الحوار المتمدن - موبايل



دراسة في نقد الفكر الشيعي . ح6

عباس علي العلي

2018 / 4 / 2
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الولاية في الفكر الشيعي
دأب الفكر الشيعي على أطلاق مقولة ثابتة لا يختلف عليها إثنان منهم أن الولاية التي وردت في النصوص القرآنية كثيرا وفي الأحاديث إنما تعني سلطة (ملك أمر) جعلية من الله لا خلاف عليها، وقد أثبتها النص القرآني في مواضيع كثيرة على أنها حق تصرف بالبلاد والعباد مع الظن التام بسلامة النتيجة منها لأن الإمام الحاكم معصوم من الخطأ والخطيئة، فكما مارس النبي المعصوم السلطة سيمارسه الإمام المعصوم بذات المنهج وبنفس النتيجة،، هذا ما تأسس عليه الموضوع (ولاية الإمامة) في الفكر الشيعي وروج لها على أنها أمر قدري به تقوم الأمور بأستقامة وفي خلافها سيكون الباطل سيد الواقع وكأنها مسلمة لا جدال فيها، لم تراجع المقولة بالنقد أو التدبير أو أعادة فهمها مع تطور العقل الديني ولا حتى محاولة البحث في الجذور المعنوية والدلالية لها، فهم لا يفترقون في هذه الناحية عن خصومهم الذين حصروا وحددوا المعنى في أتجاه واحد مناقض لروح المعنى وقصديات النص، هذا التماثل في الطرح ليس غريبا عن منظمة الفكر الديني عموما وفي ظل التعنت الأعتباطي في رسم توجه المنهج الفكري، ومحاولة إلباس الموضوع ذاتية شخصانية معتمدة وفقا لهدف خارج موضوعية المعنى ودلالته الأصلية.
فنقرأ مثلا هذا الأسترسال البديهي كما يزعم بعض متفكري وفقهاء الشيعة في أدبيات الفكر الخاص بهم وأعتباره أمرا محقا وحقيقيا لا مجال فيه للتفكر والتعقل والتدبر، لنعود للنص منقولا كما هو (رغم أن لفظة " الولي "تحمل عدة معاني وهي: المالك للأمر والأولى بالتصرف، الناصر ،الحليف، المحبّ ،الصديق، الوارث، وما إلى ذلك من المعاني، إلا أن المعنى المناسب بالنسبة لهذه الآية هو: المالك للأمر والأولى بالتصرف، أي من له الولاية على أمور الناس، إذ إعطاء الولي معنى آخر لا ينسجم مع أداة الحصر" إنما " الدالة على حصر الولاية بالمعنى المذكور في الله والرسول و علي، وكل المعاني الأخرى لا تتلاءم مع هذه الصيغة الحصرية كما هو واضح، هذا وإن القرائن التي تزامنت مع نزول الآية تؤكد على أن المراد من معنى الولاية هو ما ذكرناه)* .
المشكلة إذن كما تبدو للباحث الملع أن نمطية التفكير الخاص بالعقلية الدينية الإسلامية ينحاز غالبا ليس للنص بقدر ما ينحاز للهدف من طرح الموضوع وأستخدامه وتسخيره في أتون صراع فكري وسياسي، فكما حرفت المدرسة المحافظة المعنى وبسطت مفهوم أخر له فعلت المدرسة المناهضة لها ذات الإسلوب وإن أستخدمت حجج وبراهين ظنية وظرفية لتبرير طرحها للمعنى، دون أن تبالي المدرستان أنهما أمام طرح موضوعي له أهداف وغايات محددة مرتبطو ومترابطة بين البناء اللفظي والبناء القصدي المعنوي، بقولنا هذا لا ننفي الولاية عن محل النزاع والتنازع وهو الإمام علي واستحقاقه لها ثابت ولا شك في ذلك لما عرف عنه من إيمان وتصديق وأخلاص يصل حد الإعجاز لله ولرسوله، ولكن من العقل والمنطق أن نتحرى المعنى على حقيقته قبل أن نفسر أو نطرح مسلمة غير قابلة للنقاش.
وأيضا من المؤكد إن فهمنا لمعنى الولاية والذي طرحناه هنا لا ينفي عن أن الإمام علي ع قد تولى أمر الله ورسوله وأنتقل من حال الفطرة السليمة إلى حال الإيمان المطلق وثبت عليه وهنا صار وليا لله وموالي لرسوله، ولكن المشكلة التي نطرحها هنا هل كان عليا وحده وليا لله ولرسوله في زمانه ومخصوص بأية (إنما وليكم الله .....)، والمعروف أنه في أضيق حدود المعنى أن الكثير من المؤمنين وخاصة من كان في درجة الإيمان العليا في زمانه مثل السيدة فاطمة الزهراء ع وولديها الإمامين الحسن والحسين كانا بمنزلة القرب والمولاة ذاتها التي كان عليها الإمام، وإن جاء النص بذكر حالة خاصة هي حالة (الذين يؤتون الزكاة وهم راكعون)، فهذا لا يغير من حقيقة الولاء ولا يزيد من دلالتها لجرها إلى معنى (المالك للأمر) كما قال صاحب القول المقتبس أنفا.
مهمة الولي الأساسية والتي نقتبسها من النص القرآني ومن بعض الأحاديث الصحيحة تنحصر في موضوع الإمامة الدينية والهداية على وجه التحديد، فالولي هادي بأمره كونه إمام (يهدون بأمرنا لما صبروا) ويثبتون على الموقف الذي أراده الله لهم وللناس بعد الأنتقالة الحالية من عملية التولي كما ورد في النص التالي {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}آل عمران68، فالرسول ص لم يكن مالكا لأمر الناس بعد إبراهيم وإن كان أولى به بل أنه هادي على ذات الملة وثابت عليها، ومن نصوص الأحاديث التي تثبت هذا المعنى قوله لإمام علي " أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي " **.
فالوظيفية التكوينية الأساسية للولاية هي عملية الهداية في الدين ونقل الناس من دائرة الكفر أو الشرك أو الفطرة، إلى دائرة الإيمان والثبات عليها وبالعكس كما جاء في نص محكم {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}البقرة257، هذا النص يثبت لنا تحديدا معنى الولاية وليس فيها ما يعني التملك أو الخلافة أو السلطة بدليل أن الذين يتولون الطاغوت لا يكون ملكا ولا خليفة ولا السلطة بمعناها السياسي، وإن كان الأجدر منطقا وعقلا أن تكون للولي الصالح الممدوح من الله ورسوله أن يتبوأ مقعد الخلافة ويمارس المسؤولية بموجب أستحقاقات التولي والقرب من روح الدين.
وهناك ملاحظة أخرى في حالة تعدد وجود الأولياء كما ذكرنا سابقا وأردنا تطبيق القاعدة التي يقول فيها الشيعة أن الولاية تعني (ملك الأمر)، فمن يكون المالك مع التعدد مع أن نصوص قرآنية تذكر وجود التعدد في الأولياء وأن بعضهم ولي بعض {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}الأنفال72، المؤكد هنا مع تسليمنا التام بحق (ملك الأمر) للولي الأصلح والأقرب لله ولرسوله أستنادا إلى قواعد المصلحة والعثل والمنطق السليم، لكن لا بد لنا أيضا من وجود معيار أخر غير معيار الولاية في تولي (ملك الأمر) حتى يستقيم المعنى وتستقيم فكرة الخلافة والسلطة.
فليس كل ولي هو صاحب حق في أن يملك حق الأخرين وأمرهم مع تعدد الأولياء لا سيما وأن المذهب الشيعي يعتبر كمثال أن عليا وأولاده المعصومين هم أولياء الله بلا منازع، وأيضا لا ينفي عن السيدة فاطمة الزهراء ولاية التكوين والمعصومية الذاتية كونها من المطهرين ومن أصحاب الكساء الذين هم عماد فكرة أل البيت الذي أوصى بهم رسول الله (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترة أل بيتي إن تمسكتم بهم لن تضلوا بعدي أبدا)، والحديث يتعلق بالضلالة الإيمانية وإن كانت في جزء منها أن يكون للهادي قدرة على العمل بالهداية أو بسطها في المجتمع، ولكنها في واقعها الدلالي تشير للهداية لأمر الله بمعنى الإمامة الدينية وفي حدودها.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الشيخ صالح الكرباسي في موقع مركز الإشعاع للبحوث والدراسات الإسلامية ، https://www.islam4u.com/ar/almojib/%D9%87%D9%84-%D8%AA%D9%88%D8%AC%D8%AF-%D8%A2%D9%8A%D8%A9-%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%AD%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%A7%D9%85%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A8%D9%86-%D8%A7%D8%A8%D9%8A-%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8-%D9%88-%D8%A7%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A6%D9%87-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%AA-%D8%9F
**أخرجه الحاكم في صفحة 122 من الجزء الثالث من المستدرك من حديث أنس ، ثم قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه . يوجد الحديث في كل من : ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي : 2 / 488 حديث 1008 و 1009 ، مقتل الحسين للخوارزمي الحنفي : 1 / 86 ، المناقب للخوارزمي أيضا : 236 ، كنوز الحقائق للمناوي : 203 طبعة بولاق و 170 طبعة اخر ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي : 182 طبعة اسلامبول ، منتخب كنز العمال بهامش مسند احمد : 5 / 33 .







اخر الافلام

.. من يفتي عن سوء اجتهاد يشوه صورة الإسلام والمسلمين


.. بين موائد الصائمين المسلمين والمسيحيين .. ما هو أصل الفتوش؟


.. أمين الفتوى: الإفتاء فرض كفاية ومنصب شريف وعظيم




.. مصر: دير الدومنيكان يحتضن واحدة من أكبر المكتبات العربية وال


.. -الجفري-:مؤتمر الإفتاء هدفه استعادة الخطاب الشرعي من خاطفيه