيش مرحلة المدينة الدولة، وبصرف النظر عن الصراع العنيف بين المدن اليونانية( أثينا وإسبرطة) إلاَّ أن الفلسفة اليونانية وحدت الأرض مع الأفق الإنساني في مفهوم اللوغوس. وهو ما جعل للفلسفة مهمة جيوبوليتيكية( تتعلق بالجغرافيا السياسية) للعقل. مما دفع جيل دولوز مؤخراً لاعتبار التفلسف نوعاً طريفاً من جغرافيا المفاهيم، صناعتها وشق دروبها وافساح المجال في شكل فضاء فكري.







اخر الافلام

.. -عكس ما كنا نتوقع- المقتنيات الثمينة تضر بجاذبيتك | اليوم


.. طالب يحل 6 مكعبات -روبيك- بنفس واحد تحت الماء لدخول غينيس


.. كيف تغيرت وجبة -هابي ميل- من ماكدونالدز عبر السنين




.. طهران تتحدى عقوبات واشنطن بالإصرار على تطوير قدرتها الصاروخي


.. نافذة خاصة لتغطية توافد حجاج بيت الله الحرام إلى منى لقضاء ي